بيان الكتب: اباطيل وأسمار هو الاسم الذي اختار صاحب هذا الكتاب أن يطلقه عليه كعنوان دال لما تسجله صفحاته من جولات معركته الضارية في منتصف الستينات، من القرن الماضي، مع الناقد الأدبي الراحل د. لويس عوض حول شاعر العربية أبي العلاء المعري. لكن فارس هذه المعركة هو العلامة وصاحب التحقيقات العلمية الفريدة في التراث العربي محمود محمد شاكر أراد لمعركته تلك أن تأخذ مناخاً أبعد، وآفاقاً أفسح، فدفع بها إلى ساحات يصارع، من خلالها أفكارا ومفاهيم رائجة، وشخصيات وأعلاماً فاعلة، ومحركات وقوى محلية ودولية متجبرة! فمن علاقة العقيدة بالثقافة إلى أصول المنهج العلمي في استنباط حقائق التراث وتذوق الآداب، ومن دعاوى إحلال اللهجات العامية محل الفصحى، إلى طبيعة الدور الثقافي والسياسي لحركات التبشير المسيحية الغربية في المنطقة العربية، ومن الدور الاستعماري في توجيه سياسات التعليم واختراق الصحف في مصروالشام إلى ما وراء دعاوى المصرية واغتراب الشعر العربي الحديث.. الخ. وفي ساحات معركته تلك وجه شاكر سهامه الدامية إلى من رآهم يقفون بأي درجة في صف عدوه د. عوض أو ممن كان لهم أثر في تحطيم قوى الأمة العربية والإسلامية ونسفها على حد تعبير الاستاذ شاكر. فشملت طائفة أعدائه أعلاما في التاريخ الثقافي والصحافي المصري مثل رفاعة الطهطاوي و سلامة موسى و أحمد لطفي السيد و توفيق الحكيم و بشارة تقلا، وفي المسرح يعقوب صنوع، وفي الاستشراق كريستوف سكيف و زويمر، وغيرهم. أباطيل وأسمار إذن عنوان لجولات معركة تعددت ساحتها، في الفترة ما بين أواخر نوفمبر 1964 ونهايات يوليو 1965 وذلك على مدى 25 مقالا كتبها الاستاذ شاكر على صفحات مجلة الرسالة ردا على سلسلة المقالات التي نشرتها الأهرام بقلم الدكتور لويس عوض حول المعري آنذاك. ولذلك فحينما قرر الاستاذ شاكر الاستجابة لإلحاح أصحابه في جمع ما نشر وإخراجه في كتاب على حد قوله، فقد رأى عنوانه الأمثل في أحد أبيات المعري الشهيرة والتي تصدرت غلاف الكتاب والتي تقول : هل صحح قول من الحاكي فنقبله أم كل ذاك أباطيل وأسمار؟ الجولة الأولى في معركة شاكر مع د. عوض والتي جاءت تحت عنوان ليس حسنا، دارت حول أصول المنهج العلمي في دراسة رسالة الغفران لـ المعري، أو شيخ المعرة، كما كان يلقب قديما. فقد أخذ الاستاذ شاكر على د. عوض تسرعه واستهتاره بدراسة رسالة الغفران وصاحبها، عبر اعتماده على أخبار لم يتبين صوابها، أو كأنها حقائق مفروغ من دراستها على حد تعبير الاستاذ شاكر. وعزا شاكر ذلك إلى عدم إطلاع د. عوض على شئ قط مما كتب عن المعري، إلا على كتاب الدكتور طه حسين وحده، لا في العربية ولا في غيرها من الألسنة التي يقول عن نفسه أنه درسها. ورأى شاكر في اعتماد د. عوض على مصدر واحد، صدر قبل خمسين عاما، في دراسة أدب المعري سقوطا علميا، أو أحد البلايا الكبرى في منهج عوض. على حد قول شاكر. ثم لجوء د. عوض إلى التدليس، ليس فقط بالاعتماد على مانسب لأحد الاخباريين المشكوك في ما قاله حول رحلة المعري وهو صبي إلى أنطاكية بقصد الاشتغال بالعلم. بل يتجرأ د. عوض - أيضا - على تعديل هذا الخبر المشكوك، وعرضه كبديهه مسلم بها..! بالرغم من نقد الدكتور طه حسين لهذا الخبر الذي نقله د. عوض عن كتابه ذكرى أبي العلاء. ويصف الاستاذ شاكر ذلك بأنه تنفخ غث يؤذي كل دارس. ولذلك بادر بعرض وتمحيص ومقارنة ونقد مختلف المراجع القديمة حول خبر رحلة المعري إلى أنطاكية فيقول فبين أيدينا اليوم من الكتب التي ترجمت لأبي العلاء أكثر من ثلاثين كتابا، من بينهم القفطي والذهبي اللذان ذكرهما الدكتور طه، واتكأ عليهما الدكتور لويس عوض،وأي دارس جامعي مبتدأ مفروض فيه أن يضع هذه التراجم جميعا بين يديه، ويرتبها ترتيبا تاريخياً ليعرف مصادر الأخبار التي جاء فيها. ويتساءل شاكر قائلا فأي أستاذ جامعي حقيق بأن يسمى استاذ يستطيع أن يغفل الاطلاع على هذا كله ويقتصر على نقل من كتاب فحدث ألف منذ أكثر من خمسين سنة، ويتجاهل كل ما كتبه المحدثون بعد هذا الكتاب إلا أن يكون في دراسته ملفقا متعجلا طياشا لا يرعى لشيء حرمه. وبرر الاستاذ شاكر لجوءه إلى استخدام هذه التعبيرات الحادة في نقد د. عوض لأن الأمر خرج عن طوره وهدد مستقبل الفكر الأدبي تهديدا مفرغا لايعلم عواقبه إلا الله. وفي جولته الثانية التي جاءت تحت عنوان «بل معيبا» يحمل الاستاذ شاكر بعنف على د. عوض لانتحاله - كما يقول لفظ المنهج بينما يقوم - أي د. عوض بترويج خبر مكذوب عن لقاء شيخ المعرة في صباه راهبا بدير الفاروس باللاذقية. ويقول الاستاذ شاكر أنه خبر لم يعرفه أحد خلال مئة وعشرين سنة على الأقل منذ وفاة شيخ المعرة في سنة 449هـ إلى مولد القفطي سنة 568ه. ويرى الاستاذ شاكر في الخبر الذي انفرد القفطي بذكره حول المعري واستند إليه د. عوض بأنه نال على معاصري المعري بنحو مئة وثمانين سنة تراكمت أيامها وليلاليها سورا فاصلا بين صاحب الخبر والمخبر عنه. كما أن هذا الخبر ظل غير معروف لأحد من المؤرخين الذين تلوا القفطي، والذي انفرد به على فترة تطاول ثلاثة قرون وعشر سنوات على حد تعبير شاكر. ولذلك خصص الاستاذ شاكر هذه الجولة لمقارنة أقوال القفطي بمعاصريه ومصادر أخبارهم، بغية استظهار صحة ما ذكره القفطي حول المعري، لينتهي إلى أن ماجاء في خبر الراهب باطل لا يقوله إلا جاهل بشعر أبي العلاء،والزمن الذي ظهرت فيه تهمته في دينه. وفي جولة ثالثة بعنوان «بل قبيحا» يفضح شاكر سلوك د. عوض في تحريف خبر القفطي بخصوص لقاء المعري براهب دير الفاروس، مما أثر على إيمانه الذي انعكس في اشعاره التي اعتذر عنها فيما بعد. ولذلك يتقدم شاكر بإعلان منهجه في دراسة هذا الخبر، القائم على البداهة والعقل كما يقول، مبينا من هم آباء أبي العلاء، ومنزلتهم في العلم والفقه والديانه، ومن هم شيوخه من كبار العلماء لينتهي الاستاذ شاكر بنتيجة قاطعة بأن أبي العلاء لم يرحل قط إلى طرابلس لا في صباه ولا في شبابه ولا في كهولته ولم يجتز بدير الفاروس، ولم ينزل به البتة. ومن ثم فإن أبي العلاء لم يلق راهبا يشدو شيئا من علوم الأوائل، فيسمع منه أبو العلاء كلاما من أوائل كلام الفلاسفة. وفي جولة أخرى بعنوان «بل شنيعا» يستعيد اسلحته التي شهرها في جولاته السابقة ضد د. عوض،معتبرا إياه فاقدا للأهلية والجدارة العلمية، بعد أن جعل واحدا من أهم شعراء العربية واحداً من المقاطيع واللقطاء ليدور ويتسكع، ثم يطرحه في أيدي الرهبان يثقفونه من أدب وفلسفة. وبناء على ذلك ينكر شاكر على د.عوض لقبه العلمي تنزيها لهذا اللقب من الابتذال. وأضاف: وكنت أظنه واجبا قديما على جامعاتنا أن تعيد النظر في هذه الاجازات التي تمنحها بعض جامعات الدول الكبرى اليوم لبعض من يثبت الاختبار أنهم دخلاء. ورأي شاكر أن ما فعله د. عوض في شأن العربية وشعرها وأدابها لا يقل تدليسا بكتابته عن آداب الروم واليونان والإنجليز. الإثارة التي تحملها هذه الجولة لم تقتصر على قيام شاكر بتجريد د. عوض مما أسماه طيلسان الاستاذية المتخذ أداة للخداع، فشملت جريدة الأهرام التي اتهمها شاكر بافتقاد المسئولية لنشرها تفسير د. عوض حول سورة الرحمن ضمن تحليله للمصادر التي تأثر بها الشاعر الإيطالي دانتي في كتابة قصيدته الكوميديا الإلهية في إطار المقارنة بينها وبين رسالة الغفران للمعري. جولة ساخنة تلك، حيث وجد فيها شاكر غايته العلمية أمام تجرأ د. عوض على الدخول في منطقة تتصل بالمقدس الإسلامي، وفي المقدمة منه القرآن الكريم، رغم أن إحساسه باللغة ضعيف بالفطرة وعدم قراءاته حرفا واحدا بالعربية بين سن العشرين والثانية والثلاثين إلا عناوين الأخبار في الصحف السيارة وبعض المقالات الشاردة على حد ما أورده الاستاذ شاكر نقلا عن د. عوض ذاته في أحد مقالاته. بيد أن الاستاذ شاكر لم يشأ أن ينهي حملته الضارية على د. عوض عند هذا الحد، فجاءت جولته الأخيرة معه تحت عنوان «ضفادع في ظلماء ليل» والتي كشف فيها الاستاذ شاكر عما اسماه الاهانة والتلويث التي الصقت بالشاعر اليوناني أرسطوفان عبر الترجمة العربية لمسرحيته الضفادع التي قام بترجمتها د. عوض. وفي هذا الإطار بادر شاكر بمراجعة الترجمة العربية استنادا إلى النص الأصلي فأظهر أخطاء متعددة تسيء إلى ما أراده الشاعر اليوناني، مما جعل من هذا النص مسخا على حد تعبير شاكر. هكذا جاءت جولات شاكر مع د. عوض عبر منازلته الشاملة ضد كل ما كان يراه شاكر هادما لكيان الثقافة العربية الإسلامية، فجاءت معركته تلك بيانا ساطعا لاجتهادات عالم كبير.