مهرجان القاهرة السينمائي الدولي كان موفقا في اختيار فيلم الافتتاح لدورته الخامسة والعشرين ـ يوبيله الفضي ـ وتمثل ذلك في الفيلم الفرنسي مصير اميلي بولان للمخرج جان بيير جينو، فهو فيلم رقيق حساس رائع في تعمقه للمشاعر البسيطة، وفي تقديم صورة مبهرة للحياة العادية في باريس من خلال نماذج انسانية متواضعة، تنتقل الكاميرا بخفة ورشاقة بين ارجاء باريس، وشوارعها، ومحطات المترو، والمحلات الصغيرة، وبين الشخصيات المختلفة التي تقترب منك في حميمية، وذلك في مونتاج ذكي يربط بين الحدث والواقع والحلم والمتخيل، في كوميديا راقية لا تخلو من الشجن لا عجب أن يحقق الفيلم نجاحا جماهيريا ساحقا في فرنسا، وأن يفوز بالجائزة الكبرى ـ الكرة الكريستالية ـ للدورة الأخيرة لمهرجان كارلو فيفاري الدولي يوليو 2001 وجائزة الجمهور في كل من مهرجان سان سباستيان وتورنتو. الشخصية الرئيسية المحورية في الفيلم هي تلك الفتاة التي تبدو لنا بنظرات عينيها وملامح وجهها على شئ كبير من الطيبة والبراءة وكذا سمو العواطف.. انها اميلي بولان انسانة عادية بين ملايين المواطنين الذين يعيشون في مدينة النور وحيدة في مسكنها الصغير بعد وفاة والدتها وعدم مبالاة والدها. تحلم كأي فتاة في عمرها بالفارس الذي تبثه عواطفها الحبيسة ويمنحها ما تتمناه من حنان تستحقه.. مايجيش في صدرها من مشاعر ومودة يفيض بكرم لكي تمنحه للآخرين. في المقهى الذي تعمل فيه نادلة تلاحظ نظرات الاعجاب من أحد الرواد لزميلة لها، فتخطط بخبث بريء وتدبر لهما لقاء غراميا .. لكن حينما يزيد اعجاب الرجل عن حده ويتمادى في التعبير عنه، تكاد زميلتها تجن.. فهل أخطأت اميلي لحسن نيتها؟ تجد في مسكنها صندوق ذكريات للساكن السابق تحاول البحث عن مالك هذه الصندوق، شئ يشغل وحدتها، تشابه الاسماء يقودها الى اشخاص عديدين مختلفي الطباع منهم من ينهرها ويصدها لتدخلها في شئونه الخاصة. ثم تسترعيها شخصية شاب يقوم بجمع صور مما يتبقى من كابينة للتصوير السريع ـ فوتوماتون ـ ويكون منها ألبوما. تراقبه، وذات مرة في مطاردته لصاحب السيارة يسقط منه الألبوم، تنشغل برؤية الصور الممزقة التي قام الشاب الغريب بتجميعها ولصقها. ألبوم غريب لشخصيات غريبة ـ تؤنس وحدتها. تحلم بالشاب تعلم انه يعمل في محل بيع أشرطة فيديو خلاعية ولكنها لا تجده، يدلونها على عمله بعض الوقت في مدينة ملاه، نراها في مركب الاشباح والشياطين ولكن لا تصادفه رغم انه كان متنكرا قريبا منها تصور نفسها وتضيف صورتها الى الألبوم. في الحي الشعبي الذي تعيش فيه اميلي .. نلتقى بنماذج مختلفة من الناس .. صبي محل الخضروات الذي يؤنبه صاحبه دائما لاهماله، وهو يعشق الفن ويتدرب على الرسم مع فنان عجوز يقلد لوحات رينوار، ويوجه موهبة الشاب الصغير الذي يبدو لنا بيده اليمنى فاليسرى مشلولة. كما نلتقى بامرأة جاوزت الستين تعمل بوابة لاحدى العمارات وذات مرة يسلم لها ساعي البريد خطابا .. اذا به خطاب قديم من زوجها الذي توفي في حادث منذ أربعين عاما .. تدور على الجيران تشهدهم على حبه لها! امرأة أخرى وحيدة جاءتها السعادة .. لكن أين سعادة اميلي؟ تحاول اميلي ان تقود الشاب الذي خفق له قلبها - نرى على الشاشة قلبها وهو يدق داخل صدرها ـ ترسم له الخطط.. يقدم الفيلم أماني اميلي كأنها تحققت في توازي في الكادر ـ الواحد بين الامنية والحلم والواقع تسعد بالحلم. فهو حلم كامل. شريط جميل، ولو انها ـ فيما بعد ـ تصدم بالواقع .. الى أن يستدل عليها الحبيب في النهاية .. وتتحقق السعادة المنشودة التي تستحقها. الاشياء والتفاصيل الصغيرة في الفيلم محل اهتمام من السيناريو ... التماثيل التي تبتسم ساعة الايقاظ، الصور على الجدران التي تتحرك وتشير وتتكلم ... اللعب الصغيرة التي تحنو على اميلي ... شرائط الفيديو التي تصل الى الفنان العجوز وتمثل له الماضي، وشريط الفيديو الذي أرسله هو اليها ... أي تقدم ولا تخجل ... ولا تتردد فالحبيب قادم ... قادم ... تستمع لنصحه وتقاوم خجلها. تداخل الصور والاحلام، الكاميرا الحية الايقاع، المؤثرات الصوتية كلها تجمعت من أجل خروج فيلم جميل يمثل سينما المؤلف ورؤيته.. وقد سبق للمخرج جان بيير الينو ان فاز بجوائز دولية عديدة وترشيحات أوسكار عن أفلامه السابقة محل الأغذية المحفوظة 1996 مدينة الاطفال 1995 صحوة آلان 1998 ولعل فيلمه في افتتاح مهرجان القاهرة يعيد الجمهور الى الافلام الفرنسية التي كان لها سوق ودور عرض في مصر حتى الستينيات. أما البطلة - الوجه الجديد أودري توتو - فقد جذبتنا بتلقائية وسمات البراءة على محياها.. وسعد الجمهور في الختام لأن تحقق سعادتها بعد أن سعت لتحقيق سعادة الآخرين.. وهكذا توحد معها الجمهور. القاهرة ـ فوزي سليمان
