بيان الكتب: يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة الأعمال المجهولة التي قامت دار رياض الريّس بنشرها مشكورة، وهو يتناول حياة وأعمال «ماري عجمي» إحدى روّاد الثقافة السورية في مطلع القرن المنصرم (1888 ـ 1965) وهي أديبة وشاعرة وصحافية بارزة، أنشأت أوّل مجلة نسائية في سوريا عام 1910 باسم مجلة «العروس»، وهي مجلة تعنى بشئون الثقافة والفكر والاجتماع، نشرت موادها في فترة تعتبر من أكثر الفترات قسوة وظلامية في تاريخ سوريا، فالاستبداد التركي كان على أشده، وفي الوقت نفسه كانت الثورة العربية الكبرى في سبيلها إلى النهوض للخلاص من عهود الظلم، التي حكمت الأمة باسم الإسلام،، بينما كان الانتداب الفرنسي يهيئ نفسه ليكون البديل الاستعماري باسم التحديث والتمدين، وكان على ماري عجمي والمثقفين السوريين يومها، أن يتّخذوا موقفاً جديراً بالوطن والثورة والاستقلال، وقارئ هذا الكتاب لابدّ وأن يلتمس مواقفها الجريئة بخصوص الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته من خلال مقالاتها الجريئة التي كتبتها في مطلع القرن المنصرم. ومؤلّف الكتاب، إذ يتعرض لسيرتها وحياتها بين دمشق وبيروت في الفصول الأول من كتابه، إلاّ انه في الفصول اللاحقة سيتناول شعرها ومقالاتها الصحافية، فيرى أنه لو أنها تفرّغت للشعر ولم تصرف جلّ وقتها في التدريس والترجمة وفي تحرير مجلّتها «العروس»، والدفاع عن حقوق الشعب والمرأة خصوصاً، لكانت تركت ديواناً ضخماً، وسيقول: «ولكن للأسف بعض شعرها قد ضاع، وبعضه سرق، وبعضه مازال مطوياً ينتظر من ينفض عنه الغبار وينشره». والقارئ لأشعارها فيما أورده المؤلّف سيلتمس قدرة بارعة على وصف الطبيعة بذلك الإحساس الأنثوي الشفّاف القادر على التوغّل والتماهي بهذه الفتنة الربّانية، لتنتقل بها في ثنايا النصوص إلى طرح جملة من الأسئلة ذات الطابع الرومانسي بصيغ الاحتجاج والاستفهام عمّا آلت إليه أحوال الشام والعروبة، وقد أعجب الشاعر أمين نخلة بقصيدتها التي رثت بها أمير الشعراء أحمد شوقي: هزّوا الغصون لعله نائم سكران في عشّ الهوى حالم فالخلد فوق رياضه حائم فقال لها: أعطني هذه القصيدة وخذي من شعري ما شئت. وراح يردد عبارتها: هزوا الغصون لعله نائم.. ثمّ إنه عندما توفيت قال في حفل تأبينها: ما لهم لا يهزّون الغصون فلعلها نائمة. ما لهم لايرون في يومها ما رأته هي في يوم شوقي؟ ولكننا بخلاف رأي المؤلّف نرى أن ماري عجمي الفتاة المثقفة كانت أدركت أهمية الصحافة ودورها التنويري الكبير في حياة المجتمع الناهض من سبات طويل، فسارعت إلى إصدار مجلّتها العروس سنة 1910، وهي في مطلع الشباب، كي تتمكّن من إيصال رسالتها في التحرر والتقدّم للمرأة والمجتمع، وفي سبيل هذا الهدف استكتبت مشاهير ذلك العصر من الكتاب والشعراء، ولم يبخل عليها أحد منهم بشعره أومقالاته، فكتب في المجلة كلّ من: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، إسماعيل صبري، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، شبلي الملاّط، الشاعر القروي، الأخطل الصغير، إلياس أبو شبكة، عباس محمود العقّاد، المازني، وفارس الخوري وغيرهم. وإن يدلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على مكانة مجلّة العروس، ومكانة ماري عجمي الأديبة والصحافية، وقارئ الكتاب سيتأكد من قدرتها وبراعتها الصحافية من خلال عشرات المقالات التي تناولت الكثير من شئون المجتمع والحياة السياسية بروح جديدة وعقلية نقدية متوثبة وقلب جسور. فالمرأة السورية كانت شغلها الشاغل، وهي إلى ذلك لم تتوان لحظة عن نقد كثير من السلوكات الاجتماعية غير المسئولة التي كانت تمارسها بعض الذاهبات في تقليد ثقافة الغرب وحياته الاستهلاكية، فتحاول ما أمكنها نشر القيم الإنسانية الأصيلة كبديل عن هذه الحياة الزائفة، فهي تعلي من شأن الأمومة الحقّة. الأمومة القائمة على مبدأ تطوير تربية الأجيال الجديدة، شأنها في ذلك شأن سعي العلماء إلى تطوير العلوم والفنون، وعلى أسس وقواعد صحيحة «وليس لتقدّم الصناعة والاختراع من شأن ما دامت البشرية واهنة القوى. وما لم تعمّ الدعوة إلى إصلاح النسل جسماً وعقلاً فلا فائدة ترجى من حضارة ورقيّ لا يصلان إلى تحسين البشر». وهي إلى ذلك ترى أن التربية والتعليم هما الأساس الذي ترتكز عليه الحضارات في تقدّمها، ولا يمكن لبلد ينشد استقلالاً وتحرراً من المستعمر، ولم يتمكّن بعد من تعميم التعليم وجعل المناهج وطنية، لأجل أن تتشبع الأجيال الجديدة بثقافته لا بثقافة المستعمر التي تعممها المدارس الخاصة الأجنبية فتقول: «لا شكّ أن هذه المدارس أرقى نوعاً من المدارس الأمريكية والوطنية، ولكنها لا تفرّق بين مصلحتنا ومصلحتها، فهي تعلّمنا لغة وتاريخ بلادها، وتثير احترامنا لتقديس راياتها، وتضع في أفواهنا نشيداً وطنياً لبلاد لم تقع أعيننا عليها. ولا أزال أذكر كم بكيت في طفولتي على الملكة فكتوريا يوم حضرتها الوفاة إذ رأيت الدموع في عينيّ معلمتي، مع أني لم أبك على أحد من قومي». أما على الصعيد السياسي والوطني، فإن أكثر ما يدهش في خطاب ماري عجمي، هو وعيها بأهمية الوحدة الوطنية ودور المثقف في تأكيد قيم التحرر من الاستعمار والوقوف بوجه أطروحاته المزيفة عن الحرية والإخاء والمساواة، فهاهي بعيد تلقيها دعوة من رئيس الوزراء ترفض دعوته، لأنها تعلّم أن هذا الاجتماع ما كان ليعقّد لولا أنه هناك توصيات محددة من قبل مدير إدارة المطبوعات الفرنسية بالتزام الكتّاب ثقافة الانتداب، والدعاية لها، فتقول: «حاولوا إقناعي بالقبول، ثمّ طفقوا يسخرون معه لإصراري على الرفض، إلى أن فاجأته يوماً بقولي: ما هي تلك الإصلاحات التي تريد أن اكتب عنها؟ قال عليّ أن آتيك بقائمة مرة بعد أخرى، وعليك إقناع القوم بها شفاهاً وخطابة وكتابة. قلت لتنجز فرنسا أولاً ما تعدنا به من الإصلاحات، فأترنّم بذكرها مجاناً!! وكان جوابي هذا له آخر عهدي به». وهي إلى ذلك ستبحث عن مآثر فرنسا التي يريدون الحديث عنها، فلم تجد شيئاً غير المحاكم والضرائب ومنافسة الشركات الفرنسية واستبدادها للشركات الوطنية. والكتاب زاخر بالعديد من المقالات التي تنحو هذا المنحى الوطني الأصيل، الذي لم يهادن الأتراك وهم في أوج استبدادهم مع جمال باشا ومواكب الشهداء الذين أعدموا في السادس من مايو، مع بترو باولي حبيبها الذي تناقلته سجون سوريا وبرّ الأناضول تائهاً في بيادي الاستبداد، ومن ثمّ ليعودوا به إلى بيروت مريضاً لا ترتجى له حياة، ولكنهم على الرغم من ذلك حكموا عليه بالإعدام فتقول: «وكما يحتفل الفتى بزفافه هكذا احتفل هذا الشهيد بمشنقته. فما دعي إلى ارتقائها حتى صاح بشركائه فيها: هلموا أيها الأخوان إنها لأرجوحة الأبطال». وهي إلى ذلك ستقارن بين جمال باشا السفّاح وبين الأمير عبد الله قائد الثورة العربية من خلال لقاء صحافي أجرته معه في العام 1918 لتؤكّد على خصال الأمير الأصيلة وثقافته ورؤيته المستقبلية، وذلك عندما يحدثها على وجوب النهضة النسائية لتصبح المرأة العربية في مصاف أرقى نساء الأرض، فتحضر صورة جمال باشا بالمقابل فتتمثل لها مشانق الجند الفارين الذين كانوا يعلقون بالعشرات على أبواب المدينة: «تمثّلت لي تلك الرعشة التي كانت تأخذنا من الصباح إلى المساء، إذ لم يهبّ أحد لنجدة الأمة من الهلاك، كأن الحسّ قد تلاشى في الأعصاب والشهامة ماتت في النفوس! وإذ ببوق الانتقام يدوي في أطراف الحجاز. وهنا شعرت بسرعة جريان الدم في عروقي فقلت ولم أتعود الشكر حاضراً: مولاي إن العرب أجساد أنت روحها، وإننا إذا ذكرنا العرب فأنت كلّ العرب، وليس من العجب أن نرى من يفتدي الأمة من الهلاك يصعد بها إلى أوج الرقي والعمران». وفي مقالة لها عن «الحرب والمجد» سوف تتضح لنا أبعاد رؤيتها الإنسانية ومعاداتها لسبل تحقيق المجد بالحروب، وستعتبر ذلك امتهان للكرامة الإنسانية وسلوك وحشي يتساوى فيه السفاح والبطل، فلا فرق بين فرعون ونيرون وتيمور لنك الذين وصفهم التاريخ بالوحشية، وبين الإسكندر وبونابرت وغيرهما من الأبطال الذين يثني عليهم التاريخ، لأنهم جميعاً بحثوا عن أمجاد زائلة فتقودهم الأوهام إلى قبور البشرية مترنمة بأناشيد الموت وهم يحسبونها ألحان الحياة. هكذا تفصل الأجساد عن الرؤوس من أجل أراض صماء تبتلع الإنسانية ولا تفنى. إن كلّ ما أحرزه نابليون من الظفر في «أوستر ليتز» لا يوازي خسارة حياة إنسان واحد في عين الله.. لا أرى في العالم إلاّ شرائع الدمار ووسائط الخراب.. إن حفلة تعقد لترقية المدارس هي خير لدى العقلاء من تأليف أسطول انجليزي ثان، وعمل باستور في العالم هو أشرف وأفضل من عمل جميع أبطال العالم وفاتحيه. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، أنه: لماذا بقيت أعمال ماري عجمي وأولئك النفر من النساء الرائدات مجهولة حتى الآن، ولماذا ظلّ الذكور من رعيلها من الكتاب ممجدين في مناهجنا الدراسية وفي منابرنا الإعلامية؟ ألاّ تستحق المرأة العربية أن تخرج من فضاء الحريم والمطابخ في ذاكرتنا الجمعية إلى ما تستحقه من تكريم، أو على الأقل تأخذ حيّزها المناسب في تاريخنا الثقافي، لدورها الإبداعي والتنويري الذي قامت به؟ أعتقد أن مبادرة دار الريّس لنشر مثل هذه الأعمال المهمّة، تساهم إلى حدّ كبير في بعث تقاليد ثقافة التنوير، التي أريد لها أن تغيب من حياتنا، وهي بذلك تستحقّ منّا جميعاً كلّ الدعم والمساندة. عزت عمر