لم تشهد قضية طبية جدلاً واسعاً مثل الذي شهدته قضية نقل وزراعة الأعضاء البشرية، ويعود الخلاف حول هذه القضية الى سببين رئيسيين أولهما هو كيفية تحديد الوفاة، فهل تتحقق بموت جذع المخ في الانسان المريض المراد نقل أعضاء جسده لزرعها في جسد انسان آخر، حتى ولو كان هناك اعضاء اخرى تعمل في جسد المريض بوفاة جذع المخ مثل القلب والرئتين؟ أو بمعنى آخر هل يتم الأخذ بمفهوم الموت الاكلنيكي في تحديد الوفاة مع العلم ان هناك حالات غيبوبة عميقة تشبه وفاة المخ أم ان الوفاة تعني ضرورة توقف كافة أعضاء الجسم عن العمل وخروج الحياة منها تماما؟ وهي في هذه الحالة الأخيرة لا تصلح لنقلها وزراعتها في جسد آخر حي، وخاصة القلب والكبد والكلى. أما السبب الثاني فهو سبب فقهي وشرعي يتعلق بملكية الاعضاء، وهل تخص الانسان فيكون له ان يتصرف فيها بالمنح والتبرع، أما انها وديعة الله ـ عز وجل ـ ولا يجوز التصرف فيها؟ ضوابط طبية ومن فريق المؤيدين لموت جذع المخ أو الموت الاكلينكي يرى د. محمد لطفي رئيس الجمعية المصرية لجراحة المخ والأعصاب ان هناك ضوابط وقواعد طبية صارمة تحدد وفاة المريض، حيث يتم اجراء العديد من الاختبارات حول انشطة المخ، فاذا ثبت توقف الدعم عن الوصول الى جذع المخ ثلاث دقائق فقط، فهذا يعني حدوث وفاة حقيقية للشخص المريض لا رجعة فيه، مشيرا الى ان الدول المتقدمة، سواء في أوروبا أو امريكا تحترم جثث موتاها، ورغم ذلك أخذت بنقل الأعضاء البشرية وزراعتها منذ سنوات طويلة، وانه يمكن وضع ضوابط لمنع الاتجار في الاعضاء البشرية. ويعتبر د. حمدي السيد أستاذ جراحة القلب، ونقيب أطباء مصر، ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب من أشد المتحمسين لصدور قانون ينظم نقل الأعضاء البشرية وزراعتها: حيث يشير إلى أن هناك آلاف المرضى الذين يعانون من الفشل الكلوي والكبد ويحتاجون لأعضاء بديلة، وأن الوفاة لها علامات يحددها الأطباء المتخصصون، وهناك قواعد متفق عليها دوليا، ويمكن التأكد من وفاة جذع المخ بهذه القواعد المنضبطة. وقد أجاز الإمام الأكبر الدكتور «محمد سيد طنطاوي» شيخ الأزهر عمليات نقل الأعضاء البشرية وزراعتها، حيث يقول: «إن التبرع بالعضو البشرى: سواء من إنسان حي أو ميت يعتبر صدقة جارية للمتبرع، وردا على مقولة إن جسم الإنسان ملك لله بأن الكون كله ملك لله، ورغم ذلك أباح لنا التصرف في كثير من الموجودات بما يخدم حياتنا على الأرض». وقال الدكتور «نصر فريد واصل» مفتي الديار المصرية: «إن دار الإفتاء قد انتهت إلى جواز إجراء عمليات نقل الأعضاء البشرية وزراعتها ما دامت هناك ضرورة وحاجة لذلك، ودون ضرر للمتبرع». كما أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث فتوى مؤخرًا قال فيها بجواز نقل الأعضاء البشرية إذا لم يكن هناك ضرر، واشترط موافقة الميت بالتبرع قبل موته، وعدم جواز بيع الأعضاء البشرية أو نقل عضو تتوقف عليه حياة الإنسان كالقلب. لكن بقيت قضية موت جذع المخ مثارا للجدل بين من يرى انه ليس دليلا على الوفاة ومن يرى العكس، ويؤكد الدكتور «محمد رأفت عثمان» عميد كلية الشريعة والقانون ان القول بموت الدماغ أو جذع المخ بدعة طبية يراد بها انتزاع الأعضاء من جسد المحتضر قبل أن تستكمل روحه الصعود إلى بارئها، مشيرا إلى أن الطب لم يعط إجابات شافية عن الأضرار التي قد تلحق بالمتبرع الحي، وبالتالي يصبح التبرع بالأعضاء البشرية حراما أيضا: تجنبا للضرر. وينفي الدكتور «ممدوح سلامة» أستاذ جراحة المخ والأعصاب بشدة أن يكون موت جذع المخ وفاة حقيقية، مشيرا إلى استمرار الحياة ولو كانت بمساعدة أجهزة صناعية، وإلا اعتبرنا الذين يعيشون بصمامات قلب صناعية في عداد الموتى. وتبقى في النهاية مخاوف لها وجاهتها من اقرار قانون ينظم نقل وزراعة الأعضاء هو ان تتحول العملية الى تجارة للأعضاء البشرية، كما يحدث في تركيا وان تصبح القاهرة هدفا للاسرائيليين، خاصة ان القوانين في اسرائيل لا تبيح نقل الاعضاء. وهناك تحليلات ترى ان هناك شبكات دولية لمافيا تجارة الاعضاء ومنها شبكة «سي.اس.او.اس» (أي الشبكة الدولية للمشاركة في الأعضاء التي تحاول ضم مصر اليها، وترعى مؤتمرات طبية فيها لهذا الغرض.