بيان الكتب: جان بيير شوفنمان هو احد الشخصيات السياسية المعروفة في فرنسا كان وزيرا لمرات عديدة من بينها منصب وزير الدفاع اثناء حرب الخليج الاخيرة عام 1991 حيث استقال من الوزارة بعد ايام من بدء العمليات الحربية احتجاجا على تجاوز التحالف الدولي حسب رأيه للمهمة المرسومة له، اي تحرير الكويت، وكان مؤخرا وزيرا للداخلية، خلال فترة 19972000 حيث استقال من الحكومة احتجاجا على السياسة التي تم تبنيها حيال جزيرة كورسيكا ومنحها بعض السلطة التشريعية ممثلة بمجلس ممثلي الجزيرة.. الامر الذي اعتبره جان بيير شوفنمان بمثابة سياسي بـ «السيادة الجمهورية» واستجابة للنزعة الاستقلالية الكورسكية.. وهذا هو موضوع الكتاب «الجمهورية تقاوم». اما روبير كولونا ديستريا، فهي مؤرخ فرنسي جعل من جزيرة كورسيكا موضع اهتمامه الرئيسي والف عنها كتابا اصبح بمثابة مرجع في ميدانه تحت عنوان «تاريخ كورسيكا» والكتاب هو مجموعة من الحوارات بين المؤلفين بالاضافة الى تقديم وجهات نظر كل منهما مستقلة بشأن القضية الكورسيكية. وخاصة الخطاب الذي القاه وزير الداخلية الفرنسي السابق امام الجمعية الوطنية الفرنسية واعلن في معارضته لمشروع الحكومة الخاص بالجزيرة. هذا الكتاب يعالج اذن المسألة «الكورسيكية» وذلك من خلال ثلاثة منظورات تتمثل في «صيغة التنظيم الاداري» المطلوب تبنيه امام حالة «الشلل» التي تشهدها الجزيرة اليوم وتدل عليها بوضوح التقارير الرسمية من خلال استخدام صفات عدم المسئولية و«التباطؤ» و«العجز» و«الخمول».. الخ، وحيث ان مثل هذا الوضع لا يمكن فهمه الا من خلال تفهم بعض المعطيات الجغرافية والجيوستراتيجية. المنظور الثاني يتعلق بالمستقبل الاقتصادي لكورسيكا وبالنشاطات التي ينبغي تطويرها فيها، مع اخذ الخصوصيات الجيولوجية «التضاريس والوديان» وحالة الفقر النسبي التي تعانيها، لا سيما وهي منطقة «محيطية» لم تولها الحكومات المركزية تاريخيا، الكثير من الأهمية، اما القطاعات الاقتصادية الاكثر اهمية فيها فيتمثلان في الزراعة والسياحة. وقد لخص المؤرخ روبير كولوناديستريا: الوضع الحالي في الجزيرة بالقول: تتسم كورسيكا اليوم بخلل في التوازن يثير القلق من بعض الزوايا، فمن جهة تعرف مستوى استهلاكي مشابه لذلك الذي تعرفه المناطق الفرنسية الاخرى، اما المستوى الانتاجي فهو اقل بكثير في الجزيرة مما هو في مناطق فرنسا الباقية، ان هذا الاختلاف يمكن تفسيره بوجود نسبة كبيرة من المتقاعدين وبالمداخيل الكبيرة العائدة من عمليات التحويل الخارجي والمنظور الثالث هو ذو طبيعة اخلاقية.. لا سيما وان الجزيرة تشهد منذ حوالي ربع قرن عمليات قتل واغتيال وتفجير هذا بالاضافة الى عمليات التزوير الانتخابي والمالي والمساومات والابتزاز .. الخ. ان الكورسيكيين، كما يتم تعريفهم من قبل المؤلف ديستريا هم متوسطيون ولاتينيون في الوقت نفسه ، وبالتالي يختلفون عن الانكلوسكسون والجرمانيين وعن سكان شمال اوروبا، وقد ورثت كورسيكا عن الامبراطورية الرومانية لغة تجعلها قريبة من ايطاليا وممارسة سياسة تقوم على اساس القرابة والزبائن.. وقد خضعت الجزيرة الى حالة من التوتر لانها توجه من جهة اسئلة خاصة بـ «علاقتها مع ذاتها» وبـ «مرجعياتها» وتطلعاتها» ومشاريعها، ومن جهة ثانية العلاقة مع السلطة المركزية في باريس والاسباب التي دعت الى بروز حالة من الاستياء لدى فئة من الكورسيكيين الذين دفعوا مطالبهم الى حد «الاستغلال». حيال الاوضاع والمطالب الكورسيكية تتباين مواقف السياسيين الفرنسيين والقوى السياسية الفرنسية ما بين الرفض الكامل لاي نقاش حول الجزيرة وذلك على اساس ضرورة تطبيق قوانين الجمهورية في كورسيكا كما في اي مكان اخر من البلاد، كما يؤكد جان بيير شوفنمان، والى الموقف المتطرف المقابل الذي عبر عنه ذات يوم رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق ريمون بار عندما قال: «اذا كانوا يريدون الاستقلال فليأخذوه ردوا بمواقف وسطية مثل تلك التي تبنتها الحكومة الفرنسية الحالية وأقرت اعطاء المجلس الكورسيكي المنتخب بعض الصلاحيات، مما دفع وزير الداخلية وأحد مؤلفي هذا الكتاب، الى الاستقالة من الحكومة في شهر سبتمبر من عام 2000. ويعتبر شوفنمان بأن مشروع الحكومة الحالية بشأن كورسيكا لا يستجيب لأي هدف من الاهداف التي حددها وانه سيكون له نتائج مأساوية وليس بالنسبة لكورسيكا فقط وانما بالنسبة للجمهورية كلها، وقد اعاد ذلك الى عدة اسباب من اهمها، كما يرى، انه لم يتم اعداده في جو من الشفافية وانما تبعا لـ «اتفاق ضمني» ولا سيما ما يخص التفاوض مع بعض ممثلي الحركات الداعية للاستقلال قبل ان تعلن ادانتها لممارسة العنف، ويؤكد شوفنمان ايضا في دفاعه عن موقفه «الجمهوري» بأنه «قيمة القانون» هي مطلقة وليست «نسبية» ولا يمكن القبول بأي تنازل حيال تطبيقها و«ينبغي ان يشمل القانون الجميع» ثم انه «وفيما هو ابعد من المسألة الكورسيكية تطرح قضية فرنسا كأمة سياسية فيها مجموعة من المواطنين وقادرة على تحديد قواعد مقبولة من قبل الجميع ومصلحة عامة ومشروعا وذلك عبر النقاش. امام حجج وزير الداخلية الفرنسي السابق جان بيير شوفنمان يأتي رد الحكومة على لسان وزير الداخلية الحالي دانييل فايان في احدى جلسات الجمعية الوطنية الفرنسية حيث قال: ان هدفنا الاساسي هو تسوية المشاكل التي لا تزال عالقة وايجاد السبل والوسائل لحل المسألة الكورسيكية في ظل الشفافية واحترام وحدة الجمهورية. ولكن الوضع في كورسيكا يبقى شديد التعقيد، كما يؤكد المؤرخ روبيير كولونا ديستريا، وذلك لان عددا من الاشخاص يريدون طرح مشاكل الجزيرة عبر اطار «التعارض» بين كورسيكا وفرنسا، ولكن مثل هذا الطرح لا يحظى باتفاق الجميع حوله، كما انه لا يغطي سوى جزء بسيط من الاشكاليات المطروحة على المعنيين. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بأن شريحة ضئيلة جدا من الكورسيكيين يكنون الكره لفرنسا والذين لم يحسوا يوما بانهم فرنسين ولم يرددوا يوما المارسيليز، اي النشيد الوطني الفرنسي، ثم يضيف المؤلف «هذا حقهم المطلق». ولكن لاتزال المسألة الكورسيكية قائمة الى هذا الحد او ذاك ويبدو ان المجتمع الكورسيكي لا يزال لا يمتلك مشروعا جماعيا مما قد يهدد بالانكفاء اكثر على الذات.. فهل يقدم المشروع الحكومي الحالي بعض الخطوات نحو الهدوء والامن في الجزيرة؟ كورسيكا بين «الخصوصية» والانتماء الى الامة الفرنسية.