ترتسم في اذهاننا صورة بالغة الروعة عن سمك السلمون وهو يندفق كالسهام من الماء بعزم لا حدود له للوصول الى هدفه. وفي موسم التكاثر حيث يقفل السلمون عائدا الى موطنه حيث رأى الحياة لاول مرة دون ان يحول شيء بينه وبين المكان نفسه ليتزاوج قبل ان يواجه مصيره النهائي بالموت. وفي رحلته ضد تيارات الانهار قد يواجه السلمون شلالات يجتازها قفزا في الهواء لارتفاع 10 او 11 قدما في صورة رومانسية عن البطولة في الصراع ضد الطبيعة ومن اجلها وهي الصورة التي تستثمرها مزارع اسماك السلمون للترويج لمنتجاتها من هذا السمك والتي تعكسها لا محالة على علب منتجاتها. لكن الحقيقة هي ان الشيء الوحيد المشترك بين السلمون في الطبيعة ونظيره هو انهما يلتقيان معا في مياه مصاب الانهار حيث ان الاقفاص الضخمة التي يقيمها مزارعو السلمون توضع عند مصب النهر قريبا من البحر وهي المنطقة التي يعبرها السلمون الطليق عادة في رحلة العودة من البحر الى النهر، وفيما يخوض السلمون الطليق مغامرة العودة البطولية فان سلمون المزارع يمضي ايامه الاخيرة في اقفاصه الضخمة وهو يطفو في الماء وكأنه قطع الخشب المكدسة فوق بعضها. يقول كريستوفر جيرلك الذي وضع دراسة موسعة عن مزارع اسماك السلمون في النرويج ان جميع الاسماك التي رآها هناك هي اسماك تعاني من هبوط شديد في الطاقة والكثير منها مريضة او مصابة وبعضها ميت. وانواع الاغذية الوحيدة التي يتم التعامل معها بهذا الشكل هي الدواجن والخضار فقط لكن الخضار على اي حال لا تتسرب الى البيئة وتهدد بانقراض انواعها البرية. ان انظمة بيئية بأكملها في انهار النرويج واسكتلندا الآن وهما من اكبر منتجي السلمون في العالم مهددة بالابادة التامة نتيجة هذه الممارسات. كما ان مصائد الاصداف والرخويات مغلقة حاليا في كثير من انحاء هاتين الدولتين بسبب الطحالب السامة اضافة للامراض المعدية التي اصابتها نتيجة لممارسات زراعة الاسماك. واذا ما قدر لاحد ان يغوص في مياه مزارع السلمون فان اول ما سيفاجئه هو لون قاع البحر اذ ان بشارة البرتقال تطفو قليلا في المياه قبل ان ترسو في القاع، لكن التفحص المدقق لها فقط يكشف حقيقتها فهي ليست سوى مخلفات الاسماك التي يحركها تيار المياه، وذلك ليس سوى نتيجة لمحاولات مزارعي السلمون المستميتة لجعل منتجهم شبيها بنظيره الطبيعي من حيث لون اللحم الزهري ولهذا فلا مانع من وضع الملونات الصناعية في اعلافه والا فان لونه سيكون رماديا فاتحا ولا يرضي ذوق المعتادين على الطبيعي بل ان لون العلف يتوفر بتدرجات مختلفة حسب رغبة المزارع. اضف لذلك ان هذه الاعلاف تتكون عادة من مزيج من زيوت السمك والاسماك غير القابلة للأكل من البشر ولحوم اسماك السملون التي تموت قبل ان تبلغ سن التسويق، لكن هذه الحقيقة لاتجد لها مكانا في وسائل الاعلام لان العامة ومنذ تفشي حالات السلمونيلا وجنون البقر يخشون اكل لحوم الاحياء التي تتغذى على بقايا جنسها نفسه. يقول جيريك الذي غاص في مياه مزارع السلمون في النرويج ان الكثير من تلك الاسماك مشوهة نتيجة للطفرات التي تصيبها بفعل الادوية والمواد الكيماوية التي تعطى لها اثناء التربية ومن بين هذه التشوهات الزعانف القزمة والفكوك المقلوبة والبطون المكورة والظهور المقوسة والعمى. اما الاكثر شيوعا في حالتها في الطفيليات والامراض التي تصيبها في المزارع وهو الامر الذي لا يتوقعه احد من العامة تقريبا لان الأسماك تتمتع بشعبية لخلوها من الامراض والطفيليات التي تشيع عادة بين الحيوانات الغذائية الاخرى. وفي المزارع تتعرض اسماك السلمون لهجمات البراغيث والقمل وغيرها من الطفيليات التي تنخر الجلد وتصل الى اللحم لتتحول السمكة المصابة بعد موتها الى نقطة انطلاق لهجوم طفيلي جديد على الاسماك الاخرى وخصوصا الاسماك الطبيعية التي تكون منهكة القوى وهي في طريق عودتها الى الانهار او الاسماك الصغيرة التي تمر قرب المزارع وهي في طريق رحلتها الاولى نحو البحر. ويقدر معهد الابحاث البحرية النرويجي ان 86% من صغار اسماك السلمون تموت نتيجة الطفيليات. وبالتالي لو ان كل مزرعة سلمون احتوت على سمكة مصابة واحدة وهربت هذه السمكة من الاقفاص فانها ستؤدي الى تضاعف حجم الخسائر المرضية بين اسماك السلمون الطبيعية الى 200 ضعف عما كانت عليه قبل ان تبدأ زراعة الاسماك. لكن الخطير في الأمر هو ان التلوث البيئي قد لا يكون في نهاية المطاف لا الطفيليات ولا الامراض التي تحملها الاسماك وانما اسماك المزارع نفسها، ففي اسكتلندا التي تضاعف فيها عدد الاسماك الهاربة من المزارع الى الطبيعة من 95 الف سمكة سلمون عام 1998 الى 491 الف سمكة عام 2000 يقول الصيادون الآن انهم يمسكون باربع سمكات سلمون من اصل مدجن مقابل سمكة واحدة فقط ذات اصل طبيعي، وفي المياه النرويجية يقدر الخبراء ان 90 في المئة من اسماك السلمون الموجودة الآن هي من اصل مدجن وليست ذات منشأ طبيعي. والخطر لا يكمن في ان اسماك المزارع تنافس نظيرتها على موارد الغذاء، واماكن التفقيس فحسب، بل هي تحط من نوعية الاسماك الطبيعية عبر التزاوج معها، فأسماك المزارع ذات كفاءة عالية في النمو بحيث تستطيع تحويل كل كيلو من العلف الى كيلو من اللحم في اجسادها.