حينما أصدر الدكتور عبدالعزيز حمودة كتابه النقدي «المرايا المحدبة من البنيوية الى التفكيك» اقتحمته عيني، وقلت: هذا ناقد متمكن من فنه، أصاب من نقد الغرب فوق ما أصاب من نقد العرب، واخشى ان يكون قد نهل من الثقافة الاجنبية ما ملأ صدره اعجابا بآرا ءالغرب ونظرياته، وها هو ذا يسلك نفسه في سلك الحداثة ليعد من أهلها، فأعرضت عن الكتاب. ثم عدت اليه بعد أيام أقرأ ما فيه قراءة المتدبر الحذر، لا قراءة المستطلع العجلان، فاذا هو سفر ضخم من نقد وعرض، ودحض ونقض، وتحليل وتعليل، وتقويض لبنية البنيوية، وتشكيك في أهداف التفكيك، واذا السلك الفكري الذي ينتظم الكتاب كله اتجاه نقدي متميز منصف لا متحيز، واذا الحداثة التي كنت اخشى ان تكون موضع مداجاة ومحاباة موضوعة على محك نقدي أدق من محكي هذا، ومعرضة لمباضغ جراح جيد يعرف كيف يجرّح ويشرّح، ثم كيف يصل الى الحقائق التي أعياني الوصول اليها بثقافتي الغربية المحدودة، وشتان ما بين ناقد محترف مثل الدكتور حمودة، يمتلك أدوات الحرفة التي اختارها، وقاريء مبتديء مثلي يحاول ان يمتلك هذه الأدوات. وبعد أمد، أي منذ أشهر أصدر الناقد نفسه سفره الثاني (المرايا المقعرة) فلم أسمح هذه المرة لأوهامي ان تساور الكتاب بالظنون، بل أقبلت عليه اقبال الظاميء على المورد البرود الشروب، فاذا هو ينطوي على أكثر مما توقعت من نقد وجدال وبحث موسع، ونظرات جادة لا تفصل الادب والنقد عن اطارهما الثقافي العام، ولا تدرسهما معزولين عن الازمنة والامكنة التي تكنفهما بل تضعهما في اطارهما الثقافي، وتحوطهما بالبيئة التي تزيد آراءه صدقا وعمقا، وشمولا ورسوخا وتأصيلا وتجديدا. بدأ المؤلف مراياه المقعرة بالشكوى من شرخ يعاني تناقضه المثقف العربي، وانفصام يتهدد تفكيره وسلوكه، وعلل الشرخ والانفصام بغياب المشروع الثقافي العربي، وباخفاق كل محاولة سابقة، توخّى اصحابها منها رأب الصدع، لا لضعف الفكر العربي، بل لأن السياسة كانت تضع لمساتها الموجهة على المشروعات الثقافية المقترحة، فاذا هي خطط مقننة مدجنة، تخدم اغراض القادة والسياسيين، لا مناهج فكرية، تعبر عن مرامي الرادة والمثقفين، واذا هي في كل قطر ترسيخ للأوضاع السياسية والاقتصادية التي يحافظ عليها الساسة، لا تبشير بالتغيير الذي يدعو اليه الادباء. قد يتراءى لك كما تراءى لأهل الحداثة ان المؤلف يدعو الى تبني المشروع الثقافي الغربي، وقد تلتمس له العذر فيما تبنّى، فتقول: إن اختيار المشروع الغربي بالصورة التي وصل اليها يختصر الوقت، ويريح الامة العربية من معاناة متعبة، دامت في الغرب مئات السنين، قضاها الغربيون وهم يجربون حتى أفضت بهم تجاربهم الى اختيار ما اختاروا، وان المشروع الثقافي الغربي أثبت نجاحه وتفوقه على الشرق ومشروعاته في ميادين الحياة كلها، لا في ميدان الأدب والنقد وحسب. وفي الرد على هذه الدعوة المفترضة لايجابه مؤلف المرايا المقعرة الافتراض بالرفض أو بالنقض، بل يدعو الى موقف متعقل متمهل، يسبق الانسياق الى المحاكاة، أو يهرب من اعباء المعاناة . انه ينكر على العرب العزلة، ويرفض دفن الرؤوس في الرمال، ويدعوهم الى رصد التحولات التي طلع بها علينا وعلى غيرنا من النظام العالمي الجديد، ويدعوهم كذلك الى التعامل الواعي مع الحقائق التي فرضتها العولمة. فاذا قرأت هذا الكلام خيل اليك مرة اخرى ان الناقد من دعاة الحداثة المستوردة غير انه قبل ان يخالطك هذا الوهم يدعوك الى ان تنظر نظرة ناقدة فيما آل اليه المشروع الثقافي الغربي، فيقول لك: لقد ارتفعت في قلب الحضارة الغربية ذاتها دعوة قوية تنادي بتصفية المشروع التنويري بعد ان أوصلت سيادة العقل والعلم هذه الحضارة الى طريق مسدود، أبرز علاماته كبت الذات التي قام المشروع التنويري لتحريرها. أضف الى ذلك سيادة القيم المادية، قيم السوق ورأس المال والتفتت والتشرذم. وقد يخطر لك ان تسأل المؤلف فتقول: ما القيم التي تنادي بها مراياك المقعرة وتريد ان تحلها محل القيم المادية؟ فيجيب: انها القيم الروحية التقليدية التي تواكب الحداثة بغية الوصول الى حداثة جديدة، لا تفصل بالضرورة بين سيادة العقل العلمي من ناحية، والمثل العليا التي يدعو اليها الدين من ناحية اخرى، ليتم التوازن بين العقل والقلب، بين الجسد والروح. وهذا التوازن يفرض على دعاة الحداثة أو ادعيائها العرب ان يتوقفوا قبل ان ينجرفوا، وان يتئدوا قبل ان يقلدوا، وان يعتبروا بمن احسوا انهم انحدروا وهم يتوهمون انهم تطوروا. ولزيادة هذه الفكرة ايضاحا يقول الدكتور حمودة: ان مشروع التنوير الغربي استغرق الوصول الى انجازه أكثر من ثلاثة قرون في تاريخ الفكر الغربي قبل ان يدرك العقل الغربي صلابة الحائط الذي يواجه الحضارة الغربية في نهاية الطريق، أما نحن فمازالت أمامنا حرية الاختيار على الأقل، حرية الاختيار ألا نلقي بأنفسنا في أحضان الحداثة الغربية في انبهار كامل وعمى شامل. إن الانبهار لا يسمح برؤية العوار، بل يقودنا الى الانهيار، وإن العمى الشامل يغلق أعيننا اغلاقاً تاماً، ومتى أغلقت العيون عجزنا عن رؤية الطرق المتعددة الممتدة دون أقدامنا، وكلّ هذه الطرق مفضية الى التحديث لا الى النكوص، ولا إلى الدوران حول بقعة طالما وقفنا فوقها. وهل الوقوع إلا نوع من أنواع التخلف، نرفضه نحن كما يرفضه الداعون الى المضي في طريق التجديد. وههنا تلتقي المرايا المقعرة بالحداثة في ملتقى واحد يجمعهما ولو إلى حين. غير أن هذا الالتقاء آيل الى افتراق، أو محطة لا يطول فيها البقاء،و إذ يرتمي أهل الحداثة العربية في حجر الحداثة الغربية ارتماء الطفل الغرير في حضن الأم التي ترضعه. انهم بهذا الارتماء يتقبلون كل نكساتها وارتكاساتها متجاهلين مشكلاتها وأزماتها، مفتونين بشعاراتها وتسمياتها، كأنها الغاية التي لا غاية بعدها، والهدف الذي لا هدف سواه. أما المرايا المقعرة فإنها تربأ بنفسها عن الانحدار إلى هذه الوهدة المخوفة، فترفض الخضوع لسيادة العلم وحده، ولسيطرة المادة وحدها، وتحمي نفسها من الضياع فيما ضاعت في متاهاته حداثة الغرب، ومن التهويم فيما هوّمت فيه من بنيوية تفكيك أفضيا بالعقل الغربي الى فقدان التوازن، وبعبارة أصرح الى ما يشبه الجنون. إن المرايا المقعرة تريد أن تبدأ بداية واعية من النهاية التي وقف عندها العقل الغربي حائراً خائراً، ينطح صخر الجدار بقرنين من طين أو عجين، قوّضت بنيتهما تحليلات البنيوية، وفككت عقدهما أظافر التفكيك. وهذه البداية سوف تتيح للمثقف ا لعربي أن يستغلّ ويستقلّ: أي ان يستغل التجربة الغربية فيأخذ أحسن نتائجها، وأن يستقلّ عنها، ويفرغ لمشروعه الثقافي فيهبه كلّ ما لديه من ذكاء وعطاء وما لدى أمته من كنوز وتجارب، ولدى التجربة الغربية من نتائج لا تفقده هويته، ولا تمسخ شخصيته. يستفيد من حداثة الغرب الموصولة النسب بالعلم التجريبي، ويعود الى تراثه العربي ليبحث فيه لا ليمجّده ويجمّده، بل ليفجر طاقته الكامنة، ويصنع من الحداثة العربية المرجوة بكل أصالتها ونبالتها بعيداً عن النسخ والاحتذاء. ولا يخيفنّ المرايا المقعرة ما يوجهه إليها أصحاب الحداثة العربية المقتبسة من الغرب، ولا يشغلنّها عن السعي الحثيث نحو غرضها الشريف الواضح ما تُرمى به من أباطيل، وما تنبز به من ألقاب مفتريات كالسلفية والرجعية والجمود والتخلف. فهذه النعوت تدلّ على عجز من يفترونها من الساقة المنساقة في ركاب الغرب، لا على رجعية النظرية التي تنطوي عليها، أو تسعى الى وضع سماتها وقسماتها العربية الأصيلة. ولا يشعرنها بالضعف والخوف ما يتباهى به أصحاب هذه الحداثة المستوردة من مصطلحات غائمة هائمة لا يفهمون معانيها حق الفهم وهم يمضغون ألفاظها، وما يغلّفون به آراءهم الزئبقية من التواء وغموض. فإن أكثر هذه المصطلحات التي طلع بها الحداثيون الغربيون على العالم في حاجة إلى توضيح وتحديد، لا في لغتنا العربية وحدها، بل في لغاتهم التي صنعتها. وهذه المصطلحات عند التحقيق ليست أكثر من اجترار وتكرار للمفاهيم القديمة بألفاظ جديدة، وكل ما اكتسبته من التجديد هو الغموض المسرف الذي بلغ حدّ التعمية. ونقلُها من لغاتها الأصلية الى العربية لم يزدها إلا غموضاً إلى غموض، حتى تحولت الى طلّسمات محيّرات، يعيا بفهمها وإفهامها سحرة ألف ليلة وليلة، ومفسّرو الأحلام. لقد قصرنا هذه الجولة في المرايا المقعرة على التحرك الحذر في إطارها الثقافي العام. وفي الجولة المقبلة نحاول أن نلمّ بالجانب النقدي من هذه المرايا لإيماننا بأن النقد مرتبط أشدّ الارتباط بالثقافة التي تنجبه، وبأن الأدب تعبير عن مذهب وفكر قبل أن يكون شكلاً فنياً، ينتمي إلى هذه المدرسة الأدبية أو تلك.