بيان الكتب: ايف ماري لولان هو باحث اقتصادي ومصرفي، عمل في عدة مكاتب وزارية مع ميشيل دوبرية، رئيس وزراء فرنسا الاسبق، قبل ان ينتقل للعمل مع عدة مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الحلف الاطلسي. هذا بالاضافة الى العمل في عدة بنوك فرنسية، وعمل المؤلف ايضا بالتدريس في عدة جامعات فرنسية وفي معهد الدراسات السياسية في باريس، نشر عدة مؤلفات في فرنسا والخارج بميداني الاقتصاد والجيوسياسيا من بينها «العالم الثالث والبيئة» و«الخروج من الاشتراكية» و«بلقنة الارض» و«الامم الانتحارية»... الخ. هذا الكتاب الجديدة من اجل بقاء العالم الغربي، النساء غداً هو بصيغة ما تتمه للكتاب الذي سبقه، اي «الامم الانتحارية» الذي صدر عام 1998 وكان المؤلف قد انتهى في هذا «الكتاب السابق» الى نتيجة تقول بأن الغرب او الحضارة الغربية وبسبب عدم انجاب عدد كاف من الاطفال، لن يكون لهما اي خط معقول بالبقاء وتجاوز «الشتاء الديموغرافي» الذي بدت ملامحه في مطلع القرن الحادي والعشرين. وفي هذا العمل الجديد يحاول المؤلف ان «يعدل قليلاً» من التشخيص المتشائم الذي كان قد قدمه وبرسم بعض الخطوط العريضة لامكانية الخروج من الطريق المسدود وبحيث لا تختفي الحضارة الغربية بشكل كامل خلال القرن الحادي والعشرين. ومن المفارقات التي يقوم بها المؤلف هناك الفرق الكبير بين دور التزايد السكاني «الديموغرافي» في القرن التاسع عشر وبينه في افق القرن الحادي والعشرين. اذ ان الازدياد الديموغرافي في القرن التاسع عشر ساهم في جعل الاوروبيين سادة العالم بينما يشهد مطلع هذا القرن الحادي والعشرين تهديدهم بالانطفاء. ومن الرسائل الاساسية التي يوجهها مؤلف هذا الكتاب عبر تحليلات تأكيده بأن أوروبا مريضة ديموغرافيا لكن هذا لا يمنعه من الاعتقاد بأنها لا تزال قادرة على حمل رسالة حضارية مع اعلانه عن امله بأن يكون لها مستقبلا مزدهراً ويؤكد في الوقت نفسه على وجود وجهين اساسيين لاوروبا فمن جهة هي تقدم نموذجاً اقتصاديا فاعلاً ولكن لاروح له، هذا فضلاً عن انه يقوم بتخريب «منظومة القيم» التي كانت سابقا سر قوته، كما كانت وراء ما يسميه المؤلف ب«عظمة القارة القديمة» ومن جهة اخرى يرى بها محرماً لتقدم القيم الاخلاقية الانسانية، يقول اذا كان البشر يتجهون في خضم الألم والخطأ نحو امر غير محدد العالم فإنه بالمقابل يمكن القول بأن التوجه نحو انسانية اكثر انسانية انما يجري بفضل الغرب. واذا كان المؤلف يؤكد على قناعته بفاعلية وحيوية النموذج الحضاري الغربي، فإنه لا يتردد بالوقت نفسه في اعلان تشاؤمه الكبير فيما يتعلق بمصير البشرية كلها في ظل العولمة، ويقول مؤكداً بخصوص الانحسار الديموغرافي الذي بدأ عملياً في فرنسا ثم شمل اوروبا بانه قد ينتشر على صعيد العالم كله ضمن اطار العولمة مما قد يؤدي بعد اجل الى انطفاء الانسانية كلها، وضمن هذا النهج من التفكير والتحليل يرى ايف ماري لولان بان المشكلة الكبرى الاساسية التي يواجهها العصر الذي نعيش فيه وتحمل تهديدات حقيقية بالنسبة لمستقبل الانسانية انما هي مشكلة ذات طبيعية ديموغرافية. ويميز المؤلف بين نمطين اجتماعيين: تقليدي وحديث. وفي المجتمعات التقليدية يتم التوازن عمليا بين الولادات والوفيات بواسطة نواظم معقدة تعتمد بشكل اساسي على مؤسسة الزواج والتداخل بين البنى الديموغرافية واشكال السلوك والذهنيات السائدة، اما في المجتمعات الحديثة فإنه يوجد نوع من الانفكاك بين مستوى الولادات ومستوى الوفيات، ويكفي مجرد استمرار حالة من الخلل في التوازن بين المستويين لمدة طويلة نسبياً كي تشهد المجتمعات المعيشية حالة توسع او حالة انطفاءه، الحالة الاولى تجسدت في القرن التاسع عشر بأوروبا، اما الحالة الثانية الانطفاء فإنها تظهر في الحقيقة الحالية بالنسبة لاوروبا دائما. وفي مجال المقارنة بين المجتمعات الغربية الصناعية المتقدمة ومجتمعات العالم الثالث يشير المؤلف الى واقع ان بلدان العالم الثالث تشهد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تناقصا كبيرا بمعدل الوفيات بينما تمت المحافظة على نسبة الاخصاب وهذا ما يشهده نصف مناطق العالم حتى الآن.. بينما بالمقابل تضاءل عدد الولادات الى الضعف في اوروبا، وكانت بلدان امريكا اللاتينية قد شهدت في خلال النصف الثاني من القرن العشرين زيادة سكانية بمعدل30% اي ان اوروبا والعالم الصناعي ينحسر سكانيا بأكثر مما يشهده العالم الثالث من توجه معاكس اي يزداد سكانيا ويضيف المؤلف التوجه الانحساري في الغرب الى عدة اسباب في مقدمتها انهيار منظومات القيم التقليدية وتراجع الروحانيات.. ولذلك لابد من التفكير في كيفية الوصول الى حد ادنى من معدل الانجاب بحيث يمكن «تجنب انهيار عدد السكان، ما العمل؟ ان مؤلف هذا الكتاب يقدم عدداً من الافكار الجديدة وفي طليعتها ملاحظتها بأن المرأة في الغرب اصبحت اكثر استقلالية في جميع الميادين.. بعد ان آمنت قدراً كبيراً من الاستقلال الاقتصادي.. وانها غدت بالتالي قادرة على ان تعيش استقلاليتها هذه على صعيد العلاقات الاجتماعية والتمتع بدرجة كبيرة من الأمن وحيث ان «العضلات والجهد البدني» تفقد كثيرا من قيمتها، اضف الى هذا واقع ان المرأة اصبحت قادرة على ولوج جميع سبل المعرفة والسلطة ولكن للمفارقة قد اصبحت تميل الى انجاب عدد اقل من الاطفال. وذلك لاسباب عديدة منها هو ذاتي ويرتبط بالعلاقة مع الجسد ومنها ما هو اقتصادي وخاصة مسألة العلاقة بالعمل وضرورة التواجد لفترات طويلة. وفي محصلة التحليلات المقدمة يرى المؤلف بأن المرأة ـ نساء جميع بلدان العالم ـ هي التي تملك مفتاح الحل، وهذا ما يبرر تحديدا العنوان الفرعي للكتاب الذي يتحدث عن «المرأة غدا» لكن شريطة تغيير المواقف المسبقة حيال مسألة حرية المرأة في انجاب عدد كاف من الاطفال لتأمين تعاقب الاجيال بصورة تؤمن باستمرار التوازن المطلوب من اجل الاستمرار والبقاء وليس الانطفاء والانقراض. ويبحث المؤلف ضمن هذا السياق ايضا مجمل الاسباب التي قد تمنع المرأة من الاقبال على الولادة في المجتمعات الغربية بما في ذلك علاقتها مع جسدها وما تفرضه المجتمعات الاستهلاكية من قواعد التسويق على المرأة من قواعد وسلوكيات تبعدها عن الميل الى الانجاب وتقربها من ضرورة الاحتفاظ بشكلها واناقتها وبكل هذا وذاك صحتها. لكن هذا كله لا يمكن اعتباره بمثابة مبرر كاف للابتعاد عن الانجاب لاسيما وان ظاهرة الاحجام عن الولادات نفسها سائدة ايضا في الولايات المتحدة الامريكية وكذلك في بلدان اوروبا الشرقية على الرغم من ان نساء بلدان اوروبا الشرقية لايولين اهمية كبيرة لقواعد التسويق في ظل العولمة. وفي فصل يحمل عنوان «المرأة والعمل والمسار المهني» يبحث المؤلف في دور خروج المرأة الى العمل في البلدان الغربية الاستهلاكية بشكل خاص بتبني سياسة قلة الانجاب. وفي جميع هذه المجتمعات المعنية دخلت النساء بشكل كبير في ميدان العمل وذلك بدافع الحاجة الى عمل الزوج والزوجة لسد متطلبات التضخم في الاحتياجات.. بمعنى آخر اصبح عمل المرأة في الخارج بمثابة ضرورة اقتصادية ملحة.. اضف الى هذا مسألة اخرى تتعلق بارادة المرأة اثبات وجودها الاجتماعي كفرد له مكانته واستقلاليته ليس مجرد الاحتماء بظل الرجل «المزدهر» يقول المؤلف يستهدف ممارسة المهنة ايضا الى تحديد موقع اجتماعي للفرد مع كل ما يترتب على هذا من اعتبارات. ان ممارسة مهنة تتضمن ادراج الفرد في مجتمعه. لكن اذا كانت المجتمعات التقليدية قد نجحت في اشراك المرأة بالعمل والانتاج فإن هذا قد حصل بأغلب الحالات عبر العمل المنزلي بحيث امكن الجمع بين «العمل والامومة». فإن المجتمعات الغربية الحديثة قد فصلت بين المهمتين. وغدت المشكلة الحقيقية التي يطرحها المؤلف نفسه تكمن في معرفة كيف يمكن لهذه المجتمعات ان تجعل ممكناً الجمع بين مهنة تمتص عامة قدرات المرأة. وبين الامومة وهنا يكمن صلب المعضلة. لكن هنا ايضا يكمن «مفتاح الحل» لتجنب الانطفاء الغربي» بفعل العامل الديموغرافي، ان المؤلف يطالب بضرورة ان تضع السلطات العامة وتتبنى المؤسسات والشركات سياسة تقوم على اساس اخذ الامومة في الحسبان في ميدان ادارة الموارد الانسانية ولابد بنفس الوقت من فتح افاق جديدة لتشجيع الولادة او على الاقل منح النساء امكانية انجاب عدد الاطفال الذي يرغبنه فيما لو لم يكن تحت وطأة شروط العمل وضرورته، واذا كان المؤلف يؤكد على كفاءة «سياسات الاسرة» المتبعة الآن في اغلبية البلدان الاوروبية فإن يرى من الملح والضروري الذهاب ابعد في تشجيع «الاختيار الحر» للمرأة في انجاب ما ترغبه من اطفال دون الخشية على موقعها الاجتماعي وعلى مستوى معيشة اسرتها. ان تشجيع الانجاب من اجل بقاء الغرب يعني بوضوح ان دور المرأة هو دور مركزي من اجل الغد كما جاء في عنوان الكتاب الفرعي، وهذه هي النتيجة الاساسية التي يتوصل المؤلف لها ويستعرض في الفصول الاخيرة من هذا الكتاب سبل الوصول الى ذلك حيث يطالب بضرورة اعطاء اهمية اكبر للزراعة والقيام باصلاحات سياسية عميقة وخاصة بالعمل على تمثيل حقيقي للمهاجرين من ابناء الجيل الثاني اي الشباب الذين ولدوا وترعروا في بلدان الهجرة. لكن هذا كله يتطلب ازاحة عقبة كبيرة يحددها المؤلف في الدور المخيف لوسائل الاعلام التي تقيم سدا فاعلا وقويا امام اشاعة الافكار الجديدة التي لا تتماشي مع النموذج الاحادي السائد. وهنا يتحدث لولان عما يسميه بـ «الصمت الاعلامي» ويقترح الاستفادة من شبكات الانترنت وغيرها من التكنولوجيات الحديثة من اجل زيادة المبادرات الداعية ل«افكار جديدة في حقل تشجيع النسل بعيدا عن الحسابات المالية وعن المصالح الانتخابية. ان المؤلف يطالب بشكل ما بالعودة الى الدور التقليدي للمرأة الذي عرفته طيلة الاف السنين وهو الانجاب وتربية الاطفال والادارة المنزلية وذلك على اساس ان هذا الدور قد عرف خلال نصف القرن الاخير تبدلات جوهرية لم يعرفها خلال الخمسين الف سنة السابقة.. ولاشك بأن دور المرأة في الغرب قد اصبح اليوم في صلب الاهتمامات الهامة حيث يتم الحديث عن «المساواة» وليس في الحقوق فقط وانما في «التمثيل» العددي على كافة اصعدة النشاط السياسي والاداري والاجتماعي. وقد بدأ هذا التوجه واضحا في برامج الاحزاب السياسية الاوروبية، كما في نص اتفاقيات الاتحاد الاوروبي وفي «ماستريخت» او امستردام وغيرهما من الاتفاقيات. يقول المؤلف حول حضور المرأة في اهتمامات السياسة والاعلام والمواثيق.. لم يعد هناك غير المرأة وحقوق المرأة وهوية المرأة، والمكانة القانونية للمرأة، وحرية المرأة وترقية المرأة وحظوظ المرأة ورغبات المرأة. باختصار لم يعد هناك سوى المرأة، المرأة، المرأة. لكن بالمقابل هناك نوع من «العقم الانثوي» الذي حل اختياراً او ارغاما ويعود لاسباب عديدة فرضتها انماط الحياة الجديدة في مجتمعات تكنولوجيا ما بعد الحداثة وخاصة فيما يتعلق بعلاقة المرأة بجسدها وبالعمل وبالدور الاجتماعي. واذا كان المؤلف يركز على انحسار دور الامومة والانجاب لدى المرأة فإنه يحلل بالمقابل عملية «التدمير الارادي والمنهجي» الذي تعرض له الرجل في الغرب خلال العقود الاخيرة وذلك في دوره ك«زوج واب ورب اسرة» ولا يتردد المؤلف في القول بأن المجتمعات الحديثة تحمل في داخلها هذا الانحراف الخطير الذي لابد وان يؤدي الى زيادة في العنف، واذا لم يتم رأب الصدع القائم فإن المجتمع مهدد كله بالتدمير. يقول ايضا ماري لولان: «المرأة غدا.. من اجل بقاء الغرب.. او «الانطفاء»