بيان الكتب: يشتكي المترجمون عموما من التباس النصوص التي تكون بين أيديهم للترجمة الى لغاتهم، مشيرين الى نقائصها وعيوبها، محاولين ادخال بعض التعديلات عليها، ليستقيم المعنى، ويأخذ شكلا أقرب ما يكون الى اللغة المترجم اليها. ويتم مثل هذا الالتباس، عادة في مستوى اللغة المجازية أو الاصطلاحية، أو في المفهوم المستجد الذي يتطلب بديلا لا وجود له في المعجم. لكن النص يظل بعد الترجمة عرضة للاختلاف والتباين في وجهات النظر، حول ما وصل اليه المعنى. وأمام هذه الاشكاليات المستمرة تبرز الحاجة الى المعايير التي يحتكم اليها في الترجمة، والى ضرورة الاستفادة من الرصيد اللغوي الفعلي، أي كل الخيارات التي تستعمل بالفعل للتبليغ، والتي تتجسد بالفعل في اللغة، فالنص بالنسبة للمترجم ليس مجرد ظاهرة لسانية، بل يجب اعتباره وظيفة تبليغية، وجزءا من خلفية اجتماعية ثقافية أوسع نطاقا، وبالتالي يجب اعتبار الترجمة مثاقفة. من هذه الركائز ينطلق بحث الدكتور محمد الديداوي في الترجمة ومشكلة التواصل. فالنص أساسا أداة لتلقي المعرفة وانجاز فردي، تتجسد فيه ثقافة النظام المفترض، وعلى المترجم ان يكيف النص الى الحد المستحب، ليعكس تلك الثقافة، وتتجلى آليتها التعبيرية فيه. وثمة عدد من الوظائف اللغوية يجب ان تكون في حسبان المترجم، كالوظيفة التعبيرية، كما في الآداب والبيانات والخطب والكتابات الحميمة أو الشخصية، والوظيفة الاخبارية، كما في الصحافة والكتابات العلمية والتقنية والكتب المدرسية والأعمال غير الادبية التي تكون فيها الحقائق أهم من الاسلوب، والوظيفة الندائية، كما في الإشهار والدعاية والمجادلة والآداب الشعبية.. وبهذه الوظيفة الأخيرة يقصد الاقناع. ويعرض الكاتب للمناهج المتعددة في ترجمة النص وأشكالها وأنواعها، وصولا الى ما يسمى بالنهج التكاملي في الترجمة، ذلك المنهج الذي يجمع بين البلاغة والدقة وتحري الحقيقة. وفي معرض حديثه عن الاشكاليات القائمة في الترجمة يدرس الكاتب أنواع الجملة حسب مركباتها ومحاورها، من جملة بسيطة وممتدة ومزدوجة أو متعددة ومركبة ومتداخلة ومتشابكة.. ويتضح لديه ان التنقل من والى الجملة العربية، مهما بسطت ولانت للترجمة، يدل على ان العملية ليست سهلة، وتستدعي التكيف مع متطلبات اللغة ورصيدها ونظامها المفترض، وهكذا فعلى المترجم العربي ان يسخر امكانات اللغة ليبلغ أقصى درجات التكييف الممكنة، مدركا أهمية الاسلوب كصفة مميزة لكاتب، أو للغة، كعامل تزيين أو تجويد للبلاغ أو المحتوى. ثم يبحث المؤلف في اللغة التخصصية، وفي المصطلحات ودورها في الترجمة، وينظر هنا الى المترجم كمصطلحي يعني في نطاق عمله التخصصي بعدد من المهام، منها: الاهتداء الى المصطلحات وتوحيدها وتدوينها ونشرها، واسداء المشورة الاصطلاحية والارشاد. ويتناول أثر ذلك أبرز العقبات التي تعترض سبيل المصطلح المستجد، وهي الترادف والاشتراك اللفظي والتوحيد والتقبل.. وإن خصوصية هذه العقبات بالنسبة للمصطلح العربي العلمي والتقني تكمن في ما يشوب هذا المصطلح من ازدواجية وتعدد الاستعمالات واختلافها من قطر الى آخر، نظرا لتعدد اللغات الاجنبية، التي عادة ما تكون لغة المستعمر، يضاف الى ذلك عجز الهيئات العربية المتخصصة في المصطلح عن اللحاق بركب التقنيات الرائدة. لكن مكتب تنسيق التعريب في الرباط بدأ بشكل أو بآخر يسهم بدوره، ويتجه نحو استخدام الحاسوب الذي يمكن ان يساهم في لملمة المصطلح العربي وتحديد معالمه واطار مفاهيمه، ليسير به نحو التوحد. ويتناول المؤلف بالتالي الادوات المرجعية للمترجم، ويحددها بكتب متن اللغة، وكتب العلم، والتكنولوجيا، والحاسوب والطب والقانون والتجارة وما يتصل بهما، ومعاجم التراكيب المترادفة. ويفرد بحثا خاصا لمسألة استحداث المصطلحات وتوحيدها، وينظر في صنيع القدماء كالرازي وابن النديم والخوارزمي وابن سينا.. فقد بذل هؤلاء العلماء قصارى جهدهم لنقل المفاهيم العلمية عن طريق المصطلح، فحاولوا أولاً العثور على المقابل العربي المناسب، ولما لم يجدوا الى ذلك سبيلا ترجموا، وكآخر حل عرّبوا، ولم يتحرجوا في فعل هذا، وقدموا في ذلك الدليل على ان المصطلح هو عصب النص العلمي، وقوام اللغة العلمية. وقد كان ذلك في الوقت الذي اهتم فيه مؤلفو المعاجم باللغة الادبية، وأعرضوا عن اللغة العلمية، بحيث ظلت حبيسة في كتب العلوم، وهنا ظهرت حقيقة تتمثل في ان تاريخ الحياة الأدبية للغة العربية موصول الحلقات، منذ ان كانت اللغة حتى الآن، أما التاريخ العلمي للعربية فهو ممزق، لا تظهر منه الا حلقات قليلة، مما أدى الى نماء اللغة الأدبية وازدهارها، على عكس اللغة العلمية، التي تتكون أساسا من التراكيب المصطلحية العلمية، والتي ظلت ممزقة الأوصال. ينتقل المؤلف بعدئذ الى تناول معايير الترجمة، فيناقش الآراء المتضاربة حول الترجمة منذ القديم، والتي توزعت ما بين داع الى الحرفية اللصيقة بنص اللغة المترجم منها، ومتحرر مبدع يصل بالترجمة الى التأليف المرتكز على أصول اللغة المترجم اليها. لكن الطفرة التكنولوجية الهائلة التي عرفها ميدان الحاسوب، دفعت الى التفكير في صيغ جديدة من الترجمة يستعان فيها بكل الوسائل والأساليب الالكترونية، التي بدأت بالفعل في احداث تغيير جذري في صورة المترجم ومنظور الترجمة. ويمضي المؤلف في تقييم الوضع، متناولا الاطروحات والاستنتاجات القديمة والمعاصرة، فيتحدث عن اتجاهات الغرب في الترجمة، ما بين الحرفية والتصرف، ثم الترجمة البيانية ومفهومها ومنظرها العربي الرائد الجاحظ، الذي يقول: لابد للترجمان ان يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة، وان على المترجم ان يكون: أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول اليها، حتى يكون سواء وغاية. كما ان عليه ان يعرف أبنية الكلام وعادات القوم وأساليب تفاهمهم، ونبه الى خطأ المترجمين ولاسيما من يترجم منهم كتب الشعر وكتب الدين، وأكد على أهمية المراجعة والتدقيق في النسخ لتدارك الخطأ.. كما يتوسع المؤلف في الحديث عن البعد البياني للترجمة عند الجاحظ وحنين بن اسحاق الذي توفرت فيه الدراية العلمية والمهارة اللغوية، فأنجز ترجمات بيانية تتطابق مع اشتراطات الجاحظ، كما تصور المترجم المثالي، المتقن للغة، العالم بالموضوع الدقيق الأداء... وأهم ما في اشتراطات الجاحظ انه تنبه الى العنصرين الأساسيين في الترجمة وهما: الشكل ومكوناته وتأثيره (البيان)، والموضوع وجوهره (العلم). ففحوى الترجمة البيانية كمذهب أسسه الجاحظ هي التصرف بدقة. ويخص المؤلف فصلا للحديث عن التقييم والمراجعة والتدقيق، مميزا بين أنواع التطابق بين النصين، وبين المترجم الحر والمترجم الموظف، وصولا الى انه لابد ان تتوفر العناصر التالية في كل ترجمة: الفهم والإفهام والانفهام، والتناص، والمقبولية، والبعد البياني. ويذكر ان الادلة الصادرة في الأمم المتحدة تجمع على ضرورة توفر المكونات التالية في الترجمة: الأمانة، الوضوح، البساطة، الايجاز، الاستعمال الاصطلاحي، الاستعمال الصحيح للغة، التكييف، التوفيق في المصطلحات العلمية المستجدة، الاتساق المصطلحي. ويستقريء المؤلف بعدئذ معالم الترجمة في خضم الثورة الحاسوبية في عصر السرعة والعولمة والانفجار الاعلامي، الذي تبدلت فيه المقاييس، وسرعان ما ارتبطت الترجمة بالتطورات الجديدة، فتلاشت حدود الترجمة والمواضعات السابقة، كما تميع تعريف الترجمة، بما في ذلك تحديد دور المترجم، لكن في كل الاحوال بقي يتعزز موقف المصطلح، وتزداد إمكانات تسخير الحاسوب لخدمته وسرعة الوصول اليه. في فصل التطبيقات يقف المؤلف عند المصطلحات المتخصصة المستجدة، والصكوك القانونية، والخطأ المصطلحي.. في نهاية البحث يخلص الكاتب الى تحديد الاركان التي تقوم عليها الترجمة، فيحصرها في: ـ الفهم الكامل لدقائق المعاني في اللغة المترجم منها. ـ حصول الملكة اللغوية والبيانية في اللغة المترجمة اليها، المبنية على الحفظ والتشبع بالتراث الثقافي والتذوق الناتج عن ذلك. ـ حسن التصرف والانتقاء، وتركيب النص، استنادا الى تلك الملكة. ـ القدرة على التحكم في المصطلح العلمي المخصص، واستنباط مفاهيمه، وايجاد مقابله، وتوحيد استعماله، ومتابعة تطوره. أما بخصوص الترجمة العربية فيدعو المؤلف الى التمييز بين المترجم والمعرب، فالأول عليه ان ينقل النص والافكار التي يحتويها نقلا دقيقا وشاملا، شكلا مضمونا، مع التكييف البياني اللازم، في حدود الغرض من ترجمته. أما الثاني فهو وسيط بين الثقافات والحضارات بمعنى أعم، ومجال تحركه أرحب، لأنه يحاسب على فائدة منتوجه لا مقدار تقييده. وإن اهتمام المترجم وتخصصه النوعي في مجاله، وانصرافه الى انجاز عمله وفق معايير الدقة، ليعد من أكثر العوامل دفعا للترجمة على طريق التواصل الصحيح، وربما كان من أهم العراقيل التي تتعثر بها الترجمة المؤسسية، ان المترجم موظف، مما يقتل فيه الروح الابداعية التكييفية، هذا اضافة الى ما يمكن ان يلحق بالترجمة من ضرر في ظل غياب المعايير وتغيرها المتسارع. محمد عبدالواسع