يشكل عالم الآثار والتماثيل ثنائيا غريبا ويقف دوان كنجبو في ورشة الترميم التابعة لمتحف محاربي وخيول الطين المحروق وينظر للأعلى الى تمثال ساعد على استخراجه في عام 1999 يبلغ عمر هذا التمثال اكثر من 2200 عام، وهو بالحجم الطبيعي والجزء العلوي العاري من الجسم مفتول العضلات وهو بلا رأس، يبلغ دوان من العمر 36 عاما وبنيته الجسدية ضعيفة ووجهه يبدو مثل الكتاب المفتوح بعينين تتحركان بسرعة وابتسامة عفوية. انه يضحك كثيرا ولا تفارق السيجارة شفتيه. يبتسم دوان الذي يشعر بانه قزم امام هذا التمثال الضخم ويقول: أنه مثل مايك تايسون يمتص التمثال هذا الاسقاط الذي يبدو مفارقة مدهشة والصمت والغموض يؤلفان الهالة المحيطة به، فلا احد يعلم بالضبط ما يمثله هذا التمثال ولا طبيعة الشيء الذي يضغطه على بطنه، والحقائق القليلة المعروفة عن هذا التمثال ليست اكثر من رؤوس اقلام فهو يعتبر اقدم نموذج يعثر عليه في الصين بالحجم الطبيعي يظهر الشكل البشري باستثناء الوجه، بتفاصيله الواقعية، وهو جزء من مجموعة مثيرة من الاكتشافات الجديدة التي تم استخراجها مؤخرا، بالقرب من ضريح كين شاي هوانج داي، اول امبراطور يوحد الصين تحت حكم سلالة واحدة هي سلالة كين، وفي مقبرة كانت مشهورة سابقا بجيشها النظامي الطيني فان التمثال ذا الكرش يبدو مختلفا، فهو تمثال لشخص عار من معظم اجزاء جسمه وغير منتم للعسكر ومقطوع الرأس. ولكن شأن اي عالم آثار جيد، فان دوان لا تخيفه الامور الغامضة، وبدلا من التخمين في حل الالغاز، فانه يشير ببساطة الى ما يراه فيتلاشى اللغز متحولا الى رهبة، ويقول برقة: انظر الى تلك العضلات والعظام! كان معظم الناس يظنون ان المنحوتات الصينية في ذلك الوقت لم تكن تصور الجسم البشري كما هو في الواقع. ولابد لمن يريد ان يفهم المراحل الاولى من التاريخ الامبراطوري الصيني ان يزور زيان، فهذا الجزء التابع اليوم لمقاطعة شانكسي كان المكان الذي اقامت فيه السلالتان الامبراطوريتان الاوليان عاصمتيهما مستغلتين الدفاعات الطبيعية لنهر هوانج (النهر الاصفر) الى الشرق وجبال كين لنج الى الجنوب، حكمت سلالة كين هنا من عام 221 الى 207 قبل الميلاد واعقب انهيارها صعود سلالة هان الغربية التي حكمت البلاد من عام 206 قبل الميلاد الى العام التاسع بعد الميلاد. واليوم يجري استكشاف هذه السلالات من خلال حفريات اثرية في مقبرتين امبراطوريتين لكل من كين شاي هوانج داي وهان جنج داي، الامبراطور الرابع في سلالة هان الغربية، الذي حكم من عام 157 الى عام 141 قبل الميلاد، ولانهم اعتبروا الحياة الآخرة استمرارا للحياة على الارض، فان علم الآثار هنا يعتبر بمثابة ازالة الغبار عن نافذة على الماضي، عن رؤية لما كان يهم هؤلاء الحكام وثقافاتهم. يشكل كين شاي هوانج داي وهان جينج داي ثنائيا غريبا آخر: فالاول يعتبر مصلحا فذا وصف عادة بانه طاغية وانهارت سلالته بعد مرور اربعة اعوام فقط، على وفاته، والثاني يعتبر حاكما حذرا اعتمد جزيئا على العقيدة الطاوية (احدى الديانات الثلاث الرئيسية في الصين) لمساعدته في تعزيز سلطة سلالة حكمت لاكثر من اربعة قرون، فبعد ان انهارت سلالة هان الغربية، قامت الاسرة نفسها باعادة ترسيخ السلالة في عاصمة جديدة وحكمت تحت اسم سلالة هان الشرقية من عام 25 الي 220 للميلاد. وعلى الرغم من التناقضات بين هذين الامبراطورين، الا انهما مرتبطان هذه الايام بواسطة علم الآثار، لانه لم يسبق ان تم اجراء حفريات مكثفة في اي مقبرة امبراطورية اخرى في منطقة زيان. كما ان حكمها شمل ماقد يكون اكثر فترة تقويمية في التاريخ الصيني، عندما اتحدت مجموعة من الممالك المتحاربة في دولة واحدة ذات تقاليد امبراطورية قوية. كان كين هو الذي ادخل هذا المفهوم الثوري في الحكم الامبراطوري ثم جاء هان فصبغة بلمسة من التقاليد والنظام واضعا حجر الاساس لاكثر من 2000 عام من الحكم الامبراطوري. لقد اصبح انجاز كين شاي هوانج داي المتعلق بتوحيد الصين يمثل من خلال اكثر من 1500 من محاربي وخيول الطين المحروق التي تم استخراجها منذ عام 1974 عندما وقعت مجموعة من المزارعين على قطعة من التماثيل اثناء قيامها بحفر احد الآبار. وهؤلاء المحاربون المصممون لمرافقة كين شاي هوانج داي في الحياة الآخرة يعكسون القوة العسكرية للحاكم، ولكن الجيش الجرار المؤلف من 8000 قطعة يشغل جزءا فقط من مقبرة لم تشمل الحفريات معظم اجزائها، والتي تمتد على اكثر من 22 ميلا مربعا ويقال بأنها احتاجت الى 700000 عامل لبنائها. لقد قام علماء الآثار في الآونة الاخيرة بعمل بعض عمليات الحث الاضافية وعلى الرغم من ان المسئولين يقولون انهم لن يفتحوا الضريح نفسه حتى يتأكدوا من ان اساليب الوقاية ترقى الى مستوى التحديات، الا انهم سمحوا باجراء اختبارات مكثفة على التربة والتي تركت الارض حول الضريح معلمة بحفر صغيرة. ومنذ عام 1998، منحت السلطات ايضا اذنا باجراء حفريات تجريبية صغيرة في حفر تقع على بعد 650 قدما الى الجنوب الشرقي من الرابية التي يقع فيها الضريح. وكشفت احدى هذه الحفريات عن وجود 12 تمثالا غير عسكري تم تحطيمها على يد لصوص في الماضي السحيق. ومع ان جميع الرؤوس باستثناء واحد كانت محطمة بشكل يتعذر معه اصلاحها، الا ان علماء الآثار تمكنوا من اعادة تركيب خمسة تماثيل، بما في ذلك تمثال الرجل القوي ذو الكرش الكبير وقد تمثل هذه التماثيل اشخاصا كانوا يقومون بحركات تسلي الحاشية الامبراطورية مثل الحركات البهلوانية ويؤدون فنونا مثل الغناء والرقص وحركات عرض القوة وخفة اليد. وقد تم العثور على تماثيل مشابهة بحجم اصغر في مقابر سلالة هان، ولكن لم يسبق ان تم ربط تاريخ اي منها بسلالة كين، وبالنسبة للخبراء، فان هذه الاكتشافات تعتبر مثيرة وواقعية في آن وتعتبر اطلالة على شيء لم يكن متوقعا البتة وتذكيرا بمدى ضآلة ماهو معروف حقا عن توابع الدفن الخاصة بالامبراطور كين شاي هوانج داي. ضرار عمير