إنه لا يختلف اثنان على أن الحقيقة القائلة في الحروب لا يوجد منتصر أو خاسر: فالطرفان خاسران حالما تبدأ الحرب، حيث لا توجد غاية تبرر الوسيلة إذا ما كانت الوسيلة تعني فناء الكيان البشري، والدمار والمعاناة والحصار وموجات من اللاجئين الذين يبحثون عن مأوى ربما يوفر بعض الحماية المؤقتة أو الدائمة في بلد آخر. وهكذا كانت الحروب أم الشرور فقد حاول الأنسان منذ البداية صناعة السلاح توفير الحماية لذاته، فتعدى الأمر إلى إيذاء غيره والسيطرة عليه، وهكذا بدأت الحروب. والحقيقة الثانية أن العالم الغربي كان مصدر الدمار الأول، فترسانة الأسلحة وطبيعتها والحروب التي قامت أو التي ستقوم مصدرها واحد: العالم المتقدم الذي أحتل دولاً وأنتهك سيادتها وحرمها من حق الأستقلال، ناهيك عن المؤمرات والدسائس والأسلحة الفتاكة التي جربها أو زودها لدول العالم «الآخر» لتغدو مسرحاً متوهجاً قابلاً للأنفجار في أية لحظة من دون سيطرة، مما سينذر بعواقب لا يحمد عقباها. وتلك جزء بسيط من الحقائق والكثير غيرها يعرضها الكاتب السويدي سفن لندكفست في كتابه «تاريخ القصف» الذي نناقشه هنا. الأمر الأول الذي يثير إنتباه من يطلع على كتاب «تاريخ القصف» طريقة إخراجه، فقد عزف الكاتب عن الأسلوب التقليدي للكتب من حيث ترقيم الصفحات وترتيب الفصول، فكان كتابه أشبه بمدخلات متشعبة لكنها تتعلق بموضوع متقارب في كل فصل تقريباً، بينما طرح في الوقت ذاته تسلسلاً زمنياً لتاريخ القصف والأسلحة بدءاً منعام 762 وحتى عام 1999. والأمر الثاني أن هذا الكتاب، على الرغم من حجمه المتوسط، يشكل في الواقع موسوعة تعالج هذا الموضوع ليس من خلال الجانب العسكري حسب، بل من خلال الجانب السياسي والقانوني والأنساني، لا سيما وأن الكاتب قد أطلع على مئات الكتب والوثائق والصور والمناقشات. وبالأضافة إلى كل ما تقدم تميز الكاتب بأنه استعان بالكثير من العمل الروائي الواقعي منه والخيالي لكبار الكتاب مثل أتش جي ويلز وجاك لندن وتوماس مان وباللوحات الموجودة في المتاحف التي تصور الرعب البشري من الطائرات، ناهيك عن تجربته الشخصية وحالة الخوف التي إنتابته في الحرب العالمية الثانية والحروب التي تلتها والتي يصور بعضها بالتفصيل فأفضى ذلك إلى لمسة إنسانية للكتاب. وأخيراً وليس آخراً إتسمت معالجة الكاتب للكثير من الأحداث بالجرأة والدقة والموضوعية لكتاب أصيل يحتل مكانة مرموقة بين كتاب العالم، فلم يحاول إيجاد أو تلفيق التبريرات لما اقترفه العالم الغربي وأمريكا بحق مئات الدول وعشرات الملايين من البشر. القنبلة الأولى يرتبط مصطلح القصف بصناعة القنبلة والدور الذي لعبته في حسم الحروب. ويرجع الكاتب ولادة القنبلة الى بداية القرن التاسع في الصين، حيث كانت تتألف من أنبوب يشبه أنبوب الخيزران محشو بمادة متفجرة كالبارود ومغلق من الطرفين. وعند فتح أحد الطرفين سيندفع إلى الأمام بقوة الإنفجار فتتحول القنبلة إلى ما بات يعرف بالصاروخ، حيث أستخدم الصينيون نوعاً من الصواريخ التي تطلق وابلاً من صواريخ صغيرة في الجو، كما فعلوا في حربهم الدفاعية عن كيفنج عام 1250. وأنتقل هذا السلاح إلى أوروبا بواسطة العرب والهنود وقام الأنجليز باعادة اكتشافه مع بداية القرن التاسع عشر، وشرعوا باستخدامه على نطاق واسع ضد الجزائر عام 1816 وبورما عام 1825 وأفغانستان ما بين 1837-1842 والصين ما بين 1839-1842 وأمريكا الوسطى عام 1867 والحبشة عام 1868 والأسكندرية عام 1882 وضد السودان وزنجبار وشرق أفريقيا وغربها عام 1894 والكثير من الدول غيرها بوجه ما تسميه بريطانيا البرابرة والمتوحشين. ويذكر الكاتب إن أول قنبلة ألقيت من الجو في الأول من نوفمبر عام 1911 على طرابلس في ليبيا، حيث أسقط الملازم جيليو كافوتي أربع قنابل تزن الواحدة منها 2 كيلوجرام عندما هاجم واحة عين زارة وطاغورة، في إحتفال لهم بسقوط آخر جزء من الإمبراطورية العثمانية0 وفي القصف التالي إرتكب الإيطاليون مذبحة- كما يقتبس الكاتب نقلاً عن التايمز اللندنية ـ بحق كبار السن والأطفال الغزل والنساء، في هجوم إنتقامي لأن العرب ساندوا الأتراك في هجومهم المقابل الذي طرد الايطاليين الى البحر. ولكن عمليات القصف هذه لم تحقق الهدف الذي سعت اليه في تحطيم المعنويات، فاستمرت المقاومة أكثر من عقدين على الرغم من توقيع معاهدة بين تركيا وايطاليا عام 1912 وتواصل القصف الجوي. وفي السنة التالية 1913 أرسلت فرنسا ست طائرات لآداء أعمال شرطية في المغرب حيث إختار الطيارون أهدافاً واسعة كالقرى والأسواق وقطعان الرعي بينما لجأ الاسبان في عام 1913 عند قصف الشطر المغربي الواقع تحت سيطرتهم الى إستخدام قنابل بيضوية ألمانية شديدة الانفجار وذات قدرة على إصابة أكبر عدد ممكن من الأهداف. ولم يستثن الكاتب بريطانيا التي شرعت بقصف الأقاليم التي تحتلها، كما فعلت القوى الإستعمارية الأخرى. فقد أقدمت هذه الدولة على قصف الباتان على الحدود الشمالية الغربية من الهند عام 1915 ومصر عام 1916 لإخماد الحركات الثورية وقمعت إنتفاضة مشهد عام 1917. وفي الحرب الأفغانية عام 1919 أرسلت بريطانيا سربا من الطائرات لقصف دكا وجلال أباد وكابول حيث حسمت الحرب بضربة واحدة عند إلقاء قنبلة تزن عشرة كيلوجرامات على قصر الملك الأفغاني. وهكذا يشير المؤلف إلى أن الحلم الغربي في التحليق والطيران قد رافقه كابوس آخر وخطر جسيم أصاب أولاً سكان الأقاليم والقبائل والتجمعات قبل أن ترى أوروبا بأم عينها قوة القصف التدميرية وتدرك نفس المصير الذي شاءته لغيرها. استراتيجية جديدة للقصف يعتقد الكاتب إن الحرب العالمية الأولى شكلت مرحلة إنتقال في الأسلوب الحربي من حالة أشبه بالحروب الداخلية الأوروبية الى حرب «كاملة». فالوسائل التقنية قد غيرت شكل الحرب بفعل الأسلاك الشائكة والأسلحة السريعة الإطلاق في البر والغواصات في البحر والقوة الجوية والغازات السامة في الجو. زد على ذلك فهي «شاملة» لأنها تمس حياة وأرواح كل فرد من الدول المتحاربة، وهكذا كان للقصف دور حاسم لاسيما وأن جميع مناطق الدول المتناحرة قد غدت مسرحاً للحرب، مما أضفى عليها صورة حرب حياة أو موت بفعل عدم دقة الأسلحة في الوقت بلغت فيه الضحايا أعداداً مرعبة. ويضرب لنا الكاتب مثلاً في بيريطانيا التي خسرت في أربعة أشهر عام 1917 «324000» شخص في الجبهة الغربية وتكبدت العاصمة لندن ما مجموعه 216 قتيلاً بينما بلغ إجمالي قتلى الغارات الجوية 1400 في كامل فترة الحرب. وتخللت فترات طويلة من فترة الحرب حالة أشبة بالسكون تمثلث بتقوقع القوات داخل الخنادق من دون المبادرة بالهجوم ففرضت الحالة الدفاعية على الحرب. وهذه الحالة غير موجودة في الحرب العالمية الثانية عندما يقارن المؤلف بين الحربين. ويذكر إن الحرب«الخاطفة» كانت سمة الحرب العالمية الثانية، فحققت لهتلر إنتصارات سريعة ساحقة بفعل عوامل السرعة والمباغتة والقصف الشديد فتمكن من الانتصار على بولندا والدنمارك وهولندا وبلجيكا وفرنسا بينما فر الجيش البريطاني بشق الأنفس من الدنمارك. وهكذا وقف البريطانيون وحدهم أمام ألمانيا، وكان سلاحهم الوحيد للوصول إلى ألمانيا هو القوة الجوية، بعد أن لعبت دوراً هامشياً كما يقارنها الكاتب في الحرب الأولى على الرغم من تمتع بريطانيا في حينها بأول أسطول جوي مستقل في العالم مكون من 3300 طائرة. وأخذ القصف شكلاً مرعباً كان مسرحه الدائم المدن والسكان العزل. ويذكر المؤلف ان الرئيس الامريكي قد ناشد الأطراف المتحاربة في اليوم الأول للحرب على عدم اللجوء إلى قصف المدنيين او المدن غير المحصة تحت طائلة اية ظروف. وهذا المبدأ لم يرق للبريطانيين لان الاهداف التي كانت استراتيجية بالنسبة لهم امتدت لتشمل خطوط الاتصال والنقل التي هي بالاساس في قلب المدن ثم اتسع في يونيو 1940 ليشمل الاهداف الصناعية التي تعني اصابة منازل العمال المجاورة لهذه المصانع. رد هتلر في 6 سبتمبر بهجومات جوية خاطفة على المدن الانجليزية لمدة نصف عام فقتل 40 الف مدني، مما دفع الحكومة البريطانية في 16 اكتوبر باتخاذ قرار بفتح ما بات يعرف في حرب فيتنام لاحقا بـ «مناطق نارية حرة» الامر الذي يعني عدم تحديد مناطق القصف. وكانت الغارة التي قامت بها بريطانيا على هامبورج في ليلة 27 يوليو 1943 من انجح الغارات في تاريخ القيادة الجوية البريطانية كما يشير المؤلف حيث أدت الى مقتل 50 الف شخص في تلك الليلة معظمهم من النساء والاطفال وكبار السن. لقد خططت بريطانيا لكل شيء في ذلك القصف باحكام فأغرق البريطانيون الرادارات الالمانية برقائق من الالمونيوم فجالت القاصفات بحرية لتلقي على الاماكن السكانية المكتظة 12 الف طن من القنابل الحارقة. وظلت المدينة مشتعلة لعدة ايام بفعل الحرارة العالية والرطوبة المنخفضة ثم تجمعت الحرائق لتكون عواصف نارية بلغت مستويات الاعصار. وهذا الامر شمل اكثر من مدينة المانية وكذلك المدن البريطانية قبل أن تقوم اليابان بهجوم جوي خاطف على بيرل هاربر. وهكذا كان للقصف الجوي طوال الحرب العالمية الثانية اليد الطولى في تحقيق نتائج حاسمة ولكنها غير نهائية، اذ كان لدخول الولايات المتحدة الدور الحاسم الاكبر في رسم نهاية الحرب المؤكدة في انزال نورماندي وهزيمة وهزم اليابان باللجوء الى قصف بنوع آخر من السلاح الفتاك هو القنبلة الذرية. لا بد لكل من يتذكر الحرب العالمية أن ينظر بعين الحزن إلى حادثة هيروشيما الأليمة لما تنطوي عليه من غطرسة وجبروت وإستهانة بجيل بشري كامل من المدنيين الذين باتوا مسرحاً لتجريب سلاح فتاك رفض بشدة حتى العلماء الذين قاموا بتصنيعه إستخدامه على أية أهداف، لأن بوسعه أن يحول في غضون ثوان معدودة مدينة برمتها إلى العدم. ويرى الكاتب إن حادثة هيروشيما تمثل نقطة التحول في تاريخ القصف وطبيعته وإنتقالاً نوعياً هائلاً يتسم بالافلاس الأخلاقي من ناحية وخرقاً واضحاً للقوانين الدولية والأعراف القائمة التي تضمن للمدنيين حق الحماية في الحروب، بغض النظر عن الأسباب والدوافع الكامنة للحرب. ففي الإجتماع الذي عقده الرئيس ترومان مع لجنة عسكرية خاصة قبيل إلقاء القنبلة تجاهل الحاضرون توصية العلماء المتعلقة بالدمار الهائل الذي سيصيب البشرية باعتبارها سابقة إنسانية من كل المعايير الإنسانية ستسهم في فشل الإتفاقيات الدولية مستقبلاً حول السيطرة على هذا النوع من الأسلحة. أرسل الرئيس ترومان بعد ذلك الإجتماع تحذيراً الى اليابان بالأستسلام الفوري غير المشروط، من دون أن يتطرق إلى نوعية السلاح الجديد وقوته الهائلة أو إلى دور الأمبراطور، فتجاهلت اليابان ذلك وسعت لعدة أشهر للتفاوض مع الحلفاء. أما المكان الذي تم إختياره للألقاء القنبلة فيمثل فعلاً أمراً غريباً ومتناقضاً ومن المستحيل تحقيق الهدف المنشود كما يقول المؤلف: تحديد موقع سكني يقتصر فيه الهدف على جزء بسيط من المدنيين. وفي الواقع كان القدر في الثامن من أغسطس عام 1945 يخبيء شيئاً آخر للمدينة. ففي الساعة الثامنة وست عشرة دقيقة وثانيتين إنفجرت القنبلة من دون سابق تحذير بقوة 12500 طن من المواد الشديدة الإنفجار. وفي الحال قتل أكثر من مائة ألف (95 % مدنيين) عندما بلغت درجة الحرارة أكثر من 300 الف درجة ، ناهيك عن الأشعاعات التي رافقتها والتي أتلفت الأعضاء البشرية، بينما قضى أكثر من مائة ألف آخرين معظمهم من المدنيين بسبب الإشعاعات والجفاف والحرارة الحارقة فيما بعد. وهنا يسخر الكاتب من الكثير من التبريرات التي سعى الامريكيون لإيجادها عن هذه الحادثة. فالرئيس ترومان قد علل اللجوء الى إلقاء القنبلة على هيروشيما بإعتبارها قاعدة عسكرية، من دون أن يذكر أنها تضم أكثر من 400 الفاً من المدنيين، وهو العدد المثالي لتحقيق أعلى الإصابات. وثانياً كان إعلان الرئيس بعد الحادثة تحذيراً لليابانيين من مغبة عدم الإستسلام الذي سيفضي -كما يقتبس المؤلف- من قول الرئيس الى «مقتل ألوف المدنيين لسوء الحظ» معطياً الإنطباع كأن الالوف في هيروشيما لم تقض نحبها أو إنها لم تكن شيئاً مذكوراً. والأمر الغريب الثالث إن الدبلوماسيين اليابانيين قد حاولوا في مسعى محموم لفترة شهور عديدة وحتى قبيل أيام على إلقاء القنبلة الى إيجاد طرف من الحلفاء لمناقشة بنود الإستسلام بينما أبرق الأمبراطور في 18 يوليو الى الرئيس ترومان طالباً السلام من دون أن يبدي الرئيس الامريكي أي إهتمام. وبالإضافة الى كل ما تقدم كانت الخسائر اليابانية قبل ذلك هائلة، على عكس ما صوره الإعلام الامريكي في حينها، فقنابل النابالم ذات القابلية الشديدة على الإحراق التي تعادل أضعاف القنابل العادية والتي تم إكتشافها وتجربتها عام 1943 قد وجدت ضالتها المنشودة في المدن اليابانية التي معظمها ذات جدران ورقية وحصائر هشة فحققت إصابات هائلة. وهكذا كانت اليابان ترزح تحت وابل من الخسائر والنيران الهائلة التي أتت على نحو من 66 مدينة وأتلفت ربع مدينة طوكيو قبيل أن تكتمل المأساة بقنبلتي هيروشيما وناكازاكي. والأمر الأخير إن امريكا كانت تعلم تماماً إن اليابان كانت على وشك الإستسلام من دون اللجوء الى إستخدام السلاح الذري أو حتى من دون اعلان الإتحاد السوفييتي الحرب ضد اليابان. القتل بدافع عنصري يطرح الكاتب في كثير من المواضع بالكتاب فقرات من القانون الدولي المتعلق بحقوق الدول وإستقلالها وحق المدنيين في عدم تعرضهم لأي قصف أو إصابات على إعتبار أنهم أهداف غير مشروعة أو خارج نطاق الحرب لما تنطوي عليه من ألم إنساني أو سابقة يصعب التكهن فيما ستفضي اليه. ويقارن الكاتب بين العالم العربي والغربي ويذكر أن الامام أبو حنيفة هو أول من أمر بمنع قتل النساء والأطفال والشيوخ والعزل حرّم إغتصاب أو قتل الأسرى (وكان الأصح للكاتب أن يذكر إن هذه التوصيات كان مصدرها رسول الإنسانية ومعلم البشرية الأول النبي محمد صلى الله عليه وسلم) وهكذا حينما فتح المسلمون آسيا وشمال أفريقيا وطردوا الاوروبيين منها في القرن الثامن الميلادي أرسوا قوانين إنسانية تتعلق بالحروب لم تقبل بها أوروبا الاّ بعد قرون عديدة. وهذه القوانين التي تحفظ حق المدنيين في العيش- كما يظهر المؤلف مع الأمثلة- لا يمارسها الغرب عندما يتعلق الأمر بالنسبة للملونين أو الشعوب الأخرى، التي يصنفهم بالبرابرة والمتوحشين. فمصطلح الحرب الشاملة يعني تماماً مصطلح «الحروب الرومانية» في العصور الوسطى الذي يعني تدمير مدن العدو وذبح جميع السكان من دون التمييز بين حملة السلاح والناس العزل. ويذكر الكاتب إن الدول الغربية كانت وراء إجرام الحروب بسبب حالة اللاقانونيه التي سمحت لنفسها بممارستها خارج المسرح الأوروبي من إنتهاك لحقوق الغير والنظر اليهم بفوقية لتعود إلى أوروبا مرة هذه الممارسات. ويضرب لنا الكاتب عدة أمثلة لما حصل في الحربين العالميتين وما تلاهما. فالحرب العالمية الاولى قضت على 10 ملايين في جبهات القتال وجرحت 20 مليون بالاضافة الى قتل عدد هائل غير محدد بفعل الجوع والمرض ونتيجة للحصار البحري الذي ضربته بريطانيا على المانيا فكان بحق أكبر جريمة حيث أرسل الالمان النزر اليسير من الطعام المتوفر الى جبهات القتال تاركين الاطفال والشيوخ المحاصرين يتضورون جوعاً. حينما لم تحقق الحرب البرية، على الرغم من كثافة القصف الناري، إنتصاراً سريعاً ونهائياً للحرب، بحث الجيش بيأس عن إسلوب متحرك فعال جديد، فوفرت الحرب الجوية أفضل الحلول الممكنة: قصف المدنيين الذي سيحقق نتائج سريعة تقود الى إنتصارات نهائية مؤكدة. وما شكل جريمة بحق الانسانية هو إنقاذ حياة الجنود مقابل قصف النساء والشيوخ والأطفال وتحقيق أعلى أرقام من الإصابات. وهكذا نحرت الضرورة الحربية حقوق الانسان، وهو التناقض الذي أصطبغ به القرن العشرون. وكان لسياسات التوسع القاسية التي مارستها ايطاليا في أثيوبيا وليبيا واسبانيا في المغرب والولايات المتحدة في الفلبين والديمقراطيات الأوروبية الغربية في بلجيكا وهولندا، وبريطانيا في آسيا وأفريقيا نحو أكثر من مائة عام أن يكررها هتلر بشكل وحشي، خاصة في القصف الجوي. فهتلر قد بدأ الهجوم على بولندا من دون ان يستفز او لانه اوروبي فقد كان ينظر الى البولنديين كأنهم خارج المجتمع والقيم الاوروبية ولذلك فهم لا يتمتعون بحماية القانون الدولي، فأضطر الى التعامل معها كمستعمرة ، شأنها شأن بقية المستعمرات. لذلك أعطى الاوامر للقطعات العسكرية والجوية بقتل كل رجل أو امرأة او طفل من أصل بولندي او يتحدث بلغتها ، مما قضى على الوف من الكتاب والمفكرين في حملة التطهير العرقي. يذكر الكاتب إن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو المبدأ الأساس للديمقراطية، ولجميع شعوب العالم الحق في إختيار طبيعة الحكم. بيد أن الديمقراطيات الغربية هي التي كانت تمثل العالم الاستعماري حيث أعتمدت قوة هذه الدول إحتلال الغير، حتى لو تطلب ذلك كبح رغبة هؤلاء السكان. فبعد الحرب العالمية الاولى تخيل العالم أنه سيتحرر من الأستعمار، فكان كل ما فعله المنتصرون الذين نادوا بحرية الشعوب الى تقسيم الدول الى مناطق إستعمارية تحت الحكم والانتداب البريطاني والفرنسي في عملية أشبه بتقسيم الغنائم. وهو الأسلوب ذاته الذي لجأ اليه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية: فمبدأ حرية الشعوب كان يعني لتشرشل التحرر من الحكم النازي لا غير. وهكذا كان على الدول الغربية دائماً قمع الثورات والحركات والتمرد بكل أشكال القوة المتاحة، لأن هذه الشعوب تمثل في نظرهم الهمج والبرابرة. وهكذا قامت العقلية الإستعمارية الغربية على أساس تفوق العنصر الأبيض وإن قصف المواطنين أمر إعتيادي. ويضرب لنا الكاتب عدة أمثلة كان الوطن العربي كله تقريباً ساحة للنضال ضد الأستعمار. فقد لجأ الطليان الى قصف ليبيا والفرنسيون في المغرب والبريطانيون في دول الشرق الأوسط والهند شرق أفريقيا. فالبريطانيون قد أوجدوا في الذرائع البربرية حجة لقصف مدينة الإسكندرية عام 1882 من مطلع الشمس حتى مغيبها فحولت البحرية البريطانية المدينة الى كتلة من الرماد بعد ليلة بدت فيها المدينة كأنها بحر من النيران. وبرر رئيس الوزراء البريطاني جلادستون هذا الفعل البربري في قصف المدن وإحتلال أراضيها حينها بحق المجتمع الدولي بالتدخل في شئون الدول الأخرى بإسم السلام والإنسانية والتقدم، بينما كان الدافع الحقيقي إخماد الإنتفاضة الوطنية ضد القوى البريطانية والفرنسية. والمثال الثاني في السودان عندما بات المدفع الرشاش خيار الحروب الاستعمارية فأستخدم لتأديب المواطنين غير المتعاطفين، حيث ذبحت القوات البريطانية في معركة أم درمان عام 1898 أكثر من عشرة الآف سوداني مقابل 48 بريطانياً وهكذا تطلب الأمر بضعة ملايين من الجثث لإقناع الضباط الأوروبيين بأن تأثير المدفع الرشاش على الجنود الأوروبيين يماثل ما حصل مع «زنوج أفريقيا القذرين». ولم يفوت الكاتب الأشارة الى ما فعلته امريكا في مصير الشعوب في الهند الصينية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وسباق التسلح النووي المحموم إبان الحرب الباردة. ففي الحرب العالمية الثانية ألقت الولايات المتحدة ما مجموعه مليوني طن من القنابل في حين بلغت حصة الهند الصينية ثمانية ملايين بقوة تفجيرية تعادل 640 هيروشيما. وفي الحرب العالمية كانت القنابل الامريكية تستهدف 70 % من الأهداف الفردية و30% من المناطق الكاملة بمعدل 26 كيلو جرام للهكتار بينما شكل قصف المناطق في الهند الصينية أكثر من 80% بمعدل 190 كيلو للهكتار. ويتعدى الأمر ليشمل نوع السلاح المستخدم-كما يستعرض المؤلف. ففي الحرب العالمية الثانية ألقت امريكا 14 ألف طن من النابالم الفتاك، بينما أسقط في الحرب الكورية 32 الف طن من نوع جديد أشد تأثيراً. وفي فيتنام وحدها ألقت الولايات المتحدة بين عامي 1963-1971 نحواً من 373 ألف طن من سلاح النابالم الاشد دماراً. أما في لاوس فقد ألقت الولايات المتحدة 230 الف طن من القنابل بحجة وقف النقل العسكري مما دمر حياة أكثر من خمسين ألف مزارع في السهول ومئة ألف آخرين في الشمال. ويخالف المؤلف الرأي القائل بأن حرب الخليج تمثل نقلة جديدة في نوعية الحروب التي باتت فيها أنظمة الأسلحة المتطورة ذات تقنية عالية وقدرة كبيرة في الوصول إلى الأهداف وتحقيق الغايات المنشودة. فالحرب التي ظهرت على شاشات التلفاز كأنها لعبة كمبيوتر من دون إراقة دماء أو إصابات بين المدنيين وتبحث فيها الصواريخ الجوالة بين زوايا الشوارع لتصيب أهدافها بدقة متناهية كانت مجرد وسائل دعائية تم التحكم بها بدقة كبيرة لإعطاء الإنطباع أن هذه الحرب كانت كفوءة من الجانب العسكري والإنساني وذات درجات محدودة من الدمار لا تخلف وراءها أية تأثيرات جانبية فوضوية. ويبين إن القنابل القديمة كانت تصيب القرى القديمة ذاتها فبدا العراق كله يعاني من آثار الدمار، في الوقت الذي تم العثور على شظايا قنابل يعود تاريخ صناعتها الى عام 1968 من مخلفات حرب فيتنام ألقيت باسلوب الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من نصف قرن. الحروب المستقبلية يطرح الكاتب النظرة المستقبلية لما ستكون عليه الحروب، ويرى إنها ستكون بين القبائل والطوائف والإرهابيين واللصوص والعصابات والقراصنة. وستختفي الحدود الواضحة بين الدول لتحل محلها حواجز الطرق التي يقيمها قطاع الطرق، وهو الأمر الذي بدأ في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وسوف يصل إلى الإتحاد السوفييتي السابق والصين والهند- وإلى الولايات المتحدة وأوروبا إن لم تتوقف موجة العنف المتنامية. ولن تنتهي الحروب ـ كما يتنبأ الكاتب ـ حيث ستكون أطول وأكثر دموية وعنفاً تشنها جيوش خاصة وعصابات تركب الدراجات البخارية ومجموعات نازية وحراس شخصيون أو جنود لم يتقاضوا أجورهم. وستأخذ القنبلة في المستقبل شكلاً آخر كأن تكون متفجرات في حقيبة وليست صواريخ عابرة القارات بينما ستكتفي السيارات والرسائل المفخخة بأداء الدور الذي ستفعله قنابل الجو. ولم يتجاهل المؤلف خطر الأسلحة النووية ويرى إنها تشكل خطراً لا يمكن تصوره حتى لو أصبحت عديمة الإستعمال إلى الأبد. فهذه الأسلحة أو المواد الخام المصنوعة منها قد تقع في أيدي المتطرفين أو المجرمين مما قد يفضي إلى عواقب كارثية. ويضرب لنا مثلين يتعلق أحدهما في السلاح النووي الإسرائيلي الذي هو في الواقع عديم الجدوى بوجه العرب ملقي الحجارة، والثاني في الترسانة النووية الروسية. فالأسلحة الروسية ذات اليورانيوم عالي التركيز لا تتمتع بحماية حالياً وتتواجد في مناطق من دون أسيجة أو كاميرات مراقبة أو أجهزة لكشف النشاط الإشعاعي، في حين أضطر الحراس الى إغلاق أجهزة الإنذار لأنهم لم يتقاضوا أجورهم لعدة شهور. وهكذا يخلص الكاتب إلى أن كارثة نووية في روسيا ستقود الى موجة غزو من اللاجئين الروس الذين يجدون أنهم باتوا من غير مأوى، في حين ستجعل الحرب النووية إذا ما اندلعت بين الهند والباكستان من هذين البلدين غير صالحين للسكن مما ستزحف موجات بشرية هائلة نحو كل أرجاء العالم.