بيان الكتب: مارك أوجيه هو كاتب وعالم أجناس فرنسي، نشر أكثر من عشرين كتابا حول السلطة والايديولوجيا ومختلف مظاهر الحياة الانسانية. ومن بين أعماله «نظريات السلطة والايديولوجيا» وسلطات الحياة وسلطات الموت، مقدمة الى انثروبولوجية القمع و«حرب الاحلام» و«ابداعات نهاية القرن»... الخ. «النسيان ضروري للمجتمع كما هو للأفراد، وعلينا ان نعرف كيف ننسى كي نتذوق طعم الحاضر واللحظة والانتظار، لكن الذاكرة نفسها بحاجة الى النسيان إذ عليها ان تنسى الماضي القريب كي تستعيد الماضي البعيد».. هذا ما يقوله مارك أوجيه في مطلع كتابه الجديد «أشكال النسيان» والذي يشكل في جوهره نوعا من دراسة آليات «استخدام الزمن» في مختلف مظاهر الحياة اليومية في المجتمعات الغربية المعاصرة.. وكان هذا المؤلف قد اهتم أولا بالمجتمعات الافريقية عندما كان مديرا لمدرسة الدراسات العليا في باريس خلال الفترة 1985 ـ 1995. في هذا الكتاب «أشكال النسيان» يرى بأن «واجب النسيان» يكمّل تماما واجبا آخر هو «واجب الذاكرة». واذا كان مطلوبا من الأجيال الجديدة ان تتذكر الاحداث الكبرى التي عاشها آباؤها وأجدادها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية فإنه بالمقابل لابد لأولئك الذين عاشوا تلك الاحداث والتجارب من ادراك انه ليست هناك أية امكانية لـ «نقل» ما عاشوه بكل وجودهم الى الآخرين، ولذلك تبقى الوسيلة الوحيدة بالنسبة لهم كي «يتجاوزوا الرعب الذي عاشوه هي محاولة نسيانه». «واجب النسيان» مطلوب ولكن «ليس فقدان الذاكرة التاريخية».. إن المؤلف يتحدث ضمن هذا الاطار عن مدى الوطأة الكبيرة التي عاشها ابناء جيله الذين كان عليهم الذهاب الى الجزائر «المستعمرة آنذاك» لأداء الخدمة العسكرية هناك. وذلك لأنهم كانوا يدركون بأن ممارسة التعذيب كانت أمرا شائعا. وهو يتذكر تلك الفترة التي ذهب فيها الى الجزائر للمرة الأولى عام 1961، أي قبل عام واحد من نيل هذه البلاد استقلالها الوطني، وهناك شارك للمرة الأولى باعتقال أعضاء في المنظمة السرية الفرنسية، التي كانت تطالب ببقاء الجزائر فرنسية ومارست أعمال عنف من أجل ذلك. يومها كانت الدعابة السائدة حيال اعتقال أولئك «المعارضين» للاستقلال تقول «جاء الآن دورهم، لذلك لا يتردد المؤلف في ابداء استغرابه الشديد من اظهار البعض دهشتهم عند اكتشاف واقع التعذيب الذي مارسه الجيش الفرنسي في الجزائر اثناء حرب التحرير الوطني وحيث ان العامين الأخيرين قد شهدا نشر عدة كتب في فرنسا حول هذه المسألة، وكان «واجب الذاكرة» ينتقم بشكل ما من «واجب النسيان». وضمن اطار البحث عن «استخدام الزمن» يناقش المؤلف موضوعه من وجهات نظر اربعة مشارب مختلفة، فهو ينظر الى المسألة أولا من زاوية المحلل النفساني الذي يبحث في العلاقة بين الذاكرة والنسيان.. وثانيا من زاوية الحوار بين الفلسفة والانثروبولوجيا من أجل «اختبار الفرضية القائلة بأن كل حياة بمثابة رواية»، وهو يستخدم مفهوم الانثروبولوجيا بمعنى «دراسة الجوانب الانسانية للمجتمعات أو العلاقات فيما بينها».. وثالثا من زاوية الروائي ومفهومه للنسيان.. ورابعا وأخيرا من منظور الاتنولوجي، أي الذي يقوم بعملية وصف شامل لمجموعة انسانية أو لمجتمع من خلال الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمعتقدات السائدة. ان صفحات هذا الكتاب منذ بدايته وحتى نهايته تدور مضامينها حول بعض الكلمات والمفاتيح في موضوع البحث مثل كلمات «النسيان» أولا وما يعارضها و«يرتبط معها بالوقت نفسه» مثل «الذاكرة» و«التذكر» وايضا بعض الكلمات التي تدور في الفلك نفسه مثل «الغفران» و«اللامبالاة» و«الإهمال» في مجال النسيان و«الحسرة» و«التشبث والدوران حول الفكرة نفسها» فيما يخص الذاكرة.. كما تتردد في تحليلات هذا العمل كلمتان هما «الحياة» و«الموت باعتبارهما «الأكثر تعارضا» و«الأكثر اقترابا» الى درجة انه لا يمكن استخدام أحدهما دون ان تكون الاخرى هي «المرجعية» على الأقل اللغوية. إن هذه الكلمات كلها «تتصادم وتتشارك أو تنفصل عن بعضها البعض»، حسب تعبير المؤلف الذي يضيف في موقع آخر و«إن الذاكرة والنسيان تعرفان بشكل ما نفس العلاقة القائمة بين الحياة والموت». وعبر البحث عن «أشكال النسيان» يتطرق المؤلف لدراسة العلاقة القائمة بين «الواقع» و«الخيال الابداعي» على اعتبار ان الحياة بمثابة رؤية.. وهذه العلاقة لا تبدو في احيان كثيرة بمثابة علاقة الـ «أنا» بـ «الآخر» الذي لا نرى منه الا ما «نتصوره» عنه مما يجعل «التواصل» رغم حديثنا الكثير عنه، غائبا لأنه لم تعد هناك لغة مشتركة حقيقية، بحيث ان العلاقات أصبحت بمثابة تبادل «معلومات» دون «التوتر الانساني»، لكن هذه الرؤية التشاؤمية لا تمنع المؤلف من اعتبار ان الانسان «يقوم ببناء نفسه عبر علاقته مع الآخر» أو اذا قطع هذه العلاقة فإنه يصبح مهددا بـ «السقوط» أمام نقص التواصل الانساني ومجرد «تبادل المعلومات» تبرز ظواهر القلق والتمرد والعنف التي تبدو في تزايد مستمر ومتسارع «خطير». إن هذه الظواهر تبدو بنظر المؤلف بمثابة «أعراض تدل على ان الانسانية تقاوم وبأنها لم تمت واذا كان مارك أوجيه لا يكيل «المديح» لمختلف أشكال العنف فإنه بالمقابل لا يتردد في توجيه النقد لليبرالية السائدة وايديولوجيتها التي تريد ان تدفع للاعتقاد بأن هذا العنف، بمختلف أشكاله، إنما هو مجرد التعبير عن سلوك سيء حيال نظام تؤكد هذه الايديولوجية الليبرالية بأنه «متناسق ويحظى بدرجة عالية من الانسجام». وضمن العلاقة بين «الواقع» و«الخيال» يناقش المؤلف علاقة «المشاهد» مع «الصور» التي يراها على الشاشة الصغيرة وحيث ان عرض «الأحداث العالمية» يبدو بمثابة استعراض.. وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة مع نجوم السياسة أو الرياضة الذين نشاهدهم «ونعتقد» بأن الحياة الحقيقية هي «وراء الشاشة» ومن هنا تأتي أهمية عدسات التصوير. إن الجميع يطمحون أن يكونوا في «داخل» التلفزة. واذا كان المؤلف يرى في العلاقة التلفزيونية واقعا حقيقيا فإنه يؤكد في الوقت نفسه بأنها ايضا وبنفس القدر، علاقة «خيالية» ولكن غير ابداعية، ذلك لأن «الافراط في الصور يقتل الخيال المبدع». وبكل الحالات من «فضائل» النسيان انه ذو علاقة مع كل الازمنة، مع الحاضر «كي نعيش اللحظة» ومع المستقبل «كي نعيش البدء» ومع الماضي «كي نعيش العودة».. وبكل الحالات «كي لا نكرر أنفسنا». تقول آخر جملة في هذا الكتاب «علينا ان ننسى كي نبقى حاضرون ولا ننسى كي لا نموت وننسى كي نبقى أوفياء