بيان الكتب: غيّوم بيجو، هو صحفي فرنسي، اخصائي بالسياسة الخاصة. ساهم بالكتابة في عدة دوريات وصحف فرنسية. هذا كتاب تم نشره للمرة الاولى في عام 2000، لكنه لم يثر آنذاك اهتماماً كبيراً.. لكن الاحداث التي شهدها العالم خلال الاسابيع الاخيرة من نيويورك الى افغانستان اعادته من جديد الى الواجهة ليصبح احد الكتب الاكثر رواجاً في فرنسا. هل يمكن وصول دكتاتور الى الحكم في موسكو؟ او القاء قنبلة ذرية على باكستان؟ او نشوب معركة بحرية بين الصين والولايات المتحدة الامريكية ان هذه امور تبدو مستحيلة ولكن هذا لا يمنع واقع ان وزارة الخارجية الفرنسية ووكالة الاستخبارات الامريكية وجهاز الموساد الاسرائيلي تعمل على مثل هذه الفرضيات الكوارثية، كما تشير معلومات هذا الكتاب وبان الوثائق الخاصة بمثل هذه الحلقات لاتزال قيد السرية الكاملة «سرية للغاية ـ مسائل دفاعية». لكن المؤلف يقوم للمرة الاولى بالتأمل في نفس المسائل، ويحاول تقديم توقعات استراتيجية مما يمكن ان تشهده اكثر المناطق توترا في العالم من كوريا وحتى الخليج العربي ومروراً بالقوقاز وكشمير وبحر الصين واوروبا. سبعة سيناريوهات يكتبها المؤلف على شاكلة الروايات البوليسية، ويتصور فيها احداثاً وشخصيات تبدو، برأيه، اقرب ما يمكن ان يكون للواقع، ويعتقد بأن نهاية الحرب الباردة بعد سقوط الاستقطاب الثنائي الدولي مع انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية انما قد فتحت الباب امام امكانية وقوع نزاعات ذرية وكيميائية وبكتيريولوجية، وقد اختار المؤلف لتصدير كتابة جملة للجنرال ديجول تقول: «لم ينقض اي قرب دون ان يعرف الحرب المشئومة لاكثر من مرة. وليست هناك من امة ولدت وترعرعت وشاخت وماتت بسلام، ذلك ان تاريخ البشر للأسف هو تاريخ اسلحتهم». ولا شك بان الانسانية تعرف الان، على المستوى التكنولوجي العسكري مرحلة اسلحة الدمار الشامل». في البداية لابد من الاشارة والتأكيد بان السيناريوهات السبعة التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب انما تجري في المستقبل، وبالتالي لا يمكن ان تكون سوى متخيلة. لكن المؤف يرى بانه من غير الحكمة ان تسبقها عبارة، كل تشابه مع شخصيات موجودة او كانت موجودة هو محض مصادفة، ذلك انه للاسف لا يمكن الاستبعاد الكامل للتشابه بين احد هذه السيناريوهات وبين تاريخ قد تصبح كتابته امراً مطلوباً، كما يشير المؤلف. يقول تروتسكي في جملة له: لعل الحرب لا تهمكم، لكن الحرب تهتم بكم، وبهذا المعنى يرى المؤلف بان الغرب قد عاش وهماً كبيراً، عندما رفع جورباتشوف، اخر قادة الاتحاد السوفييتي السابق اصبعه عن الزناد عندما اعتقدوا بان سلاماً كونياً سيحل في ظل النظام الدولي الجديد.. كما اقتنع الغربيون بعد حرب الخليج الاخيرة بانهم الاقوى وتصوروا عدم امكانية خسارتهم لاية حرب، ويعيد المؤلف في هذا السياق جملة اصبحت شهيرة جداً، قالها عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار واختاره عنواناً لكتاب له صدر عام 1996 وتقول «ان حرب الخليج لم تقع». وذلك على اساس ان جنود قوات التحالف الدولي لم يقوموا بأكثر من مزاح ودعابة. وضمن هذا السياق ايضاً يرى المؤلف بان «عاصفة الصحراء» لم تكن حرباً مثل الحروب الاخرى كما ان معركة كوسوفو لا شبيه لها في التاريخ، ثم ان الثورة التكنولوجية ـ الاستراتيجية تمثل بالنسبة للغرب مكافأة عن تقدمه الاقتصادي والسياسي والاخلاقي والقانوني يقول المؤلف، ثم يتساءل: «اين الغرابة في ان نكون الاقوى؟» ويجيب اننا الافضل. على اساس هذا المنطق القائم على حسابات القوة والضعف، والغنى والفقر يتحدث المؤلف عن سلام المقابر. وبكل الحالات تبقى عقلانية، او لا عقلانية، التاريخ مرتبطة بما يفعله البشر، كما قال ذات يوم المفكر والفيلسوف الفرنسي ريمون ارون». في السيناريو الخاص بكوريا الشمالية بالتعرض لوفاة كيم ايل سونج، في 9 يوليو 1994 وخلفه ابنه «كيم الابن». وبعد ان يستعرض المؤلف الظروف التي عاشتها كوريا الشمالية خلال السنوات الاخيرة التي ادت بالبلاد الى حافة المجاعة، كما تدل سلسلة الكوارث التي عرفتها البلاد منذ عام 1995 وحتى نهاية القرن، يشير اي المؤلف، الى ان النظام الكوري الشمالي يعمل على برنامج لتطوير الصاروخ «تايبو دونج ـ 1» في افق عام 2004 كي يتم الوصول الى الصاروخ «تايبودونج ـ 2» الذي «قد يستطيع اصابة الاسكا وهانوي»، هذا الى جانب اقامة قاعدة سرية تحت الارض في منطقة هيزان بالقرب من الحدود الصينية «وبحيث ان كوريا الشمالية اصبحت مستعدة لكل شيء. وبعد تخيل سيناريو داخلي يدخل فيه نظام كيم ايل الابن في مشروع مواجهة مع الاعداء.. لكنه يجد نفسه في مواجهة مع المجموعة الدولية التي تطالبه بـ «سحب القوات التي عبأها» على الحدود فيقول امام هذا الوضع: «ان الامبرياليين يهاجمون آخر معاقل بلد الاشتراكية الظافر. ولم يكفهم انهم قد قاموا بنقل صديقاتي، فهم يحاولون اليوم اثارة الشعب ضدي.. اقتلوهم! كلا ادفنوهم احياء»، ومع تضييق الخناق اكثر فأكثر وادانته بتجويع الشعب من قبل محكمة دولية يصدر الامر التالي: ابدأوا مباشرة عملية عاصفة الشعب» . وبعد ذلك يستعرض المؤلف سيناريو اخر اذ يتخيل مواجهة على قاعدة خطط تعدها المجموعات الاسلامية المتطرفة ضد الغرب.. بحيث يتصور امكانية قيام نظام اسلامي في الجزائر سيكون بمثابة منظور كوارثي بالنسبة لفرنسا، وضمن هذا السياق يتم تخيل عملا منسقا ومنهجيا لعمليات تعبئة عامة وشاملة للمجموعات المتطرفة في مختلف مناطق العالم.. وصولاً الى تخيل حادث في محطة مترو ساحة شارل ديجول في باريس، حادث غامض تبين بانه قد تم فيه استخدام مواد مشعة مادة التيتينيوم التي تنتمي الى فئة اليورانيوم. والتي يستمر اشعاعها الى عدة آلاف من السنوات، كذلك يتخيل المؤلف انه قد تم وضع هذه المادة المشعة من قبل بعض العناصر النائمة، كانت تلك هي مجرد حادثة، اولى بين اكثر من عشرة آلاف حادث مماثل في فرنسا، عنوان الفصل الخاص يمثل هذا السيناريو هو هل تحترق باريس؟ والموت من اجل تايوان عنوان فصل اخر من اجل تقديم سيناريو اخر حيث ينقل المؤلف عن الجنرال مي زينيو نائب رئيس اكاديمية العلوم السياسية في بكين، العاصمة الصينية، جملة جاء فيها: «فيما يخص الولايات المتحدة الامريكية، فإنه لابد لنا من ان نترك ثأرنا كامناً لفترة من الزمن، ان تايوان تبدو في السيناريو الذي يقدمه المؤلف بهذا الصدد بمثابة احد عوامل اندلاع الحرب بين الصين والولايات المتحدة الامريكية. ويعود المؤلف في هذا السياق الى استعراض تاريخ تايوان منذ ان وصل اليها اجانب غرباء مثل الهولنديين طليعتهم عام 1620. وتبدو اهمية تايوان بالنسبة للصين في النقاشات التي ينقلها ويتخيلها المؤلف من داخل ادارة الامن القومي الصيني في بكين ومن مجلس الشعب، وخاصة كما تبدو في اعمال وآراء لجنتي الخارجية والدفاع في هذا المجلس، وتجد مثل هذه النقاشات صداها في الجناح الشرقي من البيت الابيض»، حيث يشاهد المسئولون بثاً تلفزيونياً لقناة الـ «سي. ان. ان» حيث المعلق يقول حول الازمة التايلاندية، ما يلي: «كما ترون خلفي، التايلاندية ان طائرات السوخوي الصينية تنطلق دون توقف من شبه الجزيرة» وتعليقات قنوات تلفزيونية اخرى وتوحي كلها بوجود اجواء توتر شديد بين الصين وامريكا، وفجأة يبرز جدار من الدخان الرمادي يرتفع في الاجواء ويدور ثم يتسع شيئاً فشيئاً، لقد تم اذن استخدام السلاح النووي. وتبقى منطقة كشمير بين الهند وباكستان احد مصادر التوتر الكبرى في العالم، ففي شهر مايو من عام 1999 قال وزير الداخلية الهندي: «اذا اندلعت الحرب فان باكستان سوف تنتهي، وهذا ما رد عليه الجنرال الباكستاني برويز مشرف في 4 يناير 2000 في رد له على سؤال كان قد طرحه عليه احد مراسلي قناة سي. إن. إن. التلفزيونية الامريكية حول شروط استخدام السلاح النووي. وقال «اذا تم تهديد امن باكستان، فإننا لن نسمح بموت بلادنا». وكانت كشمير هي الرهان الاساسي في حربين من الحروب الثلاثة التي نشبت بين الهند وباكستان منذ الاستقلال عام 1948، وذات يوم «في المستقبل» واثناء ازمة خطيرة يستخدم الهنود السلاح الكيميائي في احد هجوماتهم على كشمير، وتتصاعد حدة الازمة والتهديد الهندي «لنرى» الجنرال برويز مشرف ينظر الى ساعته ثم يقول لاركان حربه: «ايها السادة، انها ساعة اللقاء مع التاريخ، ويشير برأسه الى عريف، بجانبه يقف ويتقدم كي يزيح الستارة في اخر القاعة. وتبدو على الحائط ثلاث ساعات مكتوب تحت الاولى «نيو دلهي» وتحت الثانية «بومباي» وتحت الثالثة «كلكوتا»، ويكفي مجرد شد القبضة الحمراء كي تنطلق الصواريخ المحملة بالنوويات. وتحت عنوان «هتلر في موسكو» يقدم المؤلف سيناريو ايضاً، يشرح فيه الظروف التي واكبت انهيار الاتحاد السوفييتي وآليات عمل السلطة منذ صعود بوريس يلتسين الى ظهر دبابة في عام 1991 كي يدافع عن الديمقراطية. لكن في عام 1999 كان 30% من الروس يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر، ويمثل الخبز اكثر من 50% من تغذيتهم. عن هذه الخلفية اراد الرئيس الروسي الحالي ان يجعل من المسألة الشيشانية التحدي الذي يثبت من خلاله العزة القومية الروسية.. من خلاله وفي مواجهته. لكن هذا لم يجعل الروس يستسلمون الواقع المرير الذي يعيشون فيه.. فالى جانب تعاظم العنف والجريمة المنظمة فإن الجيش ووزارة الداخلية ظلا المسيطرين الحقيقيين على الحياة العامة في البلاد. ضمن هذا السياق يتخيل المؤلف حرباً اهلية في روسيا مما يجعل الولايات المتحدة تخشى نتائج عدم الاستقرار هذا. ويصبح افق الانقلاب العسكري وارداً بعد بوتين. وبعدها يمكن ان تنفتح الآفاق نحو مواجهات جديدة. اما التهديد الصيني الحقيقي فيلخصه المؤلف عبر جملة لوزير خارجية امريكا الاسبق هنري كيسنجر عندما قال: عندما تصبح الصين قوية الى درجة تستطيع معها ان تعتمد فيها على قوتها الذاتية فقط، فإنه يمكن ان تطردنا من اسيا وتنقلب ضدنا اذا رأت ذلك ضرورياً من اجل الدفاع عن مصالحها. ومع ثم سأدفع هذا المنطق الى نهايته «نسمع» رئيس المجلس الوطني الصيني يصرح اثناء النشرة الاخبارية لذات مساء قائلاً: ايها المواطنون العزيزون.. ان الصين لم تقبل انذار الغرب وازلامه. وبدلاً من ان ننتظر العدوان علينا، اخذنا المبادرة وان هذا ليوم عظيم في تاريخ امتنا. ومن الآن وصاعداً لن تسمح الصين للبرابرة بالاعتداء عليها، وتنشب الحرب. وفي الفصل الاخير من هذا الكتاب يتخيل المؤلف سيناريو للحرب على قاعدة اهمية بترول الخليج حيث ان خسارة امريكا لاصدقائها في المنطقة تعني ضربة قاصمة لها، لاسيما في ظل سيناريو تصبح فيه نسبة 70% من احتياطات النفط في العالم بين اعداء امريكا والغرب مما يجعل هؤلاء امام معضلة فاما ان يتخلوا عن النفط لخصم ايديولوجي واما ان يحاولوا استعادته بواسطة الحرب.. كما يمكن ان يبرز هنا دور الهند والصين وروسيا في مواجهة الغرب، وماذا عن اسرائيل في ضوء السيناريو؟ ان المؤلف يلخصه بجملة لجولدا مائير قالت فيها «عندئذ سوف يقبل اليهود تلقي اللوم والنقد وليس تلقي التعازي» في اشارة صريحة الى امتلاك الدولة العبرية للسلاح النووي. وضمن اطار هذا ان السيناريو الخيالي يتحدث المؤلف عن تقسيم العراق وقيام دولة كردية في الشمال وسلطنة عربية في بغداد، تلتف حولها كل المنطقة، كما يتحدث عن مركب صناعي سري في وسط العراق يجعل مهمته تطوير الاسلحة الجرثومية.. بالتعاون مع خبير ياباني ولا يتردد في التذكير بان الامريكيين كانوا قد اعطوا اغطية ملوثة بالجراثيم للهنود الحمر، وينتهي السيناريو المقدم الى الحديث عن سقوط امريكي ميتاً اذ ان عدواً شرساً ومكروسكوبياً ـ فيروس الجمرة الخبيثة ـ كان قد اصاب نيويورك وهذا الكتاب منشور عام 2000. وفي المحصلة ان السيناريوهات السبعة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب فيها الكثير من الشطح الخيالي والفانتازيا، لكنه يحاول ان يؤسس لبعض الافكار الشائعة في الغرب اليوم وقد كان المفكر الامريكي صموئيل هنتنجتون قد عرضها في كتابه الشهير «تصادم الحضارات» والذي تتمثل النظرية الاساسية في باب القرن الحادي والعشرين سيشهد تصادم الحضارتين الغربية والاسلامية. ان مؤلف هذا الكتاب يستعيد جملة للمفكر الفرنسي، ومنظر اللبرالية في فرنسا الاكثر اهمية في القرن العشرين، ريمون آرون. جاء فيها: «من اجل تصور سلام كوني شامل ينبغي تخيل ان تعتنق جميع الشعوب والدول نفس الحقيقة السياسية والدينية». وما يضيفه مؤلف هذا الكتاب هو انه اذا كانت قد اقيمت منطقة سلام تضم الولايات المتحدة واوروبا واليابان، فإن هذا لا يعني بأن شبح الحرب قد ابتعد نهائياً ذلك ان روسيا والصين والهند والعالم العربي تجسد حقائق اخرى.. لكن الاسلام يبقى الايديولوجية الوحيدة التي تنتصب في النزعة الفردية اللبرالية، انه منافسها الروحاني الوحيد، واذا كان المؤلف يشجب بشدة «غباء وحماقة» الحرب فانه يرى بان تصادماً ايديولوجياً صرفاً يمكن ان يكون منفذاً نحو الانقاذ. المطلوب التوصل الى اتفاق جميع الشعوب حول تعريف للعدل وللظلم، والا فان القوة هي التي تسيطر ذلك لان الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية لا تحتل اذن سوى الظهر الخارجي للوئام الشامل، يقول المؤلف. تقول آخر جملة من هذا الكتاب: لقد انكمش العالم، وهو يدور بسرعة اكثر فأكثر، ويبقى السيف هو محوره. اما عنوان الكتاب فيقول: «ستبدأ الحرب العالمية الثالثة يوم...»