لايزال داء كرويتسفيلد ـ جاكوب، بسيرورته المأساوية للغاية، مميتا. انه اول داء معروف بين الامراض البطيئة الانتقال وهي جميعها دماغية، سارية دون ان تكون معدية، وطويلة الحضانة، لكن تطورها سريع بعد ظهور اولى العلامات السريرية. حالات الاختلال هذه هي على ارتباط بفقدان خلايا عصبية من الدماغ وبتشكل ثقوب تضفي على النسيج الدماغي منظر الاسفنجة. معرفة هذه الامراض حديثة، ففي العامين 1920 و1921 وصف الدكتور «كرويتسفيلد» ثم الدكتور «جاكوب» خرفا شيخوخيا يتميز عن الامراض العصبية التنكسية الاخرى، وبالاخص عن مرض الزهايمر، بتطوره السريع جدا ووجود علامات عصبية محيطية، كان المرضى الذين عايناهم آنذاك يعانون مما يسمى اليوم داء كرويتسفيلد ـ جاكوب الفرادي. ومنذ ذلك الوصف، امكن التعرف الى اشكال اخرى من المرض: «أسرية»، و«علاجية المنشأ» على ارتباط بحالات تلوث جديدة ومكتسبة ابان العلاج، و«الجديد المتغير»، التي ظهرت مع جائحة جنون البقر وبدا أنها على علاقة بتناول منتجات بقرية ملوثة. يتجلى المرض الفرادي الذي يحدث دون انتظام او اعتباطيا بين حين وآخر، و غير شائع كبعض الامراض المعدية، على شكل خرف شديد واضطراب في تنسيق الحركات وارتجافات وتشنجات عضلية. وتبدو كل الفحوص التشخيصية سلبية، فلا تكون هناك اية علامة انتانية ولا تفاعل مناعي. ولا يظهر مخطط كهربائية الدماغ غير سوي الا في نصف الحالات مع موجات دورية تجعل مخططها شبيها بمرتسم مخطط كهربائية القلب. وتبقى الصورة التشخيصية الدماغية سوية. تطور هذا المرض سريع الى درجة ان طبيب الاعصاب المجرب يكشفه بسهولة مع ذلك، تبقى البداية مختلة احيانا، وفقدان الذاكرة هو العلامة الاشد وضوحا. وتضاف الاعراض العصبية تدريجيا، لكنها ليست نوعية: مشية مترددة، وتيبس، واضطرابات في التوازن، واضطرابات بصرية قد تصل الى حد العمى، وفي الطور الاخير، يصبح المريض وسنيا وجامدا، وأخرسا، والحكم على جانب من الخطورة بحيث يلزم الحذر، ولا يتم تشخيص الاثبات الا فتح الجثة. تنطوي اشكال المرض الأسرية على المشهد السريري نفسه غالبا، وتوجه السوابق الاسرية التشخيص نحو هذه الاشكال، التي تتجلى في شذوذ جيني واليوم، يتم اقتراح الفحص الجيني على جميع المرضى. ويمكن تمييز الشكل الاسري عن الشكل الفرادي بدقة قبل كشف الشذوذ فقط. وكان قد تم اكتشاف الحالات الاولى للشكل «الجديد المتغير» من داء كرويتسفيلد ـ جاكوب عام 1996، والذي يصيب الاشخاص الاصغر سنا، والاعراض الاولى هي نفسانية في الواقع. يتغير السلوك، ويظهر لدى الشخص اكتئاب عميق جدا. ثم تظهر اضطرابات في الذاكرة، وآلام شديدة في الاطراف السفلية، مع قليل من الارتجافات العضلية، ومع تطور المرض، تحدث اضطرابات في التوازن، وحالات تيبس، وتشوش ذهني، فالخرف. وهذا التطور طويل نسبيا بالقياس مع داء كرويتسفيلد ـ جاكوب العادي، اذ يستمر اكثر من عام. خلال السنوات الاخيرة، تم بشكل دقيق التأكد من وجود امراض كرويتسفيلد ـ جاكوب العلاجية المنشأ. وهكذا، سببت سحايا اخذت من جثث بشرية، بهدف اصلاح حالات تلف نجمت عن عمليات جراحية، وفاة 33 يابانيا، من جانب اخر، تعرض عدد من الاطفال للتلوث بعد معالجتهم بهرمون نمو مستخلص من الغدة النخامية لجثث بشرية، وفي فرنسا، توفي 76 طفلا، من بين اكثر من 900 طفل بداء كرويتسفيلد ـ جاكوب بعد معالجتهم بقدر من الهرمون نفسه. لقد أفرزت اشكال المرض هذه دائما علامات أذية في المخيخ، ولكن ليس علامات خرف، وتمنح هذه الاشكال المريض بقايا مديدة بالمقارنة مع الداء بصفته الفرادية. وتبقى حالات منشأ التلوث الاخرى اندر بكثير: طور خمسة مرضى في العالم هذا الداء بعد خضوعهم لعمل جراحي عصبي، واصيب ثلاثة اخرين به بعد تطعيمهم بقرنية. محمد الدنيا