رغم أن شكري عبد الشكور تعلم في القاهرة وقضى فيها سنوات طويلة من عمره إلا أنه كان يهاب زيارة العاصمة، ويفضل أن يظل في مدينته الصغيرة بعيدا عن الزحام لقد كان يتوق لحماية نفسه بمجتمع يعرفه، ومن الممكن أن يدافع عنه في القاهرة وعندما كان طالبا بالجامعة كان يستقبل في بيته أصدقاءه وزملاءه. وذات مرة استيقظ ليجد الشرطة في البيت، ويوجهون إليه إتهاما بأن يدير بيته للعب القمار ولم ينفعه أن يقسم أنه لا يعرف الفرق بين أوراق اللعب وبين كروت الزيارة، فأي إنسان يستطيع أن يقسم أنه لا يعرف القمار ولكن ليس كل إنسان يستطيع الإدعاء أن يعرفه ولم يتعرض شكري عبد الشكور أبدا لتهمة عدم معرفة القمار. وأحاطته التهمة حتى بدا أنه لافكاك منها، وأن مصيره السجن والعياذ بالله ولكن شكري عبد الشكور نجا من السجن بمعجزة تكتب بماء الذهب وتعلق على أسوار المدينة، فلقد استطاع محام من أقاربه أن يشكك في الأجواء وهكذا برأت المحكمة شكرى عبد الشكور. وكانت براءة كالحبس، لأن الناس ظنوا أنه نجا من الحبس بسبب خلل في الإجراءات ولولاه لكان حبس السجن. لذلك فضل شكري عبد الشكور الوظيفة الصغيرة في المدينة الصغيرة، وحما نفسه بنفاق الجميع بدءا من رئيسه في العمل إنتهاء إلى المحافظ، مرورا بجميع السادة المسئولين حتى أصبح اسمه منطبقا تماما على أحواله وادعى البعض أنه اسمه شكري عبد الشكور شاكر، ولكن هذا كان محض إفتراء. وعاش شكرى عبد الشكور حياة هادئة لم يكن يعكرها إلا أشياء عابرة مثل تجهم رئيسه أو حسد زميله، أو رحلة لابد منها إلى العاصمة. وصلي شكري عبد الشكور ليحفظه الله من شرور السفر، ويعيده إلى بيته سالما آمنا. وفعلا مضت الرحلة هادئة، وانهى بعض أعماله في الوزارة بسرعة قياسية، ولام نفسه على تشاؤمه فالأمور تسير على أفضل ما يرام والحمد لله. وشكري عبد الشكور لا يعرف الفنادق وليس من تقاليد أسرته الإقامة فيها ولذلك ذهب إلى بيت خاله على مضض واستقبله خاله بغير إرتياح ولكن بدون احتجاج فهو أيضا لا يعرف نظام الفنادق وبيوت الأهل فنادق. وجلس شكرى عبد الشكور بين أسرة خاله يشاهد الدش الذي لم يعرفه أو لم يألفه من قبل، وهنا حدثت الحادثة كان خاله وأسرته يثرثرون فلم ينتبهوا إلى ظهور صورة شكري عبد الشكور على شاشة التلفزيون وقال المذيع أنه قد يكون اسمه شكرى عبد الشكور فهو يستخدم ستة أسماء على الأقل، وأنه مطلوب لإتهامه في تفجيرات أمريكا. كاد قلبه أن يقف، وجال ببصره في اسرة خاله ولحسن الحظ لم يجد أحدا انتبه إلى أن قريبهم الآتي من المدينة الصغيرة هو مجرم هارب من العدالة، وإن أمريكا بجلالة قدرها تبحث عنه وتنشر صورته في جميع تلفزيونات العالم. واسرع شكري عبد الشكور إلى الغرفة التي سينام فيها، وكانت غرفة لابن خاله أخلاها له. وقبل أن يطفئ النور رأى كتاب خرائط، فأسرع إليه في لهفة،وأخذ يبحث عن أفغانستان أنه لا يعرف شيئا عن أفغانستان غير أنه كانت بها حروب طويلة بين أهلها والروس. ويعرف أن جمال الدين الأفغاني منها كما يدل على ذلك اسمه وأن كان قد سمع ذات مرة من زميل له مثقف أن جمال الدين الأفغاني من إيران. ووضع أصبعه على أفغانستان : هذه هي الدولة التي تدرب فيها على أعمال الإرهاب وفتش في ذاكرته عن أعمال الإرهاب، وبدأ يحددها أولا: إستخدام البندقية، وهو لم يلمس واحدة في حياته، ثانيا: القنابل وهو لم يرها إلا في الأفلام ومع ذلك خجل شكري عبد الشكور من نفسه لأنه إرهابي تطارده دول العالم، ولا يعرف خاله الطيب أن ابن اخته من أخطر رجال الدنيا. واستيقظ شكري عبد الشكور في اليوم التالي ونزل إلى الشارع وهو مندهش أن أحدا لم يدرك أنه الإرهابي الشهير وأن صورته كانت تتصدر صور الإرهابيين وبينه وبين صورة أسامه بن لادن عدة سنتيمترات وقلتها تدل على مكانته في عالم الإرهاب. ولم يكن من الممكن أن يذهب شكري إلى الوزارة لينهي أعماله، فهو الآن معرض للقبض عليه من رجال الشرطة أو المخابرات أو من المواطنين الذين يعرفون أن ثمن القبض عليه عدة ملايين من الدولارات وحاول شكري أن يركز ذاكرته ليعرف ثمنه بالضبط، واحتار بين ستة ملايين وأربعة ملايين. وافترض أنها الأقل، ففكر أنها تحل مشاكله ومشاكل أسرته وجيرانه وخطر بباله أن يسلم نفسه ويأخذ المال ولكن الجبن يخيف الإنسان حتى من الأفكار الجميلة. وقصد شكرى محطة القطار يدعو الله إلا يتعرف عليه أحد المارة ولم يكن أنهى العمل الذي أتى من أجله ولكن من ذا الذي سيطلب منه إنهاء هذا العمل وهو الإرهابي الشهير. ووقف شكري عبد الشكور أمام شباك التذاكر وطلب تذكرة إلى إتياي البارود، وغضب الموظف وقال له أنه لا قطار الآن إلى إتياي البارود فطلب تذكرة إلى أسوان ونظر إليه الموظف كأنه مجنون فإيتاي البارود على بعد ساعة ونصف أما أسوان فعلى بعد سبع أو ثماني ساعات في الإتجاه الآخر ولكن الموظف حماية لحالته النفسية وانتقاما من المواطن المشاكس أعطاه تذكرة إلى أسوان. وفتش شكري في رأسه عن شخص يعرفه في أسوان فلم يجد وتساءل لماذا يسافر؟ فأجاب على نفسه بأنه يهرب من المطاردة ولكن لماذا يطاردونه؟ هذا شأنهم فإما أن صورته شبيهة بصورة شكري عبد الشكور الآخر،وأما أن أحد وشى به إلى الولايات المتحدة وإما أنه فعلا إرهابي كبير وهو لا يعرف وتذكر القسوة التي عامل بها كلب الجيران في العام الماضي عندما أزعجه بنباحه، لقد هوى عليه بالعصا فعوى. إنه إرهابي وهو لا يعرف، ولكن أمريكا تعرف. وسار القطار وشكري يخفي وجهه في النافذه، وكلما طوى خطوة أحس أنه يهرب من أمريكا. وكاد شكري أن ينام إرهاقا عندما لاحظ عينين تتأملانه أصابه الذعر وتأمل صاحب العينين لابد أنه مخبر أو ضابط شرطة أو مخابرات أو ربما كان جيمس بوند أو رامبوا أرسلته أمريكا للقبض عليه، أو قتله. وابتسم الرجل وهو ينتقل إلى جواره. ألا تتذكرني؟ الست الاستاذ شكري عبد الشكور، الست الآن موظف في مجلس مدينة إتياي البارود؟ مال عليه شكري عبد الشكور وقال له: أنا الإرهابي الشهير الذي تبحث عنه أمريكا! وإنخرط في البكاء!