صدر العدد الخامس والثلاثون من مجلة «آفاق الثقافة والتراث» عن مركز جمعة الماجد وهي مجلة فصلية تعني بشئون المشروع الثقافي الاسلامي الاصيل والمعاصر كما تعالج قضايا الاجتهاد والتجديد الحضاري في الواقع العربي والاسلامي، وفي سنتها التاسعة وبعد ان استقطبت نخبة من الكتّاب والمثقفين من خلال فتح صفحاتها للاقلام الجادة والمبدعة من العالمين العربي والاسلامي تطل علينا في فصل جديد بمواضيع جديدة وثرية. تطالعنا بداية افتتاحية العدد بعنوان «الجامعات الاسلامية ومناهج التكوين» طرح فيها مدير التحرير بـ «عز الدين بن زغيبه اشكالية البحث عن الطريق الامثل لتخريج طلاب متوافقين على المستوى العلمي والسلوكي وذلك من خلال عرضه الموجز لانواع هذه الكليات ومدى التزام طلابها بالسلوك الاسلامي داخل المجتمعات العربية منها والاسلامية وماهو مفهوم المناهج وطرق التكوين العلمي التي تؤدي الى ازدواجية عند الطلاب، بين مادرسوه وما يمارسونه على المستوى الاجتماعي والعملي. وقد تناول هذا العدد من المجلة عشر مقالات شملت الوانا عدة من المعارف الاسلامية وتمحورت حول عدة محاور، الفلسفي منها والتاريخي والعلمي فضلا عن عرض محظور نادر ونشر مخطوط محقق بالاضافة الى قصيدة شعرية. ففي مجال البحوث والدراسات الاسلامية يطالعنا د. محمد اقبال عردي بمقالة بعنوان «الوظيفة الترجيحية للسياق عند المفسرين» وهي دراسة تتناول الخطاب بصفته بنية لغوية يحتاج الى آليات ووسائل تساعد على جعل حيازة معناه ممكنة وميسورة وحيث يعد التراث اللغوي والنقدي والبلاغي جهدا محضا لضبط تلك الآليات متناولا منهج المفسرين في تحديد وسائل فهم الخطاب الالهي، وانهم عملوا على ابراز الوسائل التي تساعد على ترجيح معنى دون آخر وتقوية دلالة على حساب غيرها، هذا وتناول الباحث عشر نماذج تطبيقية من الآيات القرآنية وتناول فهم المفسرين لها. وفي مقال فلسفي عقائدي يبحث الدكتور ابراهيم امير اغلو الاستاذ المساعد في كلية الالهيات بجامعة التاسع من ايلول في ازمير ـ تركيا حول موضوع «الدلائل العقلية على كون النبي محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل، حيث اقر ان ارجاع كون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الى اصل عقلي بالدلائل العقلية الصحيحة فهو ما يمكن ان يوجد في كل زمان مرتبا وذلك ضمن خمسة اطر اساسية. وفي مقالة اخرى للدكتور، عوض بن حمد القوزي من السعودية بعنوان «الوافي في انصاف ابي سعيد السيرافي» دعا فيها الطلاب والاساتذة الى توحيد الجهد والتنسيق وتحديد هدف واحد في اخراج كتاب «الوافي» محققا ومدروسا ونفض الغابر عن اصوله الخطية والدراسات المشغولة حوله، هذا وتناول الباحث اسلوبا ادبيا جميلا خاطب فيه مؤلف الكتاب المتوفى ساردا ابداعاته وانجازاته. وفي نقله بعيدة جميلة وضمن اطار سرد تاريخي ممتع ينقلنا الدكتور ابراهيم مصحب الدليمي من كلية الآداب في جامعة بغداد الى اجواء مدينة القدس الشريف تحت عنوان «خطط اسرائيل وبرامجها لتهويد مدينة القدس منذ عام 1967، حيث اطل على تاريخ المدينة منذ تأسيها متناولا قدسية المدينة عند مختلف الاديان، هذا وقد تناول الدكتور الدليمي التعاقب التاريخي للشعوب في تلك المنطقة متناولا ادعاءات اليهود والتزوير التاريخي الذي يقومون به شارحا مخططاتهم خصوصا بعد حرب عام 1967 واساليب التهويد الاداري والعمراني والديموغرافي الذي تعرضت له بيت المقدس مستدلا باحصائيات وجداول تبين ذلك عبر السنوات المنصرمة مابين 1918 و سنة 1998. وفي الاطار نفسه يعرض الاستاذ ابراهيم عبد الكريم من مؤسسة الارض للدراسات الفلسطينية في دمشق في مقالة «منزلة القدس في الاسلام، لقبسات توثيقية من الاصول العقيدية والتعبدية التي اضفت القدسية على المدينة. هذا وتناول الدكتور فرحان شهاب النعيمي «اثر الترحيل البابلي في بلورة العقيدة اليهودية، في مقالة اتسمت بالسرد التاريخي العلمي متناولا مملكة «داوود وسليمان» و «مملكة يهوذا» عبر التاريخ لينتقل لشرح اسباب ومقدمات الترحيل البابلي وما رافق ذلك من مظاهر التطور الفكري والعقائدي لذلك مرورا بالحديث عن تكوين التلمود البابلي والفرق بينه وبين التلمود الفلسطيني وصولا لشرح عقيدة «شعب الله المختار» و«ارض الميعاد». وفي اطار اجواء الاصالة لشبه الجزيرة العربية ينقلنا جعفر محمد السقاف من اليمن الى الخليج العربي عبر مقالته «القبائل العربية في الخليج العربي» متناولا امتداد القبائل في الخليج والاختلاط فيما بينها وتقارب الذوق في الموسيقى والغناء والرقص مقارنا بين قبائل اليمن وساحل عمان والامارات العربية المتحدة. وضمن الاجواء العربية الاصيلة نفسها عرض الدكتور حاتم صالح الضامن في مقالته «المؤلفات العربية في الخيل» لقائمة طويلة من المؤلفين الذين لم تصل كتبهم عن الخيل الينا كما عرض كتب الخيل المطبوعة مع بيان محتوياتها ومناهجها مرتبة ترتيبا تاريخيا. اما في مجال المخطوطات فقد تناول الاستاذ محمد بوزيات بنعلي من المملكة المغربية في مقالة له «مخطوطات خزانة ال عبد الجبار بفجيج» لمؤلفات قيمة «لسيدي عبد الجبار» ملقيا الضوء على تلميذه احمد بن علي البلوي الاندلسي خصوصا وان هذا العالم لم يأخذ حقه من التفصيل العلمي. هذا وكان للمقالات العلمية الفلكية نصيب في هذا العدد فقد عرض لنا حسن صالح شهاب موضوع «نجوم الملاحة عند البحارة العرب» تناولا المنازل الفلكية واوقات طلوعها وغروبها والطرف المعتمدة عند القدماء من اشهر العلماء العرب. اما عبد القادر احمد عبد القادر وضمن اجواء تاريخ العلوم عند العرب عرض في مقالته لمخطوط من المخطوطات النادرة هو «عقيلة العقلاء في علم العفو عن الفضلاء» لمؤلف مجهول حيث حلله تحليلا علميا وعرف به وبأبوابه الواحدة والعشرين موضحا اهمية الكتاب ومكان حفظها والمجموع التي يتكون منها. هذا وقدم الدكتور عامر حسن صبري من جامعة الامارات لمخطط بعنوان «الزيادات في كتاب الجود والسخاء» للطبراني المتوفي 360 هـ وقام بتحقيقه حيث قام بالتعريف بمؤلف المخطوط وبالكتاب واثبات نسبة الكتاب لمؤلفه. ولعل خاتمة العدد تبكي جرحا اصاب صميم امتنا وذلك بوقفه مع قصيدة شعرية بعنوان «القدس تنادي» بقلم الدكتور عطية احمد محمد دعا من خلالها المسلمين للدفاع عن بيت المقدس والذود عنه وجاء في البيت الاخير فيها: إسلامنا يا قوم يرجع قدسنا أوبوا اليه وعظموا التوحيدا.