مع اختفاء خيوط الضوء الاخيرة من السماء الاستوائية، تنطلق الوف الخفافيش ذات الشفة المتجعدة من احد الكهوف في جبل كاولوك تشانج (جبل الفيل الصغير) في تايلاند بحثا عن غذائها المؤلف من الحشرات في الغابة الماطرة القريبة. ان العين البشرية التي تعمل بشكل جيد اثناء النهار لا تنفع كثيرا في هذا العالم المظلم، غير ان مجموعة من الاجناس متكيفة بشكل فائق لكسب وسائل عيشها في الظلام الحالك. ومن الامثلة على ذلك الخفافيش التي تملك السونار وقرود الترسيد الصغيرة بسمعها الحاد ورؤيتها الليلية وسنورات الزباد باحساسها القوي بالرائحة. وليس نجاف على احد ان المرء يتمنى لو انه يملك مثل تلك الحواس التي تملكها المخلوقات الليلية لكن الانسان يستطيع الاستعانة بالتكنولوجيا للتعويض عن النقص في تلك الحواس مثل المصابيح والستروبوسكوب والكاميرات التي تعمل بالاشعة تحت الحمراء وتلسكوبات الرؤية الليلية. وبوجود هذه الترسانة من الاجهزة، يمكنه التوجه الى قلب الغابة الماطرة بعد حلول الظلام والتي لا تقل غنى في اشكال الحياة في الليل عنها في النهار ولكن مع اختلاف في طبيعة تلك الاشكال. ومن الاشخاص الذين تطوعوا للقيام بهذه المهمة تيم لامان من مجلة ناشيونال جيوجرافيك، الذي قام بتصوير مخلوقات ليلية في الغابات الماطرة في مناطق جنوب شرق آسيا الاستوائية ومن بينها تايلاند وماليزيا واندونيسيا. تأوي الغابات الماطرة في افريقيا وامريكا الجنوبية تجمعا غنيا من المخلوقات التي لايعرف عنها سوى القليل. ومن بين هذه المناطق الثلاث التي تقع على خط الاستواء، تعتبر آسيا الاسرع في فقدان غاباتها والاقل فيما تبقى منها. ففي اندونيسيا لوحدها، ادي التحطيب غير الشرعي الى ما وصفه احد التقارير العلمية بـ «كارثة بيولوجية». ويقول تيم: اذا تصرفنا بسرعة للحفاظ على ما تبقى من تلك الغابات، فان الاجيال القادمة ستكون قادرة على التمتع بعجائب الوردية الليلية للغابات الماطرة. تتخذ المخلوقات المختلفة في الغابة الماطرة اساليب غريبة في التخفي وردع الاعداء، فحوراء الحشرة النطاطة على سبيل المثال، تتغذى على عصار النبات من خلال فم يشبه الانبوب. والخيوط الطويلة التي تظهر مشكلة ذيلا للحشرة هي المخلفات الشمعية للسكريات التي يتم صرفها بعد ان تستخلص الحوراء المواد الغذائية من العصارة وهناك غدد في الحوراء مرتبة مثل مكبسة السباجيتي تفرز الخيوط المؤلفة من انابيب مجهرية مجوفة وهذه الخيوط قد تردع المفترسين او انها قد تنفصل عن جسم الحوراء اذا حاول المفترس ان يمسك بالذيل الكاذب. وسواء كانت لديها دفاعات ماكرة ام لا، فان العديد من الحشرات تجد في الليل الوقت الملائم والاكثر امنا لخروجها، فذبابة التنين تستغل ستار الظلام للخروج من شرنقتها وتجفيف اجنحتها وستكون قادرة على الطيران بحلول الصباح التالي، ولكن ستمر عدة ايام قبل ان يصبح جسمها قاسيا بما فيه الكفاية وتظهر عليها الالوان الزاهية المميزة لها. الليل هو الوقت المناسب لظهور بعض الحيوانات الآكلة للحوم .. ومن هذه الحيوانات جرذ القمر، الذي لا يعتبر جرذا بالمعنى الحقيقي للكلمة وانما هو فردا من عائلة القنفذ. وعلى الرغم من ان بعضها يحمل اللون الاسود مع خطوط بيضاء، الا ان تلك الموجودة في بورنيو بيضاء اللون في معظمها. ويعلن لونها البارز ورائحتها السيئة عن مذاق منفر للمفترسين، وبالتالي فانها تترك وشأنها في الغالب بينما تقوم بصيد ديدان الارض والحشرات والحلزونات وسط طبقة الاوراق المتساقطة على الارض. وتتحرك افعى القط، وهي واحدة من مئات الانواع من الافاعي التي تنشط في الليل، عبر النباتات الخفيفة لصيد الضفادع والسحالي. وتعيش الكلاب البرية الآسيوية على الفرائس الكبيرة مثل الغزلان التي تصيدها بجهد جماعي، ويواجه هذا النوع من الحيوانات المفترسة خطر الانقراض بعد تراجع اعدادها بسبب اعتبارها خطرا على الماشية من قبل السكان المحليين الذين يقومون بقلتها. ومن اهم المخلوقات الليلية في الغابة الماطرة طائر البوم، فالرؤية الليلية الممتازة لطائر البوم تساعده على الطيران وسط الغابة المظلمة ولكنه شأن قرد الترسيد، يعتمد ايضا على حاسة السمع الحساسة جدا في اكتشاف مكان مختلف انواع الفرائس والتقاطها مثل القوارض الصغيرة والسحالي والضفادع وحتى الحشرات الكبيرة. هناك مخلوقات صغيرة تلعب دورا هاما في الحياة النباتية في الغابة مثل فراشة العث المتميزة في التمويه، حيث تقضي ساعات النهار ملتصقة بالاوراق الميتة او بلحاء الشجر وفي الليل تستخدم حاسة الشم لديها في تحديد مكان الازواج والطعام. وهي تقوم بتلقيح الازهار التي تتفتح في ساعات الليل ما يساهم في الحافظ على دورة الحياة مستمرة للنباتات. بعض الكائنات الليلية في الغابة الماطرة تتخذ وسيلة غريبة للتمويه حيث انها تلتزم مكانها ولا تتحرك تحت اي ظرف الا لالتقاط الفريسة، وابرز هذه الكائنات الضفدع ذو القرنين الذي يكثر وجوده في غابات بورنيو، فهو يتصرف وكأن تمويهه يجعله غير مرئي وهو ينجح في ذلك تقريبا. وكل ما يفعله الضفدع ذو القرنين هو انتظار مرور الفريسة بجواره ويساعده على التقاط الفريسة اتساع فتحة فمه الذي يصل الى نصف طول جسمه. لا تنتهي عجائب الغابة الماطرة عند هذا الحد، فهذا مجرد غيض من فيض مما تعج به هذه البيئة من اشكال الحياة المختلفة ليلا ونهارا. وهذا يستدعي من السلطات المشرفة على هذه الغابات بذل المزيد من الجهود من اجل المحافظة على هذا الثراء الرائع ومنع تدميره لاسباب انانية بحتة. ضرار عمير



