ابتسمت أمي وهي تعد أيام غياب (سامي)، ثم ألمحت إلى اعجابها بكل عمل يقوم به، وراحت تثني على طريقته في التامل، وعلى تمسكه بالعادات والتقاليد، فقد ترك لنا فرص التصرف. هكذا يفعل الرجل المميز، حيث يغيب عن عرسه بضعة أيام قبل موعد الزفاف. كنت في أثناء ذلك أفكر بقصاصة الورق الصغيرة التي أرسلها لي، وبضعة كلمات يقول فيها: (فلنؤجل الموعد. امنحيني الوقت. إني قلق.. ربما). قبل آخر لقاء بيني وبين سامي، هاجمتني ذكرى بعيدة. أتتني بصورة وحش. لم تترك لي فرصة التفكير. تسلّطت على كياني ووجودي. كنت أرى وأسمع. أنهض وأنام. أروح وأجيء. وشيء واحد يشغلني. لم أحاول الهروب. كان السؤال يكبر، والخوف يكبر. مرّ المساء ثقيلاً. كنت أراقب الأشياء ببلاهة، وكان وجه القمر مكتملاً، بينما بعض الغيوم الداكنة تغطي بعض المساحات، كاشفة عن الضياء الممتد في الفضاء اللامتناهي، ليتساقط منتشراً فوق البحر. كان البحر هادئاً براقاً، عدا تلك الظلال التي ترتسم بين الحين والآخر فوق مساحات متفرقة من سطحه، ريثما تعبر غيمة مسافرة أو أكثر. كانت عيناي تلتقطان الصور، وأدرك ان كل شيء الى فراغ. كل ما حولي مزيّف، أو هكذا خيّل إليّ. كل شيء يمر بصمت، دخول أمي أو خروجها، حبات المسبحة في يد أبي، مجيء أختي، أصوات اقداح الشاي، الملاعق، كل شيء، كل شيء، كان بصري يتساقط فوق الأشياء ويعبر كما تعبر الغيمة وتروح، كما تظهر نجمة القمر وتغيب، كما تمر الأفكار المرعبة، وكما ستعود. اغتنم سامي الفرصة وهمس في أذني (احبك) أجفلت. ضحك من اعماقه. لم أضحك. بدأ قلبي بالخفقان. دبّ الورع إليّ، وكنت أنظر إليه بإكبار. غادرنا أبي بعد أن حلّ موعد نومه، انشغلت أختي بالقراءة، حيّانا أخي من الغرفة المقابلة، كانت أمي تتردد علينا تعلق على جمال ثوبي الذي سأزف به، لم تنس أنواع الخرز و(الدانتيللا) المتداخلة مع القماش، كانت معجبة بتصميمه، ومعجبة بنفسها، وقد دأبت على حياكته قبل أشهر، فتسرق الوقت لتعمل ساعة أو أكثر. اقترب سامي اثر غياب أمي، سألني وقد حمل كلماته مزيداً من الحب قائلاً: ـ ما بك؟ بقيت صامتة، وجلة. لا شيء عندي يقال. كل ما عندي محصور في رأسي الذي يكاد ينفجر. نظرت الى سامي نظرة ملؤها الخوف. هززت رأسي علامة النفي، وكنت غارقة في التفكير، وكأنه أصرّ على ملاطفتي. لامس وجنتي. عاد الى مكانه وهو يبتسم بثقة. قال: لا تفكري.. لا شيء يستحق التفكير.. سيمر كل شيء بسلام. سمعت أصوات قلبي. نهضت وأنا أحاول الابتسام. تمتمت بحروف تنبئ عن عطش لحق بي. خرجت لأعود وبيدي كوب ماء. سألته إن كان يريد أن يشرب. هزّ رأسه نحو الأعلى. لمع ضوء القمر فوق وجهه وغاص في عينيه. وجدته أجمل الرجال، غير أن قلبي أكثر من الخفقان. جلست. ـ ما بك؟ هل من أمر؟ ـ لا. ـ أنت على غير عادتك؟ ـ لا. ـ بل نعم. ـ أنا تعبة. مسح وجهي براحة كفه. ابتسم لي. وقف، ثم غادر بهدوء. لم أنم تلك الليلة. حسبت الأيام المتبقية للزواج. كانت تقارب الشهر. تقلّبت في الفراش كثيراً. كانت تلك الذكرى تعصف بي، ذكرى ضبابية الشكل، غير انها حقيقة، وواقعة، وتشابه قصة رجل وامرأة، أنثى وذكر، ربما. اظن ذلك ولا أظنه، غير انني وقعت في الشك. خفت ثانية. تقلّبت اكثر. تذكرت احدى زميلاتي في الثانوية، وكانت تدعى (سونيا) جميلة الشكل طويلة القامة. لها شعر أشقر يسترسل على كتفيها. تستطيع بنظرة من عينيها ـ كما كانت تقول ـ أن تجذب أكثر الرجال صلابة، فنضحك لها، أو نلتف حولها. تسمعنا آخر أخبارها. من لاحقها؟ من غازلها؟ من حاول رمي شباكه عليها؟ تحدثنا عن قصص هي أقرب للخيال. نصدقها أحياناً، وأحياناً لا نصدقها، غير أنها تضحك من أعماقها، ونتساءل ببراءة عن مدى اعجابنا بأحاديثها، فتستشف في عيوننا أمراً، وتضرب كفاً بكف، وتطالبنا ان ننسى كل ما قالته، فهي تهوى المزاح، وتعاهدنا في كل مرة على نهج الصدق في مرات مقبلة. ترفع كفها نحو الأعلى، وكأنها تقسم على ذلك، وتنهي الجلسة بالمزاح. كانت تتحفنا بقصصها التي تشبه الخرافة. لكن! هل كان في حياتها قصص حقيقية، وليست من الخيال؟ تململت في فراشي، ولا أدري متى غفوت. حين تتذكر امي طفولتي تصبح اسعد الناس. أراقبها بإعجاب. أصبح محور الحديث. كان لي وجه جميل. تسكنه عينان واسعتان. لي بشرة ناعمة. أما جبهتي فكانت تضيء تحت شعري الغزير المسترسل بجرأة على كتفي وظهري موضحاً ملامحي الجذابة الجميلة كما تقول امي. ابتسم لها. تسألني بعفوية (ألا تصدقين؟) بلى أصدقك يا أمي. أكثر ما أذكره من طفولتي، هو اهتمام أمي بعد انقضاء السنة الدراسية بأشهر الصيف. تنهمك بإعداد الحقائب واللوازم والضروريات. كان لنا بيت في إحدى القرى الجميلة المطلة على البحر، والتي يرتادها المصطافون كل عام، فتختلف الوجوه من حولنا باستمرار. أذكر ذلك جيداً، فلا أكاد أصل الى اعتياد وجوه أقراني من أطفال حتى ينتهي الموسم، لنحمل معنا الذكريات. نقتات عليها خلال الأشهر التالية، ونحلم بتفاصيل الصيف المقبل. كان بيتنا أجمل البيوت، مبنياً بالحجر الأبيض والآجر، له شرفات تطل على البحر، ويمتد وراءه بستان من الفاكهة، بمساحة واسعة، حين ندخل بين أشجاره، نضيع بين الخوخ والمشمش والتفاح. وحده البستاني الذي لم يتبدل طوال السنوات. كانت له زوجة طيبة لم تنجب أبناء. كنا نحبها وتحبنا. تساعد أمي أحياناً، ويتطوّع هو بمساعدتها عند الضرورة. كانت شمس أغسطس اللاهبة آنذاك تهب فوق أشجار التين والعنب فيحلو طعمها، وتتقافز صغار الحمام والدجاج بيننا فنراها الأجمل والأحلى. أما البستاني وزوجته بعد استراحة ما، يتنقلان بين تلك المساحات. يسبقها أكثر الأحيان غير عابئ بالحر. يقلم غصناً أو يقطف ثمراً. تلحق به. تقلّده، وحين يأويان الى غرفتهما الوحيدة في الزاوية الجانبية تكون الشمس قد شارفت على المغيب. مرّ ذلك الصيف بسرعة، فعلى مقربة منا سكنت إحدى الأسر الغريبة المتعددة الأفراد، أعمار صغارها كأعمارنا أنا واخوتي. كنت صغيرة اخوتي وكانت سلوى الصغيرة بين أفراد أسرتها. لا أذكر كيف التقينا. أذكر كيف لعبنا، وكيف أمضينا الصيف، وأكثر ما أذكره كان انتظارنا صباح الأحد حيث سنرتدي أفضل ما عندنا، الثوب، الحذاء ونذهب برفقة أحد أفراد الأسرة الى الكنيسة، وحين استرجع السنوات أحسب سنوات عمري آنذاك، أخفق أو أضع الاحتمالات، ربما كنت في السابعة أو الثامنة، أما كيف أتذكر هذا؟ فقد تعودت أمي أن تصحب معها لكل منا كتباً نقرأ فيها في ساعات الفراغ. كانت كتبي في ذلك الصيف تخص الصف الثاني، أما كيف أجزم ذلك، فما أذكره أن أم سلوى ابتهجت حين رأت الكتب، وأثنت على اهتمام أمي، وأشارت بلباقة أن نتشارك في القراءة أو نتقاسم الكتب، ونتبادلها. رحّبت أمي بالفكرة. كان لسلوى أخ لا أدري عمره، هذا الأخ الذي لم نره إلا قليلاً، تكرّم في الأسابيع الأخيرة، وفرض وجوده علينا بحجة تقديم المزيد من الألعاب التي سنحبها حتماً، اعتقدت يومذاك انه رجل كبير في العمر، ربما لضخامته، وربما لقساوة التقاطيع في وجهه، وربما أيضاً لبشرته التي ملأتها البثور ثقوباً، كان بشعاً، كريه الهيئة، غير أنني تغاضيت عن كل فكرة هاجمتني، كانت سلوى بالنسبة لي أفضل صديقات الصيف لهذا العام. تلك الذكرى الضبابية التي هاجمتني منذ أيام والتي لا أذكر منها إلا القليل، أذكرها وكأنها فكرة أو قصة، أو حدث مرّ أمام عيني، أذكرها وكأنها حدثت مع غيري، مع طفلة أخرى، طفلة لها مواصفاتي، أو تشبهني، تسمع صوتاً يناديها، تفرح، تركض، الحياة في القرية جميلة، لها مواصفات العفوية، والانطلاق، مواصفات الحب والأمل، ومنذ اللحظة التي سمعت صوته بها ركضت، توقعت رؤية سلوى، فهي بصحبة أخيها حتماً. أصبت بخيبة وأنا أرى الأخ بمفرده، وحين لم أجدها سألته بحياء: ـ أين هي؟ حدّجني بنظرة لوم أخجلتني: ـ تعالي، ستلحق بنا بعد قليل. لم أكن خائفة، كنت خجلة، توقفت قليلاً، غير انه اقترب مني، لامس شعري، أخذني من يدي، وعبرنا معاً لنصبح في الجانب الآخر من البستان، وكنا بعيدين عن الجميع. أذكر هذا جيداً، أما ما حدث بعد ذلك، فقد أتى سريعاً، أو على غفلة، كان قد قطف بعض الفاكهة، قدمها لي، حبة اثر اخرى، غير انه تحوّل فجأة الى بستان آخر، فهذا ما أذكره، حين أصبحت بستانه، ذلك البستان الذي قطف منه كما كان يقول، فهو سيقطف الخوخ من وجنتي، والتين من ذراعي، والعنب من عنقي، لأتحوّل خلال الدقائق التي لا أدري أبعادها، إلى خليط من الفاكهة. أما ماذا حدث بعدها؟ فأعتقد الآن وأنا أحاول جمع التفاصيل، هناك عند الصخرة المنعزلة، كنت ذلك اليوم بين ذراعي رجل، كنت اللعبة التي لم أدر أبعاد تفاصيلها يومذاك. أذكر أن شيئاً يشبه الألم قد توضع في منطقة ما وأذكر أن خوفاً ما ألمّ بالرجل، وبين خوفي ودهشتي، نهرني فجأة وابتعد. لماذا استفاقت تلك الذكرى؟ وتجسّد الألم في جسدي وجلدي وأعماق نفسي؟ هل لأنني وعيت معنى الجسد؟ ومعنى الالتحام ما بين رجل وامرأة؟ هل لأنني على موعد قريب مع سامي؟ مع رحلة جديدة وحقيقة لقطف ثمرة يجب أن تكون للمرة الأولى؟ كان الذعر يدب إليّ من تلك الذكرى، فأضم ساقي خوفاً ماذا حدث يومذاك؟ يأتيني الجواب بسؤال آخر، ترى! ما الذي حدث؟ كيف وإلى أين؟ وأنقل نظراتي بين وجوه الفتيات، النساء، الأمهات، الجدّات، استعرض وجوه من أعرفهن ومن لا أعرفهن، وأتساءل هل من حادثة مشابهة؟ ربما أو مستحيل أو ممكن، وأنتفض فجأة، أبحث بشراسة عن كتاب، عن كتب، عن عناوين، ما هو الجسد؟ كيف يكون؟ أو يتكوّن؟ ما معنى كلمة امرأة؟ ما معنى كلمة رجل؟ من أعطى الرجال تلك القوة؟ ولماذا تضعف النساء؟ لماذا تحمل النساء وزر الخطأ والخطيئة؟ وكلما أمعنت في الأسئلة تموت كل الكلمات، ويبقى السؤال، سؤالي أنا، ذلك اليوم، عند الصخرة وكان البستان يعمر بأنواع الفاكهة، والشمس تأفل باطمئنان حين استسلمت لتلك اللعبة، بخوف أو من دون خوف، برغبة أو من دون رغبة، ماذا حصل يومذاك؟ ما معنى كل ما كان؟ أذكر أنني خفت، ثم ضحكت، ثم خفت، وأذكر أنني ربما تألمت، وربما، لكن يبقى السؤال هل تحوّلت الطفلة البريئة الى امرأة؟ كنت قد نسيت تلك الحادثة، أو أن لتلك الذكرى شعوراً يطالب بالنسيان، شعوراً يشبه اللحظة العابرة التي يجب ألا تترك أثراً، وأن ترحل كما يرحل كل شيء في الحياة. كان عليّ أن أنسى تلك اللعبة، أو أن عقلي الباطن أمرني بالتجاهل والنسيان. من أجل ذلك حين كبر نهداي كان الوضع مختلفاً. كان الفارق واضحاً، فمن المستحيل ان أكون أنثى قبل الآن، أو أتحوّل الى امرأة قبل الآن، أو ذلك الممر الذي يجب ان يبقى موصداً قد ولد بل الآن، فباستطاعتي الآن الحفاظ على كنوزي، وباستطاعتي في ليلة ما نثر عطري على فراش اختاره بملء ارادتي. أخبئ ثروتي لرجل أحبه. أعطيه مفتاح أسراري. باب عالمي. ثماري، فأنا وما أملك لمن أحب، لمن أريد، لرجل يريدني وأنا أريده قبل الولادة، قبل التكوين. سألني سامي في فترة تعارفنا قائلاً: ـ هل في حياتك تجربة ما؟ أجبت بصدق: لا. ـ أقصد. أليس بحياتك أحد ما؟ ـ لا أبداً. انفرجت أساريره كطفل تحققت رغباته. كنت معتدة بنفسي. واثقة، فلابد ان أقدم لمن اختار كما فعلت أمي وجدتي وقريناتي هدية الزواج التي ستملأ عالم شريكي غبطة وافتخاراً. التقينا أنا وسامي مطوّلاً، فبحكم الزمالة الجامعية ازدادت الصلة بيننا وتعمّقت أكثر. كنا على مقعد واحد. يلتصق كتفانا في لحظات استفهام عن فكرة أو سؤال. نتحدث بطلاقة. نثرثر، وفي كل لقاء كنت أتشوّق إليه، للاقتراب منه، فاحتل العالم وراء كل لفتة. كان يكفيني أن ينظر الى عيني لاحلّق عاليا واشعر بالخصوصية، وانسى كل شيء، كل الآخرين، من أنا؟ من هم؟ تلك اللحظات ولدت لنا من دون البشر، وأخذتني نحو عالم لم تطأه قدم بعد، لم يعرفه انسان، فأتميز عبر الحرف، والحركة، أصبح أجمل، أمتلك احلى الصفات، لأنه قال، لأنه أراد، ولأنه أصرّ، فازددت نضارة، وازددت ألقا، وكنت أطير في كل لحظة اليه، استبق الزمن، أو استعيد الزمن. لتنهمر الكلمات. تدغدغ فيّ كل خلية فأرى نفسي معه. أعانقه ويعانقني، أحبه أو يحبني، وأعلن اشتياقي المتجدد، ويعلن اشتياقه، وأسبح في سماء لا حدود لأبعادها، وأصبح أجمل النساء وأحلاهن وأكثرهن رغبة في الحياة. ولم يكن غريبا ان يطلب يدي للزواج، ولم يكن غريبا ان تغمر السعادة أيامي، فأنا والسعادة في تدفق، في استمرار، منذ اللقاء الأول، منذ اللحظة الأولى. حين لمحت في عينيه الاصرار وكأنني حلمه المنتظر، وربما قد لمح في عيني استجابة لنداء انتظرته طويلا. كنا معا مدركين انه أكثر من الحب. شيء أكبر وأقوى. شيء يدفعنا لنلتقي بعفوية الشباب واتقاد المشاعر. كنا آنذاك في السنة الأولى نتدفق أملا ورغبة في الحياة. وكانت الامور تجري ببساطة. لقاءاتنا.. أحاديثنا.. أحلامنا.. أدق تفاصيل أمورنا. حدّثني في لحظات الهدوء عن حبه لجارته الحسناء التي تجاهلته طويلا، وكان الحنين يهجم الى عينيه لحظة النطق باسمها. لم تكن جميلة كما قال، أو شديدة الانوثة، وحين تتحدث يهرب من وجهها آخر ما تبقى من جمال، ومع هذا كان مصرا على حبه العظيم. كان رائعا بحبه ذاك، فيصف أدق التفاصيل، الشرفة. الستائر، خروجها الى الفسحة، حركتها، مراقبته لها لتزداد حبا، ويستجيب الى تلك الدعوة الخفية معلنا حبه الذي أضحى مبتورا لأن الحبيبة استمرأت التجاهل، وبقيت في برجها العاجي تراقب السفن التي تحط قرب شاطئها الجميل. كيف احببت سامي؟ كيف أحبني هو؟ كيف تجاببنا؟ كيف وكيف؟ وكأننا ولدنا لنكون معا، لنبقى، لنحيا ونستمر. رميت حقيبتي جانبا وأنا استرق نظرة من عيني أمي. لم أفاجأ بأنها تراقبني. تأففت. أتاني صوتها لائما وحنونا معا قائلة: ـ ما بك يا بنتي؟ تأففت أكثر، قلت: ـ لا شيء. أشاحت بوجهها عني وهي تتمتم: ـ لم أر فتاة تكتئب وهي ستصبح عروسا بعد أيام؟ صرخت: ـ اصمتي يا أمي، لا أريد هذا، لا أريد ان أصبح عروسا أبدا. صمتت، ابتعدت متأففة. دخلت غرفتي منهكة. كان كل شيء ضيق علي. المكان والأثاث. السرير والمرايا، المقعد الجانبي. النافذة. الباب. ثيابي. حذائي. استعدت حديث زميلتي في العمل، وكانت تصر على انني متوترة. لعنتها اكثر من مرة. هاجمتها زميلتنا مشيرة الى توتر يسبق الزواج، فلعنتها هي الاخرى. تذكرت زميلتي في الثانوية. حاولت استرجاع آخر أيامها في المدرسة. لم أصل الى ما أبحث عنه. وصلت الى ما هو أهم. كانت سونيا طبيعية في تصرفاتها. لم تكن متوترة أبدا. لم تكن حزينة أو بائسة. سمعت طرقا على الباب، وصوت أمي يناديني. لقد حضر سامي تصنعت النوم. عاد صوت أمي ثانية انها نائمة. سمعت خطوات سامي يبتعد ثم صوت الباب يغلق. تظاهرت بالمرض عدة أيام. تكفّل اخي بتقديم اجازة لي في العمل، وخلال ذلك لم يبق كتاب له علاقة بالطب الا وبحثت فيه عما يخص المرأة. انوثتها. عذريتها، وأقف مطولا أمام تركيبها الفيزيولوجي، كيف تتكون؟ أين تكمن أنوثتها؟ امتلأت غرفتي بالكتب الطبية والجنسية، المجلات المختصة، أغرق في البحث والقراءة. أول مرة اشعر بالتعاطف مع بنات جنسي. أهجس بتلك العلاقة ما بين الذكر والانثى. كيف تحدث؟ أبحث أكثر. أرى وجوها لفتيات كئيبات. فتيات لا يدركن لمَ وكيف؟ وماذا حصل معهن؟ فغشاء البكارة متعدد الأشكال، والشاب يبحث عن شكل يوقّع عذريته بالدم، وربما بالنزف. لا أدري لماذا تعاطفت مع الانثى أكثر، وتذكرت بعض الشباب من بلدي، وهم يسوقون عند عودتهم من غربة العلم زوجات غريبات. ترى هل يبحث أحدهم عن صك يثبت به رجولته؟ هل وهل؟ وكيف يقبل هناك ويحاسب هنا؟ لست أدين أحدا لكني في وسط له قيمه وعاداته، والتي تتشبه بها بعض الاسر العريقة في بلاد الغرب، فتحفظ الفتاة وتحميها. بل هي التي تحفظ نفسها. لأنها لن تكون الا لرجلها الذي ستختار. كنت حزينة على نفسي. على مشكلة لا يد لي فيها، فأنا المسئولة عن مشاعري. عن عواطفي. عن لحظة صدق أمنحها الحبيب. عن دفقات أحفظها هدية لاختياري. دون رقيب أو حسيب. استدعيت ذلك المساء جميع الاساقفة والكهان. استدعيتهم دون مناسبة لأدين فيهم الصغير والكبير، فهم الذين يحرّمون أو يحللون. هم الذين يقضون المضاجع. كان يكفيني ان ألتقي بسامي، يزوجني نفسه. أزوجه نفسي، سيقبل بي كما أنا. سأقبل به كما هو. لأننا اخترنا، ورغبنا، وأردنا. كثرت تساؤلاتي. لم أكن قد توصلت الى نتيجة. فكرت بزيارة طبيب. بل طبيبة. باسم مستعار. أعرض مشكلتي. لكني تراجعت خفت ان أوصم أو أتهم. بل خفت أكثر، فبعض الفتيات اللواتي يعاشرن رجالا بملء ارادتهن قبل الزواج. يلجأن الى الحيلة والوهم، والى طبيب مختص يعيد لهن الغشاء عن طريق عمل جراحي بسيط. وقد أصبح في ليلة وضحاها متهمة. لم يكن أمامي سوى مواجهة سامي بحقيقة مخاوفي. كان هذا قراري الأخير. هذه انا التي أحبها والتي أحبته. هذا ما عندي. انتظرت مجيئه ذلك المساء. كنت نشيطة. كان متلهفا لرؤيتي. وجدني مبتهجة لرؤيته، واتفقنا على لقاء مطول خارج البيت. كنت قد صممت على الاعتراف. سأحادثه عن مخاوفي. عن طفولتي. عن ظنوني. عن سلوى وأخيها. تلك القصة التي نسيتها منذ زمن بعيد. سأرمي أمامي بكل ما عندي. لن أدعه يتكلم. سيستمع حتى النهاية. لن أخاف من حادثة لا يد لي فيها. لن أرتعب. هذه أنا وهذا ما عندي. سيصدقني. يجب ان يصدقني، ولسوف أستشف وقع الخبر، وانتظر كلماته التي لا أدري فحواها. لكنه سيقول شيئا. يجب ان يقول سيربت على كتفي. يمسح شعري. يلامس وجنتي. كما يفعل في كل محنة. بل سيكثر من ملاطفته لي، ولم لا؟ عذبتني الذكرى ما يكفي. أقلقتني قضت مضجعي. ذكرى لايد لي فيها. لم أرغب بها. لم أشعر ذلك اليوم بقضية. لم أشعر بعار. شعرت بخوف. أما لماذا وكيف؟ فهذا ما لا أدريه، وربما بطبيعة الانثى. الخوف من الرجل. من المجهول، وربما لأن وجه اخرى سلوى لم يظهر ثانية. غاب عن الانظار، لتغيب ذكراه مع الأيام وتندثر فعلته كأنها لم تكن، ولم تحدث أبدا. هبطت الصاعقة على جلستنا، وكأنها شطرت المكان الى نصفين. أنا في مكان وسامي في مكان. كانت مقلتاه ترقصان بحركة لولبية ولا تهدأ، كفّاه تتناوبان الموقع. أسفل وأعلى، وكتفاه تروحان هنا وهنا. أما شفتاه فقد تحجّرت فوقهما علامة استفهام لا حدود لأبعادها، وكنت أحمل بين جوانحي فكرة واحدة. ما الذي سيحدث ولم أكن أتوقعه؟ فيحدث ما يحدث. هل سيخرج كل منا في طريق؟ هل ستمر جلستنا بسلام؟ هل وهل؟ ومع انني لم أجد جوابا لأسئلتي، غير انني ومن خلال الصدق الذي أحمله في أعماقي كنت متفائلة بعمق، فأنا التي أحبها سامي، والتي أظهر أكثر من مرة اعجابه بها، وايمانه القوي بمسلكها. سيفهم ويعرف ويقدر، غير انني وأنا أسرد قصتي مع الطفولة، دخلت في مرحلة اللامبالاة، وتركت كل شيء للآتي وصمت. لم يقل سامي شيئا. لم يتلفظ بحرف. كان مباغتا مصعوقا. راقبت كل خلجة في وجهه، وانتظرت ان يتفوه بكلمة. ان يتحرك. ان يتصرف. أن.. أن.. كان التوتر واضحا فوق ملامحه، وكنت جامدة كالصخر. مهمتي كشف ما يعتمل في أعماقه وبين افكاره، ربما قد راعه موقفي اللامبالي أمام سرد الحادثة، أو بحث عن انفعال ما وأنا أفصّل الحديث، أو تمنّى ان أبكي أو أتوسّل، وأرجوه ان يصدق. لأنني نظيفة نقية، ولأنني أحبه، ولا أرغب بأحد سواه، غير ان الصمت الذي حل علينا جعل متابعة الجلسة أمرا تافها. نهضت. نهض. لم يسألني شيئا.. سرنا معا صامتين. اتجهنا نحو بيتنا. توقف، وقبل ان أدخل. رميت نظرة اليه. كان ساهما. فتحت الباب عدت للنظر اليه. طالعتني كتفاه وخطواته. كان يسير بلا اتجاه. أغلقت الباب ولا أدري لماذا كنت هادئة. منذ ان خطوت في أرض الدار سمعت زغردة طويلة تطلقها احدى جاراتنا. كانت تتصدر المكان وبيدها بطاقة بيضاء مزخرفة باطار ذهبي، كانت أمي تبتسم بينما تحمل اختي كأسا من شراب الليمون تقدمه للضيفة العزيزة، لاحظت علبا فوق المنضدة، كانت بطاقات العرس التي أرسلها سامي منذ الصباح، في تلك اللحظة بالذات انقبضت، أمسكت احداها، قرأت التفاصيل، أسماء عائلتينا، موعد الزفاف، الكنيسة، وكلمات منمقة بالذهب اللماع (ما جمعه الله لا يفرقه انسان). أيام قليلة ويأتي الموعد الذي ربما لا يأتي، لم أشعر بالأسى، فأنا في راحة تامة، وما كان على كاهلي من ضغط قد أزيح عبر موقف لا يتعدى الدقائق، غير ان البهجة ذهبت عني، أصبحت انسانة لا مبالية، مستسلمة للقدر بكل ما يحمل هذا الآتي، بكل مفاجآته، وما في جعبته، انها المرة الأولى التي أرضى بقرار لا مشاركة لي فيه، قرار يأتي من سامي، هو الذي يقبلني أو يرفضني، الفرصة له، القرار له، ولم لا؟ انه الرجل الذي كان في البداية، يوم حدّد لي خطا في ذلك البستان العامر بالفاكهة، وهو الآن سيحدد لي خطا آخر، شعرت بالخوف من فكرة المقارنة، سامي رجلي المختلف، المميز، الذي أرمي أمامه همومي ومخاوفي واحلامي. نهضت من الفراش بعد أرق الليل، ونصب عيني بطاقات الفرح. أمعنت النظر في شكلها. كلماتها. عشرة أيام ويحلّ موعد الزفاف. كل شيء محفور في عقلي وذهني. يرن الهاتف. أجفل. يقرع الباب. تعبر سيارة، أو.... أو، وأنا ورقة خريفية تتهاوى ببطء. لا تعرف أبعاد اللحظة القادمة، وموطيء السقوط، والوجع المقبل، والألم. كان الليل طويلا. قاسيا. حمل لي الماضي والذكرى. واجهني مع الحاضر. مع الآتي، وكنت أبحث بين طيات الاحلام والصور الجميلة، التي مرت بسلام، فيغيب القلق، وتتفتح براعم الحب. تملأ قلبي ونفسي، وأتذكر انني مقبلة على عمل جديد سيملأ أيامي بالأمل. بيتنا الصغير الذي شاء سامي ان اختار له الموقع والأثاث، وأزرع فيه الزهور والنبتات، وأقسم ان باستطاعته رؤية أطفالنا وهم يملأون البيت صراخا أو بهجة، وأننا سنعيش الحب في جميع مراحل الحياة. تأملت قصاصة الورق أكثر من مرة (فنؤجل كل شيء.. امنحيني الوقت.. إني قلق.. ربما). اكتشف فجأة وبعد علاقة سنوات مع سامي، انه ليس الرجل المناسب لي، أو هكذا تهيأ لي بعد ليلي الطويل. لم أستطع ان أبرر له، فقد تربع مكاني، وأصبح المتضرر والمغرر به، ويترتب علي منحه الوقت والتفكير، فربما.. أما انا ومع ايماني بدور البيئة والمجتمع، وتخصصي في علم الاجتماع، فلم استطع التوصل الى ثغرة واحدة، أستطيع من خلالها ممارسة طقوس الغفران، أو البحث عن العوامل المحيطة بالنفس البشرية، ليصبح سامي الضحية، أو أكون احدى مسببات شرخه الذي لا أعرف متى سيندمل. تسللت أشعة شمس من خلال ستائر الغرفة. سقطت على احدى بطاقات الفرح. لمعت خيوطها الذهبية. كنت أسير باتجاهها، أفكر بلحظات الصدق التي عشتها، وأنا انقل لسامي ما عذبني وأقلقني تلك الأيام القليلة. تناولت البطاقة. ألقيت نظرة أخيرة، ببساطة، رحت أمزق كل كلمة وحرف. خلال ذلك رن الهاتف. قرع الباب. عبرت أكثر من سيارة. شعرت بأنني أقوى من أي يوم مضى. كان لي حياتي التي سأعيشها، والتي لي الحق الأول والأخير في رسم خطوطها المقبلة. أنا التي تقرر. تستمر أو ترفض. قبل ان أخرج من الغرفة عدت لقصاصة الورق. شعرت وأنا ألقي نظرتي الأخيرة. انني مقبلة على حياة ستكون الأجمل والأنقى. ابتسمت لشعوري الذي لا أدري من أين أتى، والذي ظهر فجأة، كانت أمي تناديني، وصوت حبات المسبحة بين أصابع أبي. كان الوقت صباحا. استطعت ان أرى القمر المكتمل، والضوء يلتمع فوق الوجوه. كنت أحب وجه القمر. أسرعت الخطا أبحث عن الحب والمفاجآت. ـ قاصة من سوريا