فجأة قفز مصير المهاجرين اللبنانيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى الواجهة، في اعقاب الاحتمالات المعقدة والمتشابكة التي بدأت تثار عقب التفجيرات الأخيرة في واشنطن ونيويورك. فتوجيه أمريكا لأصابع الاتهام ضد أحد اللبنانيين «زياد الجراح»، وربما غيره أيضاً، بالتورط في تلك العمليات، استحضر علامات استفهام حول ما اذا كان حسن الضيافة الأمريكية للبنانيين سيتغير، وهم الذين بدأوا الهجرة إليها، منذ اواخر القرن التاسع عشر، هرباً من الحروب والفتن والمجاعة في لبنان، حيث امتهنوا لدى وصولهم البيع المتجول في الشوارع وعلى المنازل «الكشة»، فكدّوا واجتهدوا وجمعوا الثروات، ولمعت بينهم اسماء عديدة، خاصة بين الذين حصلوا منهم على الجنسية الأمريكية «أي الامريكيون من أصل لبناني». ثمة اسماء أمريكية كثيرة من اصل لبناني لمعت في الولايات المتحدة على مختلف الأصعدة، خاصة التجارية والاقتصادية منها. نماذج مهاجرة وليام فرحة نموذج لأحد هؤلاء. فطوال حياته التي بدأها في مدينة ويتشيتا بولاية كنساس بائعاً للصحف، وصولاً إلى النجاح المالي والتجاري الذي حققه مع اشقائه في بناء المخازن الكبرى، وإدارتها، واستثمارها هناك، لم ينس يوماً اصله اللبناني ولم تغب عن باله، ولا عن جدران منزله ومكتبه صور بلدته القليعة بقضاء مرجعيون الحدودي في جنوب لبنان. ومثل باقي المهاجرين اللبنانيين إلى أمريكا، فان هجرة وليم إليها كانت نتيجة ظروف استثنائية في بلده، ووطنه الأم، اضطرته إلى حزم الأمتعة والرحيل. وشكلت القلاقل والفتن والحروب عاملاً أساسياً في صبغ تلك الظروف بصفة الاضطرار. فخلال الحرب العالمية الأولى، في الربع الأول من القرن الماضي، توفي والده في «القليعة» فاصطحبت الوالدة خمسة من أولادها وهاجرت إلى الولايات المتحدة لتلتحق بابنتها المتزوجة. والتي كانت قد هاجرت إليها قبل ذلك في العام 1911. وهناك تعلم وليم وباع مع شقيقه الصحف صباحاً ومساء وراسل معاهد للعلوم التجارية، إلى ان تمكن من إدارة «سوبر ماركت»، كانت قد اشترته الوالدة بالعمل والتعاون مع ابنائها. وفي العام 1963، انصرف وليم إلى اعماله الخاصة ووسّع من اطر اتصالاته بالجمعيات والمؤسسات، وساعد المحتاجين، ودعم الذين لم يحالفهم النجاح في أعمالهم. ثم ساهم في تأسيس جمعية داني توماس للأبحاث التي شُيدت عام 1972، وتخصّصت في مكافحة السرطان في ممفيس بولاية تنسي. وخدم لاحقاً، ولحوالي 15 سنة، في المجلس الوطني لإدارة الأعمال الصغيرة، حيث عيّنه فيها الرئيس الراحل ايزنهاور. وانضم، كعضو دائم إلى مجلس إدارة «مؤسسة كتراس للعميان». ولم يكن وليم فرحة، اللبناني الوحيد الذي حقق مثل تلك الخطوات. فقصص اللبنانيين في عالم الهجرة إلى الولايات المتحدة اشبه ما تكون بحكايات الافاعي، أي انها تكاد لا تنتهي. وتتشابه معها أيضاً بالتشويق والكفاح والعزم والارادة وصولاً إلى النجاح. المهاجرون الأوائل لكن رغم ذلك، فانه من الصعب تحديد تاريخ معين للمهاجرين الاوائل إلى هناك، لان سيرة أي مهاجر كانت تموت بموته، كما تنقل مرح حداد عن دراسة عنوانها: «البحث عن أصولكم اللبنانية»، ووضعتها ساندرا هاسر بينيت، المهاجرة إلى أمريكا والمتحدرة أساساً من اصل لبناني. وتتوقف «مرح» عند أبرز النقاط التي اوردتها الدراسة على النحو التالي: تقول ساندرا في المقدمة «في آخر احصاء اجرى في العام 1980 عن المهاجرين العرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تبيّن ان عدد هؤلاء يفوق المليوني مهاجر، كما ظهر ان معظم المهاجرين هم من اللبنانيين الذين بدأوا بالتوافد إلى أمريكا انطلاقاً من العام 1870. وجاءت أسباب الهجرة كنتيجة للمشاكل السياسية في الشرق الأوسط، خاصة وان آلاف المهاجرين بلغوا الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، اللذين شهدا العديد من الأحداث. وتتابع: «اردت في دراستي التركيز على اوائل المهاجرين. وسأترك مهمة البحث عن المهاجرين الجدد لغيري، علماً باني انصح هؤلاء بالبدء بجمع المعلومات اليوم، طالما ان مصادرهم ـ أي المهاجرين الجدد ـ ما زالوا أحياء. لقد نشرت أبحاث قليلة جداً عن اوائل المهاجرين اللبنانيين إلى الولايات المتحدة. لكن سأحاول اعطاء خلفية بسيطة عن الموضوع، لارشاد الباحثين عن مصادر المعلومات والسجلات التي ستساهم في اغناء معرفتهم عن هذا الارث الفريد. فقد بدأ هؤلاء بالتوافد إلى الولايات المتحدة انطلاقاً من العام 1870، لذا فان المعلومات التاريخية والثقافية والعائلية عنهم قليلة جدا. وتتوقف «مرح» عند نقطة تاريخية مهمة اذ تنقل عن ساندرا قولها ان سكان لبنان الحاليين، وبالتالي الأمريكيون من اصل لبناني ربما يتحدرون من مستوطنين يونان، أو من الصليبيين، أو من الغزاة الاتراك والفرس. فبدءاً من اوائل القرن السادس عشر، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى، كان جبل لبنان جزءاً من الامبراطورية العثمانية، ولهذه الأسباب كان معظم المهاجرين اللبنانيين قبل العام 1918 يحملون جوازات سفر تركية، وبالتالي كان يتم تسجيلهم في الاحصاءات الرسمية الأمريكية تحت عنوان «أتراك» أو «آسيويين». أما عن تاريخ الهجرة إلى الولايات المتحدة، فتقول ساندرا: «لان لبنان بقي تحت السيطرة الغربية لعدة قرون، كانت الحياة الصعبة لعامة الشعب. فقد مرّ هذا البلد بالعديد من الحروب الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، ومشاحنات حول الأراضي، وتقاتل بين القبائل. لكن أسباب الهجرة الفعلية في معظم الأوقات، كانت الفرص الاقتصادية التي تقدّمها الولايات المتحدة. الهجرة بحراً وكانت الخطوط البحرية الفرنسية، أهم حامل لهؤلاء المهاجرين إلى أمريكا فهي كانت ترسو في مرفأي هافر ومرسيليا، ومن ثم تنطلق إلى نيويورك. بين الأعوام 1860 و1890، دخل المئات من المهاجرين اللبنانيين سنوياً إلى الولايات المتحدة وكانت أولى العائلات، عائلة البروفيسور جوزف آربيلي الذي وصل مع زوجته وابنائه الستة عام 1887. والجدير ذكره، ان أبناء آربيلي أسسوا أول جريدة ناطقة باللغة العربية هناك. وبعد عام 1890 دخل آلاف المهاجرين سنوياً إلى الولايات المتحدة، وقد حمل العام 1913 حوالي تسعة آلاف مهاجر. وخلال الحرب العالمية الأولى، تراجع الرقم، ثم عاد يتزايد بعد الحرب إلى ان صدر قانون «الكوتا» في العام 1924. علماً بأن مجموع المهاجرين اللبنانيين، كان قد بلغ 200 ألف في تلك الفترة. ومع حلول العام 1940، تزايد العدد إلى 350 ألفاً. السفر الى أمريكا، وتحديداً في السفن، لم يكن سهلاً، وكان باهظ الثمن. وكانت الرحلة تستغرق بين ثلاثة وستة أسابيع بحسب ظروف الطقس. وفي معظم الاحيان، كان المهاجرون يأتون ضمن مجموعات عائلية. بينما في احيان أخرى، كان الشبان يصلون إلى أمريكا بمفردهم أولاً على أمل ايجاد عمل وتوفير المال من اجل تأمين سفر بقية أفراد العائلة، فيما بعضهم الآخر كان لديه اقرباء ينتظرونه في الولايات المتحدة. أما في حال كان لدى العائلة ما يكفي من المال لسفر البعض منهم، فكان أفرادها يفترقون فيصطحب الوالد أبناءه الكبار فيما تبقى الزوجة مع الصغار إلى حين توفر المال لجمع شمل العائلة». كيف يعيشون؟ أما في الشق المتعلق بطبيعة الحياة والمعيشة والعمل لدى المهاجرين اللبنانيين فتقول ساندرا انه في العام 1907 تشكلت العديد من الجاليات المؤلفة من مزارعين لبنانيين استوطنوا في ولايات «داكوتا»، «واويومينج»، «واشنطن»، و«مونتانا». أما ولايات «نيويورك و«ماساتشوستس»، و«ميتشيجان»، و«بنسلفانيا»، و«اوهايو»، فكان التركيز اللبناني فيها ضخماً. بينما الاستيطان كان أقل في بقية أنحاء البلاد مثل: «سانت لويس»، و«شيكاغو»، «ونيو اورليانز» وغيرها... والجدير ذكره، ان الناس الذين ينتمون إلى نفس القرى اللبنانية سكنوا بالقرب من بعضهم، حتى ان هناك شوارع كاملة يسكن فيها مثلاً أبناء حدشيت أو زحلة أو غيرها من القرى والبلدات. عند وصولهم، يبدأ اللبنانيون بالبحث عن عمل. ذلك ان 20% من المهاجرين كانوا من أصحاب الحرف في قراهم، فيما القليل منهم كانوا من حملة الشهادات أو من أصحاب الأراضي أو المزارع. وبما ان المهاجرين كانوا لا يملكون المال أو الأملاك، ولا يتكلمون اللغة الانجليزية لم يكن من السهل عليهم ايجاد الوظائف المناسبة. لذا عمل البعض منهم في المصانع، أو في البلديات، بينما تحول أغلبهم إلى باعة، أو أصحاب مطاعم أو متاجر، أو مصانع ثياب. يعيش المهاجرون اللبنانيون في مجموعات متقاربة، إلى حد الاندماج في عشائر. وهم شعب مجتهد، مقتصد، وقريب من العائلة. وبحسب المؤرخ اللبناني فيليب حتى، ففي العام 1924 كانت هناك 34 كنيسة مارونية، 21 كنيسة للروم الكاثوليك، 24 كنيسة للروم الارثوذكس، والعديد من الجوامع منتشرة في انحاء الولايات المتحدة لتلبية حاجات المهاجرين. ومن هنا، كان يتم تشجيع الزواج ضمن الجالية الواحدة. علماً ان معظم الزيجات كانت تدبّر من قبل الأهل. وتضيف بينيت: في البداية، نادراً ما كان المهاجرون اللبنانيون يتعاطون في السياسة. مع استثناء بسيط لجالية سانت لويس. واجمالا كانت الجاليات تفرض رقابتها على الأفراد، لذا كان معدل الجريمة بين أبناء المهاجرين اللبنانيين منخفض جداً. هذا وكان المهاجرون يجمعون المال من بعضهم من اجل جاليتهم، ومن اجل اقربائهم في لبنان. وكان التعليم مهماً جداً بين تلك الجماعات، بدليل ان الاجيال الثانية والثالثة تحمل العديد من الشهادات العليا وتتبوأ أهم المناصب العلمية والعملية. بيروت ـ رانيا يونس: