بيان الكتب: بعد هزيمة هتلر أخذت الصهيونية العالمية تذيع ان ستة ملايين يهودي قتلوا او ماتوا حرقاً او خنقاً بالغاز ومنذ ذلك الوقت واسرائيل تستغل شبح هذه المأساة ـ او الأكذوبة ـ في إثارة العطف عليها وفي تعميق الشعور بالذنب لدى الألمان. بل لدى العالم، وفي استجلاب المال من تعويضات وتبرعات ومنح من شتى ارجاء الدنيا. وفي وجه هذا الافتراء على التاريخ والحقيقة، يقف المؤرخون المنصفون وقفة الانكار لهذه الواقعة. ويأتي كتاب «الهولوكوست بين الانكار والتأكيد» للدكتور رمسيس عوض ليكشف لنا مدى عجز الصهاينة في ان يثبتوا بالدليل القاطع وجود المبالغات فيما يسمى بالهولوكست فلجأوا الى خططهم المعروفة من الضغط والتهديد والاتهام بمعاداة السامية وكلها اسلحة فعالة ينحنى تحت تأثيرها صانعو السياسة الأمريكية، ويوجه الأكاديمي اليهودي «نورمان فينكلشتين» نقدا لاذعاً في نشر الاكاذيب وغض الطرف عن التجاوزات الاسرائيلية والجشع الواضح للعيان، وقد اشار الى ان ما يتم من هالات حول المتاحف والنصب التذكارية الخاصة بالهولوكوست ليست سوى نوع من العاب السيرك. والقاريء لهذا الكتاب يجد ان الدكتور رمسيس عوض لم يتحيز ضد السامية، فالكتاب يتألف من ثلاثة عروض مستفيضة لثلاثة كتب مثيرة للجدل والاهتمام: اثنان من هذه الكتب وهما «صناعة الهولوكوست» الصادر عام 2000 والذي ألفه الباحث اليهودي «نورمان فينكلشتين» و«كتاب الأستاذة اليهودية» «ديبوراه ليبستادت» الصادر عام 1994 لا ينكران حدوث الهولوكوست حتى الكتاب الثالث الصادر عام 2000 والذي يتضمن ملف القضية التي رفعها دافيد ارفنج على دار بنجوين للنشر وديبوراه ليبستادت لانها اتهمته بإنكار الهولوكوست ومعاداة السامية. يقول الدكتور عوض في حديثه لجريدة الاهرام «وسوف يعلم المتابع لهذه القضية ان القاضي البريطاني جراى جاء لمصلحة تأييد الهولوكوست وليس إنكاره، ورغم ذلك فإني اعتبر كتابي مستهجنا من وجهة النظر اليهودية. كيف؟ لاني عرضت كتاب صناعة الهولوكوست الذي الفه اليهودي فنلكشتين عرضا دقيقاً ومفصلاً، وقد عرفت من بعض الأصدقاء ان بعض محطات التلفزيون العربية اجرت معه حديثاً مطولاً استغرق نحو ساعة. والكتاب بكل تأكيد يزعج اليهود ازعاجاً شديداً لسببين. اولهما ان كاتبه يهودي، وانه فقد ابويه في الهولوكوست النازي في بولندا، معنى هذا انه لا ينكر ان الهولوكوست حدث بالفعل، لكنه يرى ان اليهود حولوا الهولوكوست الى تجارة رابحة وأنهم تفننوا في استغلال الهولوكوست لابعاد الملامة ولإظهار اسرائيل بمظهر الدولة الضحية التي يتربص بها الأعداء فضلا عن ان يتهم اسرائيل بأنها تسعى لإبادة الفلسطينيين تماماً كما أباد النازيون اليهود في اثناء الحرب العالمية الثانية. ويختم الدكتور رمسيس عوض حديثه بقوله: والرأي عندي ان الهولوكوست قد يكون حقيقة لكنها حقيقة فيها من المبالغات ما يصل الى حد الخيال والاستغلال والابتزاز. في مقدمة الكتاب يتساءل امير سالم المحامي: هل يوجد في العالم كله الآن من لا يعرف بجرائم النازيين الجدد ضد الشعب الفلسطيني الأعزل؟ أليست هذه جرائم إبادة تحرمها المواثيق الدولية؟ أليست هذه جرائم ضد الإنسانية؟ أليست هذه انتهاكات فاضحة ضد حقوق الانسان؟ أليست هذه جرائم حرب ضد اتفاقيات جنيف الاربع؟ اين ضمير العالم والشرعية الدولية سواء في مجلس الامن او الجمعية العامة للأمم المتحدة وخاصة المتعلقة بحقوق الانسان؟ واذا استعرضنا لأجزاء الكتاب نجد في الجزء الاول ان الهولوكوست هو الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود على ايدي النازيين ابان الحرب العالمية الثانية «1939 ـ 1945» وهو يختلف في التسمية وليس الممارسة عن البوجورم وهي كلمة تطلق على الابادة الجماعية لليهود في روسيا وشرق اوروبا وخاصة بولندا، ولم يكن هناك ذكر للهولوكست قبل فترة الستينيات، ولكن بعد حرب يونيو 1967 اصبح هناك بين يهود امريكا ذكر دائم للهولوكست، وكان يهود امريكا يبررون تجاهلهم السابق بعزلة اسرائيل وتعرضها لخطر الابادة من قبل العرب، فاسرائيل منذ إنشاء دولتها عام 1948 حتى ما قبل يونيو عام 1967 لم تكن تحتل مكانا مركزياً في خطط أمريكا الاستراتيجية، بل ان زعماء اليهود في فلسطين عندما اقدموا على الإعلان عن قيام دولة اسرائيل فان الرئيس الامريكي ترومان تردد في الاعتراف بها فقد كان يتأرجح بين رغبته في كسب أصوات اليهود في الانتخابات الامريكية وخوفه من تأييده لقيام دولة يهودية سوف يعزل أمريكا عن العالم العربي، ولكن بعد حرب يونيو جاء التحول حيث ازداد التحالف وتعمق بين الزعامات اليهودية والادارة الامريكية مما شجع اسرائيل على احياء ذكرى الهولوكوست، ويقول المحلل نوفيك: عندما كانت ذكرى الهولوكوست حية في أذهان الزعماء الامريكان ـ في الربع قرن التالي لنهاية الحرب العالمية الثانية ـ كانت الولايات المتحدة أقل ما تكون مساندة لاسرائيل.. وبعد ان كانت المعونة الامريكية اليها محدودة قبل 1967 تحولت الى سيل منهمر بعد ذلك التاريخ. يقول نورمان فنكلشتين: ان الذين ينكرون الهولوكوست في أمريكا قليلون للغاية وليس لهم اي اثر يذكر ورغم ذلك فان انصار الهولوكوست يدخلون في روع الامريكان انهم اصبحوا كثرة لها خطرها، اي انهم يبالغون عن عمد في تضخيم عدد المفكرين للهولوكوست حتى يجدوا لانفسهم مبررا لاقامة المزيد من المتاحف وإصدار المزيد من الكتب والأفلام والبرامج عن الهولوكوست. وتضم الولايات المتحدة اكثر من مئة مؤسسة متخصصة في الهولوكوست وسبعة متاحف كبيرة تتوفر على دراسته وتوعية الناس به، ويرى فنكلشتين انه لا يعقل ان تقوم امريكا بتقديم الدعم المادي لمتحف الهولوكوست الذي أنشيء في العاصمة واشنطن في حين ان امريكا نفسها لم تنشيء لنفسها متحفا يسجل ما ارتكب ضدها من جرائم ويذكر ان جيمي كارتر بادر بإنشاء هذا المتحف حتى يسترضى اليهود ويخفف من غضبهم عليه بسبب اعترافه بحقوق الفلسطينيين المشروعة. ويتعمد هذا المتحف ان يتغاضى عن دور اوروبا في الإساءة الى اليهود حتى لا تخسر علاقاتها الطيبة بأوروبا، كما انه يتجاهل قيام الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية بالاستعانة بعدد هائل من مجرمي الحرب وتجنيدهم لخدمة مصالحها. فضلا عن انه ضخّم الدور الذي لعبته امريكا في تحرير معسكرات الاعتقال النازي وقد سعى هذا المتحف ما وسعه السعي الى إقناع العالم بأن انشاء دولة اسرائيل هو الرد المناسب على الممارسات النازية البشعة وايضا يكرم هذا المتحف أصدقاء اسرائيل مثل الدبلوماسي السويدي والنبرج تقديرا لدوره في إنقاذ آلاف اليهود من الهلاك في حين انه ينكر على ألكونت برنادوت هذا التكريم رغم انه انقذ الاف اليهود ايضا من براثن الموت لأنه متعاطف مع العرب وبسبب هذا التعاطف اصدر رئيس وزراء اسرائيل السابق اسحاق شامير امراً باغتياله. ــــ لقد ادخلت صناعة الهولوكوست في روع الناس ان اوروبا غير اليهودية التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية والليبرالية أظهرت عدم اكتراث مشين بما الحقه النازيون باليهود من خسف واضطهاد ورغبة منها في تلطيخ سمعة البلاد الاوروبية، اجرت جامعة تل ابيب في ابريل 1997 بحثا جاء فيه ان هناك تصاعدا مطرداً في مشاعر السويسريين المعادية لليهود دون ان تشير هذه الدراسة بالمرة الى ما فعله صناع الهولوكوست بدأوا بسويسرا لجس النبض فلما استيقنوا من نجاحهم تحركوا بسرعة نحو ابتزاز بقية اوروبا وعلى رأسها ألمانيا وبعد ان نجحت صناعة الهولوكوست في ابتزاز سويسرا في اغسطس 1998 لجأت الى الاسلوب نفسه لابتزاز ألمانيا في سبتمبر من العام نفسه وفي هذه المرة يتدخل الرئيس الامريكي كلينتون شخصياً وكبار المسئولين الأمريكان لتخضع المانيا في نهاية 1999، وكالعادة لم تذهب كل المبالغ المخصصة للتعويضات الى أفراد اليهود المضارين بل احتفظت المنظمات اليهودية الأمريكية بجانب كبير منها للانفاق على مشروعاتها لخدمة الشعب اليهودي بوجه عام. ويذكر لنا المؤرخ ايلان باب ان وزير الخارجية الاسرائيلية موشى شاريت عندما بدأت اسرائيل في الدخول في مفاوضات بشأن التعويضات الالمانية اقترح تخصيص جزء من هذه التعويضات لصرفه على اللاجئين الفلسطينيين.. من اجل اصلاح ما اطلق عليه الظلم الصغير «ويعني به مأساة الفلسطينيين».. الناجم عن الظلم الأكبر والأفظع «ويعنى به الهولوكوست» ويستطرد فنكلشتين قائلاً أنه يوافق على اقتراح بإعطاء جانب من اموال التعويضات التي حصل عليها اليهود في سويسرا وألمانيا الى اللاجئين الفلسطينيين. صدر كتاب الباحثة اليهودية ديبوراه ليبسادت «انكار الهولوكوست» عام 1993 واعادت دار نشر بنجوين العالمية نشره في العام التالي 1994 وتقول فيه ان انكار الهولوكوست صار شائعا في بعض البلاد الاوروبية مثل ايطاليا ففي خريف 1992 اتضح من استطلاع الرأي العام ان ما لا يقل عن 10% من السكان هناك يعتقدون ان الهولوكوست لم يحدث، والرأي عندها ان انكار الهولوكوست يشيع في اعمال ومؤلفات بعض الكتاب الذين يغيب عن ادراكهم انهم من المنكرين له. وهي تستشهد على ذلك بمسرحية بعنوان «الهلاك» اتهم مؤلفها زعماء الصهيونية في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها بأنهم زمرة من الرأسماليين الذين خانوا جماهير اليهود وسلموهم الى جلاديهم النازيين. بدأت ارهاصات افكار الهولوكوست في امريكا تظهر في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بين الجماعات اليمينية المتطرفة وظل انكار الهولوكوست في أمريكا مقصوراً على هذه الفئات العنصرية حتى بداية عقد السبعينيات، وقد تأثر مفكرو الهولوكوست الاوائل في أمريكا بمحاجة راسينية القائلة بأن زعماء اليهود اخترعوا الهولوكست بهدف السيطرة على أموال العالم وزيادة الدعم لإسرائيل وذهب هؤلاء المفكرون الى أنه ليس من المعقول ان يكون ستة ملايين يهودي قد هلكوا في الهولوكوست. وفي عام 1952 كتب دابليو د. هيرستروم في مطبوعة بعنوان «ومضات أبناء الكتاب المقدس» يقول ان خمسة ملايين اجنبي معظمهم من اليهود دخلوا امريكا بطريقة غير مشروعة وان هؤلاء اليهود من المفترض انهم ماتوا في الهولوكوست. كما اتهمت الحكومة الكندية عام 1954 مهاجراً من ألمانيا الى كندا في الاربعين من عمره اسمه ارنست زوندل بالحض على كراهية اليهود عن طريق نشر وتوزيع المطبوعات التي تؤازر النازية الجديدة وتنكر الهولوكوست وانتهى الامر بتقديمه مرتين الى المحاكمة وإثارة ضجة في وسائل الاعلام حوله ووجه الادعاء الى زوندل تهمة التحريض على التعصب الاجتماعي والعرقي عن طريق نشر عملين هما: «الغرب والحرب والاسلام» الذي يحدثنا عن وجود مؤامرة صهيونية يدبرها اليهود والشيوعيون والماسونيون للسيطرة على العالم، الى جانب كتاب ريتشارد هاروود: «هل صحيح ان ستة ملايين يهودي ماتوا؟» ولم يكتف زوندل بتوزيع الكتب المنكرة للهولوكوست التي ألفها الاخرون بل انه قام بتأليف كتابين هما: «هتلر الذي احببناه ولماذا احببناه؟» المنشور في غرب فرجينيا، وكتاب «اسلحة النازيين السرية» ثم قام بإنشاء دار نشر تهدف الى اعادة نشر وتوزيع المطبوعات العنصرية التي تنكر الهولوكست وقام ببيع تسجيلات صوتية لخطب هتلر وأفلامه المدافعة عن النازية وكاسيتات تضم مختارات من الموسيقى التي يفضلها هتلر وارسل سيلا منهمراً من المطبوعات المنكرة للهولوكوست الى اعضاء البرلمان الكندي ولم ينس في دعايته للنازية الجديدة محطات الاذاعة والتلفزيون الامريكي غير انه ركز اهتمامه على ألمانيا الغربية. والذي احزن ديبوراه ليبسادت ان مفكري الهولوكست استطاعوا رغم وطأة الهجوم عليهم ان يقنعوا الدوائر العلمية والأوساط الجامعية بأن انكار الهولوكوست شيء محترم ينبغي على المؤرخين والدارسين ان يأخذوه مأخذ الجد باعتباره وجهة نظر تستحق المناقشة وتتعارض مع ما استقر عليه رأي المؤسسة التاريخية. ويعرض الجزء الأخير من كتاب د. رمسيس عوض لجوانب القضية التي رفعها دافيد ارفنج ضد كل من دار بنجوين للنشر وديبوراه ليبسادت طالبا منهما التعويض عما لحق به من ضرر بسبب نشر الدار لكتاب ديبوراه. وبدأت المحكمة العليا في لندن بحث القضية يوم الثلاثاء 11 يناير 2000 وانتهت من الاستماع الى المرافعات يوم الاربعاء الموافق 15 مارس 2000، واصدر القاضي جراى حكمه في صالح المدعى عليهما «دار النشر وديبوراه» يوم الثلاثاء الموافق 11 ابريل 2000. واذا استعرضنا اهم النقاط الاساسية للقضية نجد: ـ يقول المدعي ارفنج ان كتاب ديبوراه يتضمن تشهيرا بشخصه. ـ تلخيص موضوع الدعوى هو شكوى ارفنج من ان بعض فقرات تتهمه بالتماس العذر للنازية وان الكتاب يحاول تدمير سمعته كمؤرخ ويطالبهما بالتعويض ويرد المدعى عليهما بأن سمعة ارفنج اصابها الضرر من جراء انكاره للهولوكست واستمراره في تشويه سجل التاريخ بهدف تصوير هتلر على نحو محبب للنفس. ويورد الكتاب العديد من تفاصيل القضية مثل الفقرات مصدر الشكوى وتفسيرها، ودفوع المدعى عليهم الخاص بالفقرات ومعانيها واستخلاص النتائج حول المعنى. ومنهج القاضي في الحكم على المبررات، ثم التركيز على اجتماعات هتلر وخطبه، كل ذلك في عرض وترتيب قانوني ليصدر الحكم في النهاية مؤكدا ان الهولوكوست تحول الى رأس مال كبير، نجح اليهود في استثماره واستغلاله في خدمة اسرائيل فهل ينجح العرب في استثمار واستغلال ما تقوم به اسرائيل في حق الفلسطينيين من ابادة وتعذيب وتشريد؟ فرج مجاهد عبدالوهاب