بيان الكتب: جاوندولين لايك، هي استاذة الانثروبولوجيا، علم الانسان، وهو علم يبحث في اصول الجنس البشري من حيث مسيرته التطويرية واعراقه وعاداته ومعتقداته، في الجامعة الامريكية الدولية في لندن، كما تدرس تاريخ الفن في معهد تشيلسي وتمارس مهنة الدليل السياحي الثقافي، في الشرق الاوسط عبر تقديم التحليلات حول تاريخ واثار وانثروبولوجية المنطقة للمؤلفة ونشرت عدة كتب عن الشرق الادنى القديم، مثل قاموس اساطير الشرق الادنى، والجنس في ادب بلاد مابين النهرين.. الخ. بدأت الحياة المدنية الحضرية قبل سبعة آلاف سنة في منطقة بلاد ما بين النهرين، هذا ما تشرحه المؤلفة على مدى 360 صفحة. وتتناظر هذه المنطقة المقصودة بالعراق حالياً، واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تؤكد بان بلاد ما بين النهرين هي مهد احدى اقدم الحضارات التي عفتها الانسانية في مسيرتها الطويلة، فانها تشير في الوقت نفسه الى انها حضارة لاتزال مجهولة الى حد كبير على المستوى العالمي، وذلك بالقياس الى حضارة قديمة اخرى هي الحضارة الفرعونية في مصر والتي تشغل حيزاً اكبر بكثير من المخيلة العامة بالقياس الى ما يحتله البابليون والسومريون والاشوريون، اي شعوب بلاد ما بين النهرين قديماً، لكن خصوصية هؤلاء الشعوب والحضارة التي بنوها تكمن في كون انهم اول من قام بإشادة المدن في تاريخ الانسانية، ولذلك ليس من المستغرب ان تنال هذه الحضارة اهتماماً متزايداً في بداية هذا القرن الجديد الذي اصبحت اغلبية سكان العالم تعيش فيه بالمدن، هذا فضلاً عن ان حضارة ما بين النهرين كانت ذات طابع زراعي لا يقل اهمية عما كانت تعرفه مصر القديمة. ان المؤلفة تحلل في الفصول العشرة التي يتألف منها هذا الكتاب اهمية الدلالة الحضارية التي مثلتها المراكز المدنية باعتبارها كانت بمثابة تجديد جوهري، في التوجه نحو الحضارات الحديثة. وتخص بشكل عام نمط الحياة في تلك المدن الاولى وسماتها والنشاطات التي كانت سائدة فيها وفي مقدمتها التجارة والثقافة. ولا تتردد المؤلفة ضمن هذا السياق في التأكيد بأن مدينة بابل كانت اول مدينة حقيقية في العالم تتمتع بتعددية ثقافية وتعددية اثنية، هذا ما يدل عليه التراث الثقافي والشعري، ملحمة جلجامش هي احد اقدم، ان لم يكن اقدم، النصوص الادبية المعروفة في تاريخ الانسانية، والاجتماعي، لاسيما فيما يتعلق بالمكانة التي احتلتها المرأة في تلك المدن. النهران المقصودان هما الفرات ودجلة، والبلاد ما بينهما تمتد من كردستان شمالاً وحتى الخليج جنوباً. وكانت هذه المنطقة قد عرفت الزراعة منذ الألف الخامس قبل الميلاد. وتزامنت في الفترة نفسها ايضاً عملية انشاء التجمعات السكانية التي شكلت نواة للمدن الاولى في التاريخ من امثال اريدو، واوروك، واور، التي ازدهرت كثيراً في عهد الاكاديين والسومريين والبابليين، ان المؤلفة تحلل الآليات التي تشكلت فيها هذه المدن بالاعتماد على اساس تطور آليات الزراعة والانتاج والتأقلم مع البيئة وانتشار شبكة من الاقنية المكرسة للري مما فتح الطريق امام نشوء نوع من رسملة الانتاج، وكان هذا يمثل شرطاً لتشكل المجموعات السكانية، واختراع المدن، تدريجياً. وتؤكد المؤلفة بأن عشرات المدن قد انشئت بحيث كانت كل واحدة منها تسيطر على مناطق ريفية محيطة بها، لكنها تركز على بعض المدن الكبرى التي شكلت بالتدريج نوعاً من المدن ـ الدول وبحيث تقوم بدراسة التطور التاريخي الخاص بكل منها، وعبر تكريس فصل كامل لكل مدينة من المدن العشر التي تتم دراستها ابتداء من اريدو، وحتى بابل ومروراً باورالا واور واكاد وغيرها. وتعتمد المؤلفة بشكل خاص على الدراسات التي قامت بها اكثر من بعثة اوروبية اجرت بحوثاً في ميدان الاركيولوجيا، علم الاثار وايضاً اعمال المؤرخنين والجغرافيين، وعلماء الجيولوجيا والباحثين المختصين في حضارة الاشوريين ولغتهم ومعتقداتهم ونمط حياتهم، هذا لاسيما وان المؤلفة هي احد هؤلاء الاخصائيين. ويبدو ان لكل مدينة من المدن الغنية تاريخها الخاص بها، ان المؤلفة لا تتردد في هذا السياق من وضع حضارات بلاد ما بين النهرين ومصر والحضارة الكلاسيكية اليونانية، على قدم المساواة من حيث مساهمتها الحضارية. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في التأكيد، بعد مقارنات قامت بها بين الحضارات الثلاث: المصرية واليونانية القديمتين وحضارة ما بين النهرين، بان هذه الاخيرة قد جددت بشكل خاص على الصعيد العمراني والميداني. وبالتالي كان المجتمع الانساني اختراعاً انتجته حضارة ما بين النهرين، على حد تعبيرها، وذلك الى جانب مساهمات اخرى على صعيد الكتابة والرياضيات والتخييم، ثم ان العوامل البيئوية والجغرافية لعبت دوراً وشجعت في زيادة الانتاجية وفي ازدهار المدن وتجمع السكان فيها الى درجة ان 90% منهم كانوا يعيشون في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد في المدن، وذلك بالنسبة للقسم الجنوب من بلاد ما بين النهرين، اي الواقع بين مدينة بغداد والخليج، واصبحت بابل في اواسط الالف الاول، قبل الميلاد، احد اكبر مدينتين في العالم، انذاك، الى جانب الاسكندرية. ان مدن بلاد ما بين النهرين لم تكن مجرد مجتمعات سكانية كبيرة وانما كانت مراكز حضارية هامة لعبت دوراً يضاهي من حيث تأثيره في المسيرة التطورية الانسانية الدور الذي لعبته المدن اليونانية القديمة ـ الاغريقية ـ وتدرس المؤلفة من خلال المدن وبنيتها ووزنها الاقتصادي والحضري ـ التمديني ـ آلية عمل المنظومة السياسية حيث كانت المدن الكبرى، وفي مقدتها بابل واشور واور مقر السلطة السياسية والادارات المختلفة، اي كان هناك نمط مركزي في تسيير امور المجتمع والحكم. وقد كانت هذه الآلية المركزية ذاتها هي بمثابة اختراع ولده السياق الخاص، السياسي والاجتماعي وخاصة الاقتصادي، لتشكيل المدن ذاتها.. هذا مع التأكيد بانه كان للمدن بنفسها خصوصيات تميزها عن بعضها لبعض كما ان دور بعضها كان قد امتد الى مناطق واسعة مثل مدينة اوروك التي بدت وكأنها مركز امبراطوري آنذاك. وطورت بعض المدن بنى اقتصادية خاصة على قاعدة الشروط الطبيعية والمناخية هكذا طورت بابل شبكة بكيرة للري كانت بمثابة محرك اساسي في ازدهارها. وشكلت المدن في بلاد ما بين النهرين في ظل الحضارات الكبرى القديمة التي سادت في المنطقة من كلدانية وسومرية وبابلية واشورية اسواقاً هامة للتبادل التجاري بين مختلف مكونات المجتمع من فلاحين وحرفيين وغيرهما. هذا فضلاً عن انها كانت مراكز اشعاع ثقافي كما يدل التراث الذي افصحت عنه النصوص المنقوشة العديدة التي تم اكتشافها. وتؤكد المؤلفة ضمن هذا السياق على الاهمية التي اكتساها التعليم في مدن بلاد ما بين النهرين قديماً وقد ساهمت شعوب المنطقة في تطوير تقنيات الكتابة ولاغراض ربما كانت تتعلق بالدرجة الاولى بالحسابات اثر ازدهار الحياة الاقتصادية وبالطقوس الدينية التي كانت معابد المدن الكبرى اماكن ممارستها الرئيسية. ان المؤلفة، وفي اطار بحثها حول تاريخ المدن العشر الكبرى في منطقة بلاد ما بين النهرين قديماً، ترى في مدينة اريدو اول المدن التي تشكلت في المنطقة المعنية، وانها كانت بمثابة عدن ما بين النهرين حيث كانت بداية مسيرة التمدن، وتؤكد المؤلف ايضا بأن اول الابنية التي شيدت كانت المعبد، واعتبرت بان هذا له دلالته الواضحة على وظيفة المدن وتطورها، باتجاه مراكز حضارية اكثر شمولاً، تقول المؤلفة: تدل التقاليد القديمة لبلاد ما بين النهرين بان اريدو ـ هي اقدم المدن في المنطقة، وموطن الابداع. بكل الحالات تبقى المدينتان الاكثر شهرة، والاكثر ازدهاراً في منطقة بلاد ما بين النهرين قديماً هما اشور وبابل اللتان ترى المؤلفة بهما النموذج والمرجعية الاكثر اكتمالاً لنمط مدن الحقبة. وكانت هاتان المدينتان قد اقامتا علاقات وطيدة بينهما مع نوع من التنافس لاحتلال موقع الصدارة، ومن الملفت للانتباه ان المؤلفة تجد اغلبية مرجعياتها لدى الباحثين البريطانيين في القرن التاسع عشر ولدى متحف لندن للآثار الذي يحتوي على كم كبير من الاثار البابلية والاشورية. وتحتوي فصول هذا الكتاب العشرة رسوماً وخرائط تساعد على توضيح المفهوم العمراني الذي كان يسود آنذاك. ولعل من اهم ميزات هذا الكتاب هو ان المؤلفة تضع تحليلاتها في سباق قيام المدن الاولى في تاريخ الانسانية مع تأكيدها في الوقت نفسه على اهمية المقارنة مع حضارات اخرى في مقدمتها الحضارتين الاغريقية والمصرية، القديمتين وتخلص الى القول بأن المدن هي اختراع بلاد ما بين النهرين، لكنها اي المدن، كانت التعبير الحضاري الامثل مستوى التنمية والتقدم التي وصلته بشعوب المنطقة وعلى مختلف المستويات. وفي البدء كانت المدينة!