بيان الكتب: ولد مؤلف هذا الكتاب ايين جيتلي وترعرع في هونج كونج. درس القانون في جامعة كمبردج وعمل في الاسواق المالية بالعاصمة البريطانية لندن. نال كتابه الأول «المستشار» جائزة «التايمز» لأسلوبه الرفيع. له عدة مؤلفات. ما الذي يدفع الانسان نحو التدخين؟ هذا الكتاب هو محاولة للاجابة عن هذا التساؤل البسيط والجوهري في الوقت نفسه. ان مئات الملايين في العالم يدخنون وكأنهم غير مبالين بالجملة الشهيرة المدونة على كل علبة لفائف ـ سجائر ـ والقائلة ان التدخين يضر كثيراً بالصحة.. ثم إن الأبحاث العلمية أجمعت كلها على أن التدخين هو أحد العوامل المسرطنة. وفي بداية محاولة الاجابة يسرد المؤلف قصته مع عادة التدخين التي بدأها ذات يوم في قطار بالصين بعد أن قدّم له أحد الشباب الصينيين لفافة تبغ ولفافة أخرى لصديقه الذي رفض أخذها في حين أنه قبلها. استغرب الشاب الصيني بشدة رفض الصديق للفافة التبغ، وكان ذلك الاستغراب والاندهاش من الرفض سبباً في إثارة فضول المؤلف مما دعاه للتأمل والتفكير في أسباب تعلّق ملايين البشر بعادة التدخين رغم اختلاف المشارب والتقاليد والأعراف والجنسيات، وعلى الرغم من اليقين الذي لا يقبل أي شك بحقيقة أضرار التدخين ومساهمته في ارتفاع معدل الوفيات في العالم. وقبل الدخول في صلب الموضوع الحقيقي لهذا الكتاب يقدم المؤلف نبذة عن تاريخية النبات التي تصنع منه اللفائف ـ السجائر ـ وأشار الى انه يعود الى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وان مناطق تواجده الدولي المعروفة تتمثل في «البيرو» و«الاكوادور» حيث انتشرت زراعته انطلاقاً منهما لتغطي عموم أنحاء القارة الأمريكية في فترة وصول كريستوفر كولومبوس وبحارته اليها للمرة الأولى في عام 1492. وإذا كان الاستخدام الرئيسي للتبغ هو ما يتعلق بالتدخين، فإن المؤلف يؤكد أنه كان له في القديم استخدامات أخرى مثل المجال الطبي كمطهر.. كما ساد الاعتقاد لفترة طويلة لدى بعض شعوب القارة الأمريكية انه يشفي من لدغ الثعابين ومن عدد من الآفات والأمراض الأخرى.. ومن هنا أتى استخدام الكهنة له على أساس ان دخانه يمثل علاجاً لعدة أمراض. وكان أول مدخن أوروبي هو من مرافقي كريستوفر كولومبوس عندما وطأت أقدامه مع بحارته أرض «العالم الجديد» حيث يتحدث المؤلف عن رواية تقول ان احد أولئك البحارة أراد بصحبة زميل له، تبني عادات سكان القارة التي وطأوها ومن بينها عادة التدخين. ثم انتشرت بسرعة عادة التدخين تلك بين عموم الاسبانيين الذين وصلوا الى القارة الأمريكية على خطى كريستوفر كولومبوس، وعندما قام احد رجال الكهنوت الاسبان بالتدخين فرضت الكنيسة أول قرار بمنع التدخين في التاريخ. كان ذلك في عام 1588 وكانت الحجة المقدمة لقرار المنع تقول ان التبغ نبات «شيطاني». ويشرح المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب آليات وصول التبغ والتدخين الى أوروبا وحيث ان الشائعات التي تتعلق بهما كانت قد وصلت الى «القارة القديمة» قبل وصولهما «ماديا» بفترة من الزمن. ان كريستوفر كولومبوس ورفاق رحلته لم يحضروا معهم عند عودتهم من أمريكا أية كمية من التبغ.. لكنهم تحدثوا عن علاقة «دخانه» بعلاج عدد من الأمراض مما دفع بعض التجار في اسبانيا والبرتغال ـ سيدتا البحار آنذاك ـ الى استيراد بذور النبات في أواسط القرن السادس عشر. وبدأت علاقة أوروبا بالتبغ من خلال زراعته في المراحل الأولى داخل حدائق القصور الملكية حيث بدأ الأطباء أبحاثهم حوله وحول «فوائده». وبعد أن انتشرت زراعة التبغ في العديد من المناطق الأوروبية اتسع نطاق انتشاره ليشمل آسيا وأفريقيا خاصة حيث لم تواجه ممارسة التدخين أية معارضة من قبل الشعوب المعنية. المعارضة الفعلية الوحيدة كانت ذات طابع ديني. ويقول الكاتب بهذا الصدد ان غياب أية اشارة صريحة في النصوص الدينية المقدسة لمسألة التدخين أثار قلق وحيرة المعنيين بتلك النصوص مما دفعهم للتوجه الى رجال الدين لطلب المشورة حول «تحريم» أو «تحليل» التدخين. ورأى علماء المسلمين بأن عدم ذكر القرآن الكريم للتدخين جعلهم يعتبرونه غير محرم. وقد كان مسلمو شرق أفريقيا يمارسون، بنسبة كبيرة منهم، عادة التدخين.. أما رجال الكنيسة الكاثوليكية فقد حرّموا التدخين آنذاك في أماكن العبادة، فقط»!! ودون تحديد عما إذا كانوا يعتبروه خطيئة أم لا.. غير أن الوحيد الذي حرّم التدخين كان هو الملك جيمس الأول، ملك انجلترا. وبعد أن يقدم مؤلف الكتاب توصيفاً مستفيضاً لتاريخية انتقال زراعة التبغ وعادة التدخين الى مختلف مناطق العالم.. والتأكيد على مدى مساهمة تطور وسائل «صناعة السجائر» في انتشارهما وفي زيادة عدد المدخنين بشكل ملحوظ يكرّس تحليلاته لدراسة البعد الاقتصادي لصناعة التبغ والتدخين. إن زيادة عدد المدخنين أدّت كـ «نتيجة منطقية» الى تزايد عدد المنتجين واحتدام المنافسة بينهم.. وقد كانت بريطانيا هي بلد صناعة التبغ وانتاجه بامتياز في العالم كي تلحق بها الولايات المتحدة بعد ذلك بفترة طويلة. وقد شهدت الولايات المتحدة خاصة ارتفاعاً كبيراً في نسبة المدخنين من الشباب ومن المراهقين الصغار أيضاً. لذلك وجد «الكونجرس» فرصة سانحة لفرض ضرائب على «السجائر» بلغت 200% من كلفة الانتاج وذلك بغية الاستفادة من عوائد هذه الضرائب لتمويل الحرب ضد اسبانيا. هكذا عكفت الحكومة الأمريكية على استغلال هذه «السلعة» من أجل توفير الدعم المالي لنزاعاتها الخارجية. لكن بالمقابل، وهذا ما يوليه المؤلف أهمية خاصة بالكتاب، بدأت ترتفع أصوات كثيرة منذ نهاية القرن التاسع عشر لتعلن معارضتها للتدخين، لا سيما مع بروز ظاهرة تزايد عدد الأطفال المدخنين. وإلى جانب محاولة بعض رجال الدين التدخل باتجاه الحد من التدخين شرعت مجموعات خاصة في حملة للتنديد بالتدخين والتعريف بمضاره الصحية على الشباب خاصة الذين تنبغي المحافظة على صحتهم بسبب الحاجة لهم في الدفاع عن وطنهم ضد الأعداء الخارجيين الذين يترصدونه. هكذا أصدرت الحكومة البريطانية قراراً بمنع بيع السجائر لمن يقل عمره عن ست عشرة سنة.. وحذت بعض الولايات حذو بريطانيا وسنّت قوانين تحظر بيع هذه السلعة لغير البالغين.. وبذلك شهد العقد الأول من القرن العشرين بداية معارضة شعبية ضد تدخين السجائر على جانبي الأطلسي. مع ذلك، وبرغم حملات مكافحة التدخين على قاعدة حقيقة أضراره الصحية، فإن عادة التدخين ازدادت انتشاراً خلال الحرب العالمية الأولى.. بل وانضمت «طبقة» جديدة لجحافل المدخنين تمثلت بالنساء حيث انتشرت عادة التدخين لديهن رغم «تحذير» أصدرته احدى الجمعيات الدينية وجاء فيه بأن المرأة المدخنة قد ينمو «شاربها» بسبب الحركة المستمرة للشفتين أثناء التدخين ومع مطلع عقد العشرينيات زادت أعداد النساء المدخنات بشكل كبير بحيث ان «السيجارة» بدت بمثابة وسيلة لبدء «حوار» بين الجنسين في الصالونات وصالات الرقص التي انتشرت بعد الحرب العالمية الأولى. ويكرّس المؤلف في سياق الحديث عن حرمات مكافحة التدخين فصلاً لبحث وضع التدخين في فترة الحكم النازي في ألمانيا، لا سيما وان النازية كانت قد تبنت موقفاً واضحاً في «معاداة هذه العادة».. وكانت مبادراتها هي الأولى التي عارضت التدخين «بأسلوب علمي» وقد جمع الفريق النازي المختص بهذا المجال جميع المعلومات المتوفرة عن التدخين وعلاقته بالصحة العامة.. كما شرعت الحكومة في وضع الضوابط المناهضة للتدخين ولجأت من اجل ذلك الى الدعايات وفرض الضرائب المرتفعة.. كما اعلن هتلر مرات «مقته» للمرأة المدخنة.. مما دفع النساء في الحزب النازي الى اعلان اقلاعهن عن التدخين كي يتفرغن لقضايا الحزب وقد ظهر أحد الاعلانات الدعائية للحزب النازي وعليه صورة «للفوهرر» وتحتها عبارة تقول: «الفوهرر هتلر لا يشرب الكحول ولا يدخن و.. واداؤه في العمل مدهش» كذلك تم حظر التدخين في الاماكن العامة.. وعلى النساء الحوامل ايضا. كان هتلر يسعى بكل الوسائل من اجل المحافظة على «النقاء العنصري للجنس الآري». ومن الدروس الاساسية التي يركز عليها مؤلف هذا الكتاب، وجود نوع من الصلة بين الحروب.. وفترات التوتر عامة وبين ازدياد عدد المدخنين كما بدا في الحرب العالمية الاولى.. ولكن ايضاً، وخاصة في الحرب العالمية الثانية.. اذ تعاظمت ظاهرة التدخين في هذا الصراع الكوني الثاني بين قوات الحلفاء لدرجة انه كان يتم تقديم عدد من علب السجائر للجنود البريطانيين مع الوجبات الغذائية.. بل يقال بان الجنرال مونتجمري «المعادي للتدخين» كان يشرف بنفسه على توزيع السجائر على جنوده قبل معركة العلمين، كذلك صدرت قرارات رئاسية امريكية باعفاء مزارعي التبغ من اداء الخدمة العسكرية. ويولي المؤلف في احد فصول هذا الكتاب اهمية خاصة لدراسة دور التدخين في الاصابة بمرض سرطان الرئة وزيادة انتشار هذا الداء العضال مع زيادة عدد المدخنين. كما تدل عدة احصائيات وحتى ان كانت التقارير الطبية غير قاطعة في تأكيد هذه المسألة. وبكل الاحوال كانت الجملة التي «تزين» علب السجائر وتحمل تحذيرا واضحا وصارما للمدخنين هي ثمرة جهود الحريات المناوئة للتدخين.. وكانت هذه الفكرة قد بدأت في الظهور خلال عام 1957 لكنها لم تترجم على جميع علب السجائر الا في عام 1966. وفي ختام الكتاب يبحث المؤلف الاسباب التي دعت الى فرض الكثير من القيود على صناعة التبغ في عقد التسعينيات الماضي، وذلك في الوقت الذي انحسر فيه التدخين بالدول الصناعية المتقدمة في حين ان معدله قد ازداد عامة على الصعيد العالمي، واذا كانت القيود المفروضة على المدخنين قد اصبحت مألوفة في معظم الدول الصناعية، فانه لم يتم مع ذلك التوصل الى اسلوب ناجع لشفاء المدخنين من داء الادمان على التدخين، كما لم يتم التوصل الى عقار فعال للقضاء على الاورام السرطانية في جهاز التنفس «خاصة الرئتين» كما ان التحسن الملموس في علاجه لم يخفف من قلق المدخنين، وغير المدخنين على حد سواء، لان ذلك يعني حسب قراءة معينة بانه ليس هناك وسيلة للقضاء على اورام الرئة حتى مع الاقلاع عن عادة التدخين: لكن مع ذلك لابد من التحلي بالأمل كما يقول لنا مؤلف هذا الكتاب، واذا كان التبغ كمادة يستهلكها المدخنون، هو احد اكثر المواد المثيرة للجدل في حياتنا اليومية.. فإنه يبقى من الواجب، وهذه هي الرسالة الاساسية في المحصلة النهائية للتحليلات المقدمة، العمل على «تحصين الناس ضد هذا الداء» وحتى لو كان «النيكوتين الرائع» يمثل لحوالي 1.2 مليار شخص في العالم الصديق الأنيس الذي يدخل «السرور والراحة» الى قلوبهم. قصة «افتتان» مئات ملايين البشر بـ «نبتة» يتفق الجميع على انها مؤذية وتنشر سمومها «دخانا» لكن «من الحب ما قتل»