اشتهر كاتبنا يحيى حقي برواية قنديل ام هاشم.. وكان الناس لا يذكرونه الا بهذه الرواية حتى تضايق منها فقال محتداً ومتسائلاً: (هل هي بيضة الديك؟!). ورواية «قنديل ام هاشم» لا تزيد صفحاتها عن ستين صفحة من القطع المتوسط، ومن 13 فصلاً. طبعت عدة طبعات وكان المؤلف يضم اليها الكثير من الروايات القصيرة او القصص الطويلة في كتاب واحد. والرواية بعد ذلك تحكي قصة حياة اسرة مصرية استوطنت القاهرة، وسعت الى رزقها هناك فافتتحت متجراً. وكان حلمها ان تربي ابناءها على الخير والفضيلة، فهي اسرة متدينة تدفع بأبنائها لدراسة الدين وعلومه خاصة في الازهر الشريف.. ومن هنا يأتي تعلقهم وايمانهم بأهل البيت، فمكانتهم عندهم عظيمة، بل انهم حتى في سكناهم يسعون الى مجاورة مراقدهم واضرحتهم تبركاً ومحبة، ولديمومة العلاقة والبركات من خلال زيارتهم المتواصلة لهذه المراقد والاضرحة. فقنديل ام هاشم «عنوان الرواية» هو ذلك القنديل الذي يضيء كل مساء حضرة السيدة زينب الواقعة في حي يسمى باسمها «حي السيدة زينب» بالقاهرة. والسيدة زينب هي اخت الحسن والحسين ابني ابناء فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الرسول الكريم بحقهما: «الحسن والحسين ريحانتي من الدنيا». وفي الرواية وعندما يأتي دور الابن الاصغر المدلل «سي اسماعيل» في تحصيله الدراسي وبعد ان حفظ القرآن الكريم كان من الطبيعي ان يدفع به والده في طريق اخوته اما للتجارة معه او للدراسة في الازهر.. ولكن والده الشيخ رجب اثر ان يسلمه الى المدارس الاميرية املاً في ا يكون رجلاً اخر تتميز به الاسرة.. كما ان الفتى لم يكن راغباً في الدراسة الازهرية وهو يرى كيف ان الصبية في الميدان تلاحق الفتية المعممين بذلك الهتاف القائل: شد العمة شد، تحت العمة قرد! والاسرة بأكملها كانت ترقب ذلك الفتى سي اسماعيل او اسماعيل افندي، وتهيئ له كل مستلزمات النجاح.. وتنذر النذور لأم هاشم كي ينجح، وفي مقدمتهم ابنة عمه. وينشأ الفتي في ذلك الحي الذي يعجن في كل خلية من خلايا جسمه.. وينغمس في ذلك الخليط من البشر الذي يوحدهم الفقر والجهل والايمان ببركة اهل البيت، حتى المرأة العاهر تتوسل وتطلب التوبة ببركة اهل البيت. ويحدث امر خطير في حياة الاسرة عندما تقرر ارسال سي اسماعيل للدراسة في اوروبا، واستنفرت الاسرة كل قدراتها وصبرها لفراق سي اسماعيل سنوات سبع يعود بعدها الدكتور اسماعيل طبيباً للعيون. وهنا فقط يصطدم العلم بالايمان عندما يرى الدكتور اسماعيل كيف ان الناس يداوون عيونهم بزيت قنديل ام هاشم وفي مقدمتهم خطيبته وابنة عمه فيقوم بتحطيم ذلك القنديل، فيلقى جزاءه «علقة ساخنة» فذلك الزيت يكون رزقاً مهماً للشيخ درديري سادن الروضة الزينبية وصاحب الدكتور اسماعيل. والغريب ان الدكتور اسماعيل يفشل في علاج ابنة عمه من خلال علمه كطبيب فتفقد بصرها، ويتعذب لذلك اشد العذاب.. ويفشل في حياته ويغادر المنزل.. ثم يعود في نهاية الرواية للزواج من ابنة عمه ويرزق منها البنون والبنات بعد ان يزاوج بين العلم والايمان. والرواية بعد ذلك صرخة في وجه التخلف واشكال وانماط التعامل به ومعه.. وعندما سؤل يحيى حقي عن اسلوب القصة الجيدة قال: «القصة الجيدة هي القصة التي تجعلك بعد قراءتها تشعر بأنك اصبحت انساناً اخر غير الذي كان»! وقال في موضع آخر: «الادب ليس متعة ويحمل رسالة، واحب ان يكون الادب وليد صراع مثل ادب ابسن وتولستوي وديستويفسكي». وكاتبنا يحيى حقي بدأ الكتابة في سن مبكرة وكثيراً ما كان يستخدم الرمز في كتاباته.. وهو كاتب وناقد في آن واحد، قال: «احس احساس الناقد وأنا اؤلف». ولكنه كان يحب ان يقال عنه كاتباً. وقد نشر قصصه الاولى في الصحافة المصرية كالفجر والسياسة. ومن اروع ما كتب يحيى حقي رواية «البوسطجي» والتي يعتقد الكثيرون انها من تأليف «نجيب محفوظ». والبوسطجي تحولت الى فيلم من بطولة شكري سرحان وزيزي مصطفى وصلاح منصور. ولكن تبقى رواية «قنديل ام هاشم» هي رواية الشهرة.. او بيضة الديك كما سماها المؤلف، حتى قال عنها يوماً: «انا ازعم انني برواية «قنديل ام هاشم» قد مهدت للثورة..! إعداد ـ كريم السماوي