بيان الكتب: يضع الناقد يوسف سامي اليوسف في كتابه الجديد القيمة والمعيار أزمة الشعر والنقد تحت مجهر الفحص وإعادة النظر، في محاولة لتأسيس منهج تقويمي جديد يقوم على البحث عن القيمة التي يحملها العمل الادبي، او الشعري على وجه الخصوص. ويستدعي منه ذلك إعادة مراجعة مفاهيم سابقة، وربما تكون راسخة في مجمل ما انتج من ممارسات نقدية قديمة وحديثة، فيرى ان نظرية الادب بعامة والشعر بخاصة في الثقافة العربية تحتاج الى تأسيس وإغناء وتطوير، وذلك بغية اتخاذها تربة خصيبة من شأنها أن تخصب النقد الأدبي نفسه. وهو في بحثه يحاول ان يقترح منهجاً نقدياً مرناً، يتسم بالحرية، ويستند بشكل أساسي الى الذائقة الفنية التي تستعصي على الإحاطة والتقنين، والتي غايتها القصوى الروح الإنسانية التواقة أبداً الى التحرر. وفي سعيه النظري المتجدد يحيل اليوسف الى عدد من المرجعيات النقدية ذات الخبرة، تلك التي اعلت من قيمة الذوق الأدبي في معرفة قيمة النص، من ذلك: القاضي الجرجاني، وحازم القرطاجني، وعبد القاهر الجرجاني، وابن عربي، والباقلاني، وابن طباطبا، وعز الدين بن الأثير، وآخرين. وفي عرضه لمفهوم القيمة والمعيار كما يراهما في الشعر، ينطلق بداية من مقال الشعر وسؤال القيمة، فيرى في هزيمة القيم الروحية التي لحقت بالمثالية في القرن العشرين، السبب الأساسي لنمو الاتجاهات الشكلانية وتكاثرها، بحيث تعرضت بذلك أسانيد الوجود البشري نفسها لنقض وتهديم لم يألفه التاريخ من قبل. والفنون والآداب ولاسيما الشعر، هي أولى الأنظمة الروحية التي تضررت نتيجة لاندحار المثالية امام المادية، الأمر الذي أدى ايضا الى انحسار الكيفية الجوهرية للمنجزات الفنية والأدبية في الغالب الأعم. فخسارة القيم العليا جزء من خسارة الانسان وقيمه. وهو يرى ان النص الشعري، بل العمل الفني جملة، تتناسب قيمته طردياً مع سعة انتشاره في آفاق الارض، وكذلك في صموده امام تصرم الازمان، او تأبيه على الرضوخ لقيمها التدميرية التي من عادتها ان تحيل الكائنات الارضية الى ما يشبه سقط المتاع، وبذلك يصح القول بأن الناقد الجهبذ هو الزمن وحده. من خلال هذا المنطلق يناقش الناقد يوسف اليوسف معايير الخلود في العمل الفني، ويقدم أمثلة ناصعة على فروضه، ويخلص من ذلك الى ان الانتشار الواسع لنص ما لا يملك ان يكون بحد ذاته معياراً كلياً يصح لاستصدار حكم القيمة، وهو الحكم الذي لا يجوز ان يبرمه الا الناضجون وحدهم. ويسأل من ثم: متى تملك القصيدة ان تنجز غايتها، وان تستحق بذلك قيمة مؤكدة؟ ويرى في الإجابة ان تحقق المتعة الأدبية أساس هذا الانجاز، وأول شرط من شروط نجاح القصيدة. فالشعر لا يجتذب المتلقي من خلال الجدل والحجاج، وإنما تتعاطف معه الروح بفضل ما فيه من الرونق والطلاوة والحلاوة، وهذا ما كان عليه شأن الناقد التراثي في تعامله مع الشعر، وقد كان هذا الناقد يتمتع بأربع خصال هي صفات الناقد الأدبي الناجح: الذوق المرهف الحساس، أصالة النزوع المعياري، القدرة على الموازنة، غريزة التمييز بين الغث والسمين. وان توافر مثل هذه الخصال يؤهل الناقد لإصدار حكم القيمة الناضج. فغاية القصيدة هي معيارها نفسه وليس أي شيء سواه، أي انتاج شعور أصلي او عميق، يبعث في نفس المتلقي، وهذا ما يتماهى تماما مع اشتقاق كلمة «الشعر» في اللغة العربية، وبالتالي فإن معيار القصيدة هو قدرتها على البلوغ الى سويداء الفؤاد. وان اتخاذ مبدأ التأثير في المتلقي منطلقاً لتأسيس حكم القيمة سوف يجر الى القول بأنه ما من معيار سوى الذوق، وهو أساس كل معيار، وإن فساد الذوق يدمر النقد الادبي، ويفتك بالأدب قبله. والبلوغ هو البلاغة، والحميم الدافيء هو المحتوى الجوهري لكل شعر أصيل. لكن هذا ليس المعيار الأوحد، فما هو العنصر الذي يمنح الشعر قدرته على التأثير اذن؟ وهنا ايضا تضطرب المقاييس بين الناس، في الأشخاص والأمكنة، ويخرج اليوسف الى القول انه في الشعر وفي الفن بعامة، ما من شيء يسعه ان يكون ذا قيمة الا الشكل القادر على استيعاء المحتويات الثابتة والدائمة للنفس البشرية، ويصح عنده القول ان محتوى الشعر هو محتوى النفس حصرا، وليس أي شيء آخر، او ان الشكل علاقة مع النفس، او نتاج لهذه العلاقة، وهنا يرفض اليوسف نظرية المحاكاة، يرفض ان تكون المعلقات مثلا محاكاة او وصفاً للحياة الجاهلية، ويذهب الى ان الشعر الجيد هو ذاك الذي اندرجت في أعماقه محتويات اسطورية مستسرة، تفعل او تؤثر على نحو لا شعوري فحسب. ثم يناقش موضوع الصورة الفنية في الشعر، وعدم كفايتها لتحقيق روعة النص. الصورة في كليتها وتأثيرها النابع من المناخ وليس من الشذرات. يضاف الى ذلك معيار التوتر، الذي يزود اللغة بالدينامية والحيوية. انه التوتر الخلاق، كما عند المتنبي والمعري، فعند المتنبي توتر وخلاف بين الانا والمجتمع، وعند المعري توتر وخلاف بين الانا والوجود. لذلك يبرز عنصر القيمة في شعرهما اساسا مكينا لتجربتهما الشعرية، وهكذا فالناقد في رأيه اسم لا يستحقه عن جدارة الا من كان شديد الاهتمام بالقيمة، او الدراية بما تنطوي عليه النصوص من قيم فنية، وكل نقد لا ينخرط في هذه التجربة لا موقع له الا على حاشية النقد، وليس في متنه الأصيل، فانتاج الفنون هو انتاج القيم نفسه، او السعي بحثا عن الرفعة الروحية، أو عن الارتقاء بالانسان. اما عن الشعر وعلاقته باللغة فيرى اليوسف ان الشعر في حقيقته ما هو الا اكتشاف لمنابع اللغة، وتوظيف لطاقاتها على نحو لا يستطيعه اي نثر مهما يكن نوعه او مستواه، فالشعر اطلاق لاستطاعة اللغة، او لقدرتها المتعالية، بحيث يحيل اللغة الى جمال، وهذا شأنه قبل أي فن آخر. وللشعر علاقة بالخيال المعافى الذي هو من سلالة الجمال. ولكن الخيال يخسر قيمته حين يتطرف ويستحيل الى غيبوبة. وتأسيساً على ما سبق يشرع المؤلف في توصيف تجربة الشعر الحديث، وينظر اليها من زاوية المعيار والأسس المفترضة السابقة، ويرى في معظم نماذجه الضحالة والجفاف وتعكير حوض القصيدة باسم الغوص في الأعماق، فيوجه بذلك نقده الشامل للتجربة الشعرية الحديثة. ويعترف اليوسف في تناوله لموضوع الشعر والذائقة بصعوبة ايجاد تعريف او تحديد للذوق وماهيته كما بالنسبة لمعظم المفاهيم المجردة الأخرى. فالذوق بحسب ما يعرفه: هو الانفعال «التأثر، الالتقاء» بالوسيم او باللطيف على نحو ممتع او منعش. ثم يتحدث مقارنا بين الذوق الصوفي والذوق الادبي، وعن غاية الذوق التي هي المتعة، وغايته النهائية تفتح الروح على آفاق جديدة لم يألفها الوعي من قبل. وحول صورة المرأة الأنقى كما عند شكسبير ودانتي وابن عربي «الهي» يقدم دراسة موسعة للفردوس المفقود لدانتي وللطفولة والنضارة فيه، محاولا تلمس بعض ألطاف الكوميديا والعناصر الذوقية فيها. مازجا المتعة والفهم في بنية واحدة. كما يتلمس عنصر الذوق في الرواية وخاصة الروسية منها. ويعرض لبعض مقولات الذوق الفني عند النقاد العرب القدامى، ولبعض نماذج استقرائهم له في الشعر، ووقوفهم عليه كقيمة عليا في الأدب. مؤكدا على قيمة الذوق في العمل الادبي وفي النقد الذي يرجى منه ان يقوم بمهمته، فيحكم الذوق في كشف النصوص وقراءتها على نحو يشيع حاجة النفس الى المتعة الادبية. ان ما تقدم عرضه سيقود الباحث الى تناول وظيفة الشعر، فينطلق من تصور عبد القاهر الجرجاني عن اللغة في الشعر، ليقرر معه ان الشعر هو استجابة النفس للغة، او لنداء العلو اللغوي. فيرى تأسيساً على ذلك ان الشعر هو برهة كمال اللغة، وأعلى اطوارها، وأسمى تجلياتها على الإطلاق. فالمتعالي الذي في الشعر يقف في مواجهة اليومي والوقتي والحقائق الخارجية المبذولة للبصر دون البصيرة. ثم يتحدث عن حاجة الشعر الى الطاقة التعبيرية، مشيرا الى ان برهة الخيال ما هي الا اليخضور الحي الذي ينبت في الطاقة التعبيرية، فيمنحها الرونق والمزية، ويجعل منها ادبا عظيم القيمة. ويقف المؤلف عند كيفية عمل الخيال في النص الشعري، وأهميته في أنه يتجاوز المعطى ويتخطاه حين يتخيل الممكنات التي لا يدخرها الواقع، او يتعذر عليه ادخارها. والخيال يزود النصوص الادبية، ولاسيما الشعرية بعنصر الخلب والجذب والانخطاف، وهو اذ يلتحم بالوجدان او بالشعور، فإنه يكثف التجربة الداخلية للشاعر، وان انحطاط الشعر يكمن في نضوب الطاقة الوجدانية او العاطفية، تلك التي تعد الينبوع الاول لكل شعر عظيم. ان وظيفة الشعر هي تخريج الشعور، او تحويله الى بنية لغوية ماثلة أمام الحدس. ومن خلال هذه المقدمات يبحث اليوسف في وظيفة الشعر في المجتمعات الحديثة، بواقعها المرضي من حيث أزمة الروح، ويتساءل ازاء هذا الوضع عن صلة الشعر بوقتنا الراهن، وعن المهمة التي يتوجب على الشاعر في الآونة الحالية ان يقوم بها، او يتحمل اوزارها، او ما هي الرسالة التي ينبغي ان يلتزم بأدائها على نحو مسئول. ولعل الوظيفة الأعلى للشعر من بين جميع وظائفه، التي كانت له على مدى التاريخ، هي السمو باللغة الى أفقها الأكمل. وقد أسرف الناقد اليوسف في التشديد على الطابع الفردي للتجربة الادبية بعامة، والنقدية بخاصة، ولاسيما من خلال خاصية الذوق، الذي جعله يتمركز في قلب الفاعلية النقدية، الامر الذي سيؤدي حتما الى نسبية القيمة والمعيار، بل نسبية التجربة النقدية جملة. وأهم ما يؤكد عليه الكتاب هو قيمة النص الأدبي او معياره، فما هو ليس بقيمة لا مسوغ لوجوده بتاتاً، وبالتالي تتكثف زبدة القول في سؤال حاسم وهو: هل هذا النص الادبي الذي بين يدي الناقد هو فن حقيقي ام زائف؟ وان وظيفة الناقد ما هي الا اصدار حكم القيمة الناضج، او التمييز بين النفيس والخسيس، او الفصل بين الماس والزجاج. محمد عبدالواسع