مياه زرقاء صافية، اسماك زاهية الالوان هياكل مذهلة تحت الماء، تكاملت على امتداد اجيال من المخلفات الكلسية للحيوانات الدقيقة المسماة بالبولبات المرجانية. انه منظر رائع. ولا احد سبق له ان زار واحدا من اعظم الحيود المرجانية في العالم يمكن ان ينسى ذلك المنظر. ولكن يبدو وكأننا واحد من آخر الاجيال التي ستحظى بفرصة مشاهدة هذا المنظر، فالحيود المرجانية كما نعرفها في طريقها الى الانقراض. يعتبر روبرت بوديمير، وهو باحث متخصص بالمرجان البحري يعمل مع كانساس جيولوجيكال سيرفي، فردا في مجموعة متنامية تحمل انباء سيئة حول مستقبل الحيود المرجانية في العالم. وهو يعتقد اننا ربما عملنا عن غير قصد على تعطيل قدرة المرجان على بناء الحيود. واذا كان هذا صحيحا، فيمكننا ان نتوقع ان تتراجع الحيود المرجانية القائمة خلال القرون القليلة المقبلة، وتختفي كليا في النهاية في العديد من الاماكن، وسنفقد واحدا من اروع واهم الانظمة البيئية على وجه الارض، وسيكون ذلك نظيرا مائيا لازالة اشجار الغابات الماطرة كلها باستثناء شريط صغير منها. غير ان هذه القصة الحزينة لها جانب مضيء وممتع ومشوب بالألم ايضا ويبدو ان المرجان لا يحتاج الى بناء الحيود، فحتى لو اختفت الحيود كليا، فان المرجان والنباتات والحيوانات التي تعيش معه قد تحيا حياة متواضعة في المنفى، حتى تصبح الظروف مواتية من جديد لبناء الحيود. ويقول بوديمير ان «الحيود المرجانية كما نعرفها» ونقدرها ستختفي على الارجح من معظم المناطق، ان لم يكن العالم بأسره ولكنني اعتقد انها ستنهض مجددا، كالعنقاء، في غضون بضعة الوف او عشرات الالوف من السنين.ان الاخطار التي تتهدد الحيود المرجانية معروفة تماما، فهي تتعرض للنسف بواسطة الديناميت وللتسميم وللافراط في صيد السمك منها والافراط في تخصيبها، ويتم امطارها بالملوثات والمواد الترسبية، ويهدد ارتفاع درجات الحرارة بالتسبب في تبييض واسع النطاق للمرجان. ولكن قبل عامين من الآن، كان بوديمير وجوان كليباس، وهو باحث متخصص في المرجان في المركز الوطني الامريكي للبحوث الجوية في بولدر بولاية كولورادو الامريكية كانا من بين اوائل من تعرفوا على خطر اكثر شؤما، فمع تراكم ثاني اكسيد الكربون في الجو، فانه سيعمل تدريجيا على زيادة حموضة ماء البحر، مما يجعل من الصعب على الحيوانات المرجانية ان تستخلص ايونات الكربون التي تحتاجها لوضع هياكلها المكونة من كربونات الكالسيوم. وفي العام التالي، اكتشف فريق يقوده كريس لانجدون من جامعة كولومبيا ان هذه العملية المسماة التكلس تباطأت بالفعل عندما قاموا بشكل صناعي بضخ ثاني اكسيد الكربون لرفع مستوياته في منشأة البحث «بيوسفير 2» في صحراء اريزونا. وحسب الباحثون ان معدلات التكلس ستكون اقل في عام 2065 بما يتراوح بين 14 الى 30% مما كانت عليه قبل الثورة الصناعية وهذا لن يؤدي الى ابطاء نمو الحيود المرجانية فقط، فبناء الحيود سيتوقف كليا في العديد من الحالات، وستبدأ الحيود بالانكماش مع قيام التآكل بالتهام اجزاء من الحيد وقيام التيارات المائية في المحيط بحمل الترسبات المتآكلة الى خارج النظام، ويعتمد نمو الحيد المرجاني على توازن الزيادة والفقدان في كربونات الكالسيوم، وغالبا مايكون الهامش ضئيلا جدا، وخاصة في المناطق الابعد من خط الاستواء، حيث يكون تراكيز كربونات الكالسيوم اقل في مياه البحر. وهناك بعض العزاء في معرفة حقيقة انه حتى لو توقف بناء الحيود المرجانية، فان من المستبعد ان تختفي الانظمة البيئية للمرجان كليا، ولكنها لن تكون الاماكن الغنية والمتنوعة بيئيا التي نعرفها الآن. فبعد قرن من الآن، قد تتحول الحيود المرجانية في جنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، الى شيء شبيه بالمسطحات المرجانية الموجودة حاليا في هاواي. ويحذر كليباس من انه وعلى الرغم من ان حيود هاواي المرجانية تدعم العديد من انواع السمك المختلفة، الا انها لا تقترب من التنوع البيئي لتلك الحيود الموجودة في الفلبين واندونيسيا حيث يشكل اكثر من 2500 نوع من الاسماك و 3200 نوع من الرخويات و 500 نوع من المرجان واحدا من اعقد الانظمة البيئية على الارض، ويقول كليباس: فكر في الفرق بين غابة استوائية ماطرة وغابة شمالية في جبال الالب وسيكون لديك فكرة عن مقدار ما سنفقده! وبالطبع، فان تراكم ثاني اكسيد الكربون يعني ايضا ارتفاعا في درجات الحرارة وهذا قد يساعد في التعويض عن بعض الضرر من خلال مساعدة المرجان على النمو في مناطق بعيدة عن خط الاستواء اكثر مما هو عليه الحال اليوم. ولكن عندما قام كليباس وبوديمير ببناء نموذج حاسوبي لمحاكاة هذا التأثير، وجدا ان انكماش الحيود المرجانية بسبب تناقص عملية التكلس يفوق بكثير توسعها الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة. وعلى نحو ينذر بالسوء، فانه مع استمرار نسب ثاني اكسيد الكربون بالارتفاع، تتضاءل المنطقة المناسبة للحيود المرجانية، ويقول كليباس ان «الحيود المرجانية تختفي عمليا على سطح الكرة الارضية» عند تضاعف التركيز الحالي لثاني اكسيد الكربون. لا يتفق الجميع مع استنتاجات كليباس وبوديمير، ولكن بعض الباحثين حولوا اهتمامهم الى سجل المتحجرات لمعرفة كيف استجابت الحيود المرجانية للتقلبات السابقة في مستويات ثاني اكسيد الكربون، ان المستويات المنخفضة نسبيا لثاني اكسيد الكربون، والتي سادت منذ العصر الجليدي الاخير كانت في الحقيقة ملائمة على نحو غير عادي لبناء الحيود المرجانية. وهكذا، فان الحيود المرجانية التي نراها طبيعية هي في الواقع استثنائية تماما، فقبل ملايين السنين، كانت هناك فترات عديدة ارتفعت فيها مستويات ثاني اكسيد الكربون واختفت حيود مرجانية من سجل الحفريات لا لشيء الا لكي تعاود الظهور لاحقا، حالما تنخفض مستويات ثاني اكسيد الكربون. ضرار عمير