بيان الكتب: «ايزابيل الليندي» 59 عاماً هي ابنة شقيق الرئيس التشيلي السابق «سلفادور الليندي» وقد نشأت الليندي المولودة في «البيرو» في بلادها تشيلي «سانتياجو»، وبعد فشل تجربة زواجها الاول تزوجت سنة 1988 من المحامي الامريكي «وليام جوردون» وانتقلت للاقامة ، في الولايات المتحدة الامريكية. وكانت مجلة «صن داي تايمز» قد أفردت لها هذه الصفحة. استيقظ مع زوجي في حوالي الساعة 6.30 صباحاً ويقص كل منا على الآخر ما رآه في منامه من أحلام. وعندما التقينا في المرة الاولى امسكت به من سترته وقلت له مرحبا، انا هنا! وأجبرته على الارتباط بالصداقة معي والتي لم يكن في الواقع قادرا على تحمل تبعاتها. المهم انه يحضر لي وأنا في الحمام قدحا من شاي المانجو اتناول بعده تفاحة في بعض الاحيان. الحقيقة انني اشرب طوال اليوم انواعا كثيرة من شاي الاعشاب لأنني التزم بحمية غذائية معينة وابتعد في غذائي عن الكربوهيدرات والسكريات. ذات مرة حاولت احدى اختصاصيات الطب البديل ان تقنعني بالاقلاع عن استخدام ادوات الزينة. لقد قالت انها مجرد قناع وانني لو كنت واثقة من نفسي لخرجت الى العالم بدونه. ولكنني ابدو في حالة افضل وانا اضع كريم الاساس ومكياج العيون انه يمنحني الثقة، فحتى لو كنت مريضة او وحيدة في غياب زوجي «ولي» فإنني ارتدي ملابسي الرسمية والا فإنني سأتعود على البقاء في ملابس النوم طوال حياتي، انني افضل ارتداء الاحذية ذات الكعوب العالية والمجوهرات ذات الأصل العرقي التي يوحي مظهرها بالانتماء الى مجموعة عرقية والتي تصنعها صديقتي «تابرا» بنفسها. واذا واجهت صعوبة في الكتابة او كنت احتاج الى التفكير بشكل جيد فانني استرخي وانهمك في عمل اشياء من الخرز والخيوط. انني لست من المتطيرين، ولكنني أؤمن بالقدر بالاشياء التي لا يمكننا التحكم فيها. انني امارس رياضة التأمل في كل يوم، وفي يوم الثلاثاء التقي بمجموعة من الناس في مثل سني ونصلي جميعاً ونتواصل مثلما يجب ان يكون كما انني وعلى وجه الخصوص لست من الذين يتوقون الى حياة سعيدة وما اريده لحياتي هو ان تكون مليئة بالمغامرة والمتعة. هناك من يأتي لمساعدتي في أعمالي المنزلية ثلاث مرات في الاسبوع فأنا أفقد صوابي اذا غرق البيت في الفوضى واذكر انني عندما كنت صغيرة وكانت قدراتي المادية متواضعة كنت اعمل في ثلاث وظائف لأتمكن من دفع رواتب عامل التنظيف وغسيل الملابس. نحن نعيش في منزل يقع على سفح تلة ويشرف على خليج صغير يكون مشهدا خلاباً وعلى الرغم من انه هاديء الا انه غير منعزل فيما ابحث انا عن العزلة والهدوء اللذين يوفران لي جواً مناسباً للكتابة، وفترات الصباح هي الاوقات التي اكون خلالها اكثر قدرة على الكتابة، وأول ما افعله هو الجلوس على جهاز الكمبيوتر لأكتب رسالة الى والدتي التي لاتزال تعيش هناك في تشيلي، ومع انني لا أقوم بطباعتها في تلك اللحظة الا ان هذا الشيء يحرضني على الكتابة. ان امي في الثمانين من عمرها ولكنها على الرغم من ذلك تستطيع ان ترسم صوراً للسيرانات «السيرانات مجموعة كائنات اسطورية عند الاغريق لها رؤوس نسوة وأجساد طيور». كما ترسم اسماكاً طائرة وكانت ترسم في السابق ازهاراً جميلة الا أنها الان وبعد ان تحررت من أعباء الحياة تبدو في الصورة التي كان يجب ان تظهر عليها قبل 20 عاماً. لقد كانت ضحية عصرها عندما كانت الكنيسة والمجتمع الذكوري على اشدهما وكانت امي في البداية تعتقد بأن عليها واجباً هو حمايتي ولكنها ما ان ادركت ان علي ان اناضل من اجل الحياة حتى تركتني افعل ما اريد. وامي اعطتني الحب غير المشروط وهو ما اعطيته لاطفالي وأبناء ولدي «نيكولا» الذين اراهم طوال الوقت. ان امي هي الطرف الاخر في اطول قصة غرام عشتها في حياتي فنحن نحكي لبعضنا الحكايات، وانا احتفظ برسائلها في سلة وفي نهاية كل سنة اضعها فوق الخزانة وبينها رسائل عمرها 35 عاماً واذا رحلت امي قبل ان ارحل عن الدنيا فسيكون باستطاعتي ان افتح في كل مرة واحدة من هذه الرسائل اليومية واقرأها ويمكنها هي ان تفعل هذا الشيء لو أنني رحلت قبلها. أمي تأتي لزيارتي هنا في كاليفورنيا مرتين في كل عام وأنا أقوم بزيارتها هناك في تشيلي. وهناك في تشيلي لم أصدق على الاطلاق ان «بينوشيه» سيذهب الى السجن بسبب كبر سنه والنظام القضائي في تشيلي بطيء جدا لكن ذلك لا يهم المهم هو أنهم عندما ألقوا عليه القبض في لندن احسست بأن عبئاً كبيراً قد ازيح عن كاهل الشعب التشيلي، ان بينوشيه لن يظل خالداً في كتب التاريخ بالطريقة نفسها التي ارادها بوصفه منقذاً للامة ولكن كمجرم. يوجد لدي في مكان اضع فيه الصور والاشياء التي كانت تملكها ابنتي «باولا» التي ماتت وهي في الخامسة والعشرين بسبب اصابتها بمرض نادر في الدم، ان ألم فراقها لا يطاق فحتى لو كان لديك دزينة اطفال فان ذلك لا يغير من الأمر شيئاً. لقد دخلت باولا المستشفى وهي تسير على قدميها ثم سلمونا اياها جثة هامدة تقريباً ورغم انه كان باستطاعتها ان تتنفس الا انه كان يتوجب علينا ان نقدم لها كل شيء. لقد ألفت كتابا عن موتها يحمل عنوان «باولا» رصد ريعه لصالح مؤسسة قمنا بإنشائها لكي تتحمل مسئولية العمل الذي كانت تقوم به هي كمتبرعة ثم شهدت السوق في ذلك الوقت انتعاشاً اقتصادياً كبيراً عاد علينا بالكثير من الفائدة اما الان فان جزءاً من الايراد الذي احصل عليه يذهب لصالح المؤسسة وكلما وقعت شيكا شعرت بالسعادة نحن ندير مدارس ومشاريع مساعدة الاطفال الفقراء في بنجلاديش وامريكا الوسطى وامريكا اللاتينية وتشيلي. قبل رحيل ابنتي باولا كنت مشغولة بالجوائز وباعداد الكتب التي كنت اقوم ببيعها اما الان فان ذلك لا يهمني فأنا اكتب لأنني احب الكتابة ولأنني انسانة اتمتع بنشاط مفرط وأحتاج الى ان يتحداني الاخرون، لقد بدأت الكتابة في سن متأخرة لانني كنت مشغولة بتوفير سبل العيش لابنائي. وكنت اتمنى لو أنني كنت صحفية كنت احب هذا الشيء الا انني كنت صحفية حقيرة، كنت اكذب طوال الوقت وفي بعض الاحيان كنت اقوم بالتدريس في حلقات عمل حول الكتابة وكان ذلك يستهلك الكثير من الجهد كنت مشغولة تماماً بحكايات طلابي الى الحد الذي كان يحول بيني وبين الكتابة. امضي ساعات طويلة من وقتي في الصمت وفي التذكر وتستند كتاباتي على هذه الاحاسيس العميقة التي احتاج الى اعطائها شيئاً من الذاتية. وهناك اوقات لا ادرك فيها هذا الشعور الذي فجر في الغربة في الكتابة حتى انتهي منها. وعندما ابدأ بكتابة عمل جديد اكون قد تخلصت كلية من كل ما يمت بصلة لما قبله. والاشهر الاولى هي الفترات التي اتعرض خلالها للضغط النفسي. انا افضل الصمت والبقاء بعيدة عن اعين الاخرين وعدم التحدث الى أحد ما عدا زوجي ولي. ونحن الاثنان لا نرى احدا من الاصدقاء بسبب التشوش الذي اشعر به وعدم قدرتي على التواصل معهم عبر حوارات قصيرة. الا اننا نذهب احيانا الى السينما. والحقيقة انه من الصعب على المرء ان يعيش مع كاتب الا اذا كان يحبه فعلا. اذ ان عليه ان يكون مهيئاً لتحمل هواجسه ونزواته ومزاجه غير ان زوجي يفعل هذا رغم انه يشعر بالاحباط احيانا وخاصة بعد تناولنا وجبات الطعام عندما يريدني ان اكون معه ولكنني اعود بدلا من ذلك الى كتابتي. لانني لا استطيع التوقف عن الكتابة. يقوم ولي بالجزء الاكبر من أعمال التسوق والطبخ، وطعامنا يتكون من اشياء بسيطة في الغالب كالسمك المشوي والخضروات وعندما احس بالراحة من ضغوط العمل ويكون بوسعنا ان نستضيف الاصدقاء اقوم انا بأعمال الطهي اما الاطباق التي أقوم بتحضيرها فهي اكثر اتقانا ولدي استعداد لقضاء يوم كامل في إعداد طبق من السمان المحشو بالبرتقال والشمار. قبل دخولي السرير اكون قد اضفت معلومات حول ما حدث طوال اليوم الى الرسالة التي سأبعث الى والدتي بالفاكس. مع ان زوجي لا يتصور انني استطيع ان اكتب ثلاث او اربع صفحات كل يوم دون ان اكون قد غادرت المنزل الا انني افعل هذا لكن حالما تصلها رسالتي اكون انا قد تسلمت رسالتها الي وهكذا فان حواراتنا لا تنتهي. في الليل اكون قد احتفظت الى جانبي بمفكرة صغيرة لاتمكن من كتابة اي شيء يجول في خاطري في ساعة متأخرة من الليل وبالمناسبة فأنا اقوم بحل مشكلات كثيرة في احلامي واذا كانت حبكاتها غير واضحة فذلك بالنسبة لي يعني وجود مشكلة اما في بيتي او لدى اي من افراد العائلة وغالبا ما تتحقق هذه الاحلام على ارض الواقع وفيما اقوم بكتابته.