يحيط جو سحري خاص بقرية ادجونتاس الجبلية التي تعيش على زراعة البن في وادي «العملاق النائم» بين جبال دولة بورتوريكو. ومن قريته يشير يوبرت رودريجيز بيده الى جبل قريب قائلا: «ارض على قمة ذلك الجبل. هناك تعيش الارواح». ويقود رودريجيز معلم المدرسة البالغ 50 عاما من العمر سيارته بين تلك الغابات الاستوائية على جوانب منحدرات مخيفة نحو بقعة صغيرة من الارض تنبثق عيون الماء الصغيرة فيها من تحت صخور مسطحة. لقد اشترى هذه الارض حينما كان شابا ليعتني بها ويحميها وبدون ان يقطع شجرة واحدة حولها الى حديقة غناء كأنها قطعة من الفردوس. يقول: «ان الهنود الحمر يسمون الاراضي مثل هذه يوكويو، وهي الاماكن التي يشعر فيها المرء بقوة صنعة الله. ان الجبال مليئة بأمثالها. وحماية هذه الاراضي والحفاظ عليها متعة عبادية. يسري حب الارض والعادات عميقا في دماء ابناء ادجونتاس التي يقول اهلها ان عائلاتهم قد عاشت فيها «منذ الابد» كما تعتبر الاخلاق والاعراف الطيبة السائدة هي الحكم في الحياة اليومية لهم. ويمكن للمرء ان يتذوق هذه الحياة على جوانب الشوارع حيث تشوى الذبائح بأكملها على الفحم أو ان يراها بخيول باسوفينو الجميلة وهي تشارك في استعراضات البلدة خلال احتفالاتها بالاعياد او ان يحس بها وهو يجلس في الساحات الطبيعية الجميلة المسرح المفتوح او بجانب النوافير او في باحات المنازل او على المقاعد الحجرية في الدروب. هذا الحب للارض هو الذي دفع ابناء القرية لمقاومة مشاريع التعدين في الثمانينيات والتسعينيات ومنعها من تعرية التربة. فالجبال المحيطة بادجونتاس غنية بخامات الذهب والفضة والنحاس والتوتياء وقد حددت الحكومة البورتوريكية مساحة من الارض تبلغ 55 ميلا مربعا تقريبا للتعدين. لكن شركات العقدين الدولية كانت تسعى جاهدة لتوسيع نطاق الاراضي التي يسمح لها بالعمل فيها. يقول اليكس ماسول احد الوجوه المعروفة في القرية: «كان لمثل هذه المشاريع ان تكون كارثة بيئية. لقد فهم الناس هذه الحقيقة ولذلك قاتلوا لمنع البدء بها وحماية اراضيهم على الرغم من الوعود البراقة بالمال وفرص العمل». وقد اسس اليكس ماسول جمعية كازابويلو التي تطورت من تحالف مناهض للتعدين الى منظمة اجتماعية ناشطة في الشئون البيئية والاجتماعية والثقافية والتربوية. يقول ماسول «كنا نسعى بداية الامر لايجاد التمويل لمشاريعنا الخاصة بنا في القرية لنكون مكتفين ذاتيا. حينها اشار الينا رجل عجوز باتجاه تلة قريبة بين الجبال وقال هناك يوجد الحل!». لقد كان يعني بالحل زراعة البن الذي تشتهر به ادجونتاس الآن. وبدأت جمعية كازابويلو بتسويق قهوة كافيه ماديرا ايلا الغامقة القوية في كل انحاء بورتوريكو. والارباح التي حققتها مكنتها من خوض حروب شرسة لاقناع الحكومة بتحويل منطقة التعدين الى حديقة عامة وطنية تحت اسم «غابة الشعب» وكسبت هذه الحرب نهاية الامر. وتتضمن الحديقة التي افتتحت عام 1911 دروبا صممها الطلاب من ابناء القرية وبرنامج اعادة تشجير يسمح للشباب والكهول من زراعة الاشجار في الاراضي التي تعرضت لأعمال تعدين. تقول تينتي ديبا زوجة ماسول وشريكته المؤسسة للجمعية: «كان تعلم ادارة الغابة بمثابة تقمص جديد لارواحنا. لقد تحولنا الى عالم اخر اصبحنا فيه كالاطفال الذين نفعل الاشياء للمرة الاولى باستثناء وحيد هو اننا جدات واجداد. والجدات تجدهن في كل مكان في ادجونتاس والكل يناديهن بلقب الاحترام والتقدير «دونا». وتعود جذور التقاليد في أدجونتاس قرونا عديدة الى الوراء حيث الجبال في جزر الاجداد مثل مالوركا وتينيريف وكورسيكا. ويمضي الناس اوقاتهم وهم يغنون اغانيهم التقليدية في المحلات والدروب والمقاهي مثل مقهى لوردو يبيز الذي يجتمع فيه الرجال لتبادل القصص والشرب. وحينما يظهر في المكان تاتوراموس مغني التروبادور يتبادل الناس خبر وصوله فورا ليمتلأ المكان بأناس يصفقون ويتمايلون ويدقون الارض بارجلهم على انغام الموسيقى. ويستمد صوت راموس اصوله من الفن الغنائي الاسباني القديم وهو الفلامنكو حيث يغني قصائد معدلة قليلا تعود الى 500 عام مضت. وقد تعلم راموس هذا الفن وهذه الاشعار من أبيه ويعلمها الآن لولده. ويغني راموس عن زراعة البن والترحاب بالضيوف وتجاهل نصائح الابوين والافراط والشرب وهي كلها افكار يرحب بها اصحاب المكان. يقول يبيز: «انه فن منسي. يعطيه الناس فكرة فيقوم هو فورا بتأليف الكلمات وفق اللحن الملائم في الجلسة نفسها ويبدأ بغنائها». هذا هو التروبادور الحقيقي الذي نشأ في اسبانيا ونقله المهاجرون الى امريكا اللاتينية حين غزوهم لها.