بيان الكتب: يتساءل الباحث الجزائري محمد جربوعة في مقدمة كتابه الجديد «القضية الكويتية العراقية.. الافرازات ـ الدروس ـ الافاق بعد تسميتها بالحالة».. هل يكمن الحل في اعادة تسمية لمسمى بغير اسمه الحقيقي وهل سننجح فعلاً في ان نلبس مشكلة ما اسم الحل مشيراً الى ان تجاوز الواقع باعتماد سياسة الهروب الى الامام يعد في حد ذاته مشكلة. فتسمية مشكلة الكويت مع العراق بالحالة لا يحل العقدة فإلى اليوم مازالت هناك تصريحات تعتبر الكويت ولاية عراقية ومعنى ذلك ان امر ضمها سيبقى قائماً ومتروكاً الى المستقبل كما ان ربط وضع وواقع الشعب العراقي بتصريحات هذا المسئول العراقي او ذاك او سياسته امر لا يمكن ان ينهي حال التأزم لانه لن يعدو ان يكون استغلالاً لآلام الشعب لتحقيق مصالح ومآرب سياسية. ويرى الباحث ان الام الشعب العراقي يجب ان تكون فعلاً ـ لا تسجيلاً لموقف ـ الام كل عربي وكل مسلم بل من المفروض ان تكون الام كل انسان حي الضمير فهناك اثار وخيمة قد وجدت من جراء الغزو كافرازات لكسر ما لا يجب ان يكسر.. فالامر لا يحتاج اليوم الى تدبيج الصفحات في الدعاية المبتذلة بقدر ما تستوجب دراسة التصدعات وطرق ترميمها بدقة وعمق وعناية. ويشير محمد جربوعة في الفصل الاول من كتابه الجديد ان الغزو العراقي للكويت كشف هشاشة التكوين القومي عند الجيش العراقي الذي تحول الى آلة استعملها افراد في ضرب البنية القومية على المستوى الواسع الذي اظهره الشرخ الكبير في تباين المواقف في معالجة الازمة وما افرزه ذلك من التكنين اما الى جانب الكويت واما الى جانب العراق مستنصراً هل للجيش العراقي ومتنفذيه خصوصاً عقيدة قومية يرجع اليها وينطلق منها ويضحي من اجلها حتى ولو تعارض ذلك مع الاراء الشاذة للطبقة الحاكمة ان هذه القومية لا تنمي سوى الدوران في متاهة فكر رأس الهرم. ما يدفعنا الى محاولة دراسة هوية الجيش العراقي باعتباره الآلة المستعملة في تقويض البناء القومي دراسة متأنية. فقد كشفت ازمة الخليج الانحسار الرهيب للجيش العراقي عن جسم الامة مع العلم ان مجموع الشعب العراقي ذاته كان ومازال بعد دراسة متأنية جزء لا يتميز عن مجموع الامة. لذلك يرى الكثير من علماء الاجتماع والنفس ان مشكلة الجيش العراقي ليست مع الاخرين بقدر ما هي مشكلة مع نفسه ومع ثوابته. ويؤكد الباحث مرة اخرى ان القسوة التي مازالت تمارسها قوى الجيش والامن ضد المواطن العراقي ذاته بعد الغزو تدل على مدى ترسخ عقلية «الآلية» في تطبيق اوامر الاخر «الرأس»، غير ان هذه الآلية تكسب بالتقادم سقوط الاحساس بالذنب الامر الذي يجعل الجندي لا يقدم على تنفيذ الاوامر خوفاً من مغبة عدم الانضباط فقط بل ويتلذذ احياناً.. فواقع الغزو قد جعل قسوة شهوة الحكم تتجاوز حدودها الواقعية الى حدود وهمية طموحة قائمة على اخضاع الممكن من الدول المجاورة لهذه القسوة وادخالها تحت النير وفي هذا الطرح تجاهل كبير لابجديات المنظومات التشريعية والقانونية الدولية القائمة على التدخل للحماية وعلى اخضاع الجميع لنظام عالمي جيد ممركز. فالتصرف بحرية في الاطار الاقليمي معناه التجاوز لضوابط مركزية النظام العالمي الكوني الذي لا يسمح حتى في مجال الاقتصاد بالتكتل الا في اطار الدولة الاولى بالرعاية. فكيف بالذي يفكر في الضم القسري لدولة اخرى معترف بها دولياً معتبراً ذلك لعباً مباحاً في اطار الاقليم الذي يجب ان يكون شرطيه المسكوت عنه هو الاقوى. ويرى الباحث جربوعة في فصل اخر من الكتاب الجديد ان عقلية الضم القسري التي تبناها العراق وقام بالتحرك في اطارها عبر غزو 2 اغسطس 1990 يقابلها في الشق الاخر العقلية الشعبية الجمعية الجزئية (المساواة بالانفصال والتي يعاني منها العراق ذاته مشيراً الى مقالة لبييربايلو نشرها في مجلة لوبوان الفرنسية بعنوان «العالم في خطر البلقنة» تحدث فيها عن بعض الاقاليم المهددة بالانقسام ومنها الهند وايران والعراق حيث ثلاثية الشيعة والعرب والسنة والاكراد تعتبر قنبلة حقيقة موقوتة بالنسبة له. وقد ادى حلم التوسع اللامشروع الى انقسام الرأي الشعبي داخلياً في العراق مما فجر براميل البارود وزاد من قوة مطالب الانفصال. فالنظام العراقي بغزوة للكويت يكون قد حقق نقيض ما كان يصبو اليه من الضم فقد فتح بابا للانفصال والانشطار الداخلي واعطى مبرراً كبيراً لتحرك وانتعاش الحركات الانفصالية والمعارضة بل واعطاها مجالاً عربياً ودولياً واسعاً للتحرك والتمركز وتلقي الدعم وهو الامر الذي جعل هذه المعارضة تعد تمثيلاً شبه رسمي احياناً للعراق في ظل غياب التمثيل الرسمي في الكثير من الدول. وتحت عنوان «الجبهة الداخلية الى اين» يرى الباحث الجزائري ان الكثيرين يعتقدون ان النظام العراقي خسر في الاصطدام العنيف سيارته لكنه لم يخسر التهور في القيادة وانذاك فسرعان ما تستر والالة وتعود حليمة الى عادتها القديمة.. لذلك فان السؤال الذي يطرح نفسه هل سيفعلها «صدام حسين» مرة اخرى ويوجه غزاته نحو الكويت لتحقيق حلمه القديم في حال سقطت امريكا كما سقط الاتحاد السوفييتي؟ حيث يعتبر هذا السؤال من الاولويات التي يجب البحث فيها من قبل استراتيجيي المنطقة الخليجية لان النظام العراقي اما ان يكون قد اخذ درساً فعلياً مما حدث وانه استوعب هذا الدرس مع عقد النية على عدم العودة الى مثل هذه التصرفات دون اعلان ذلك والاعتراف به لاسباب عدة واما ان يكون قد تقوقع تحت ضغط الواقع مع تحين الفرصة والتربص للانتقام. فالذين ينادون اليوم بوجوب اعتراف النظام العراقي بخطئه اعترافاً واضحاً يجب ان يفهموا ان القضية ليست في الاعتراف اساساً بل فيما بلورته سنوات الحصار من فكر سياسي عند النظام العراقي. ان مراعاة العراق للقوانين الدولية وبالتالي الانسجام معها سيكون مع بداية مرحلة «عراق ما بعد الحصار» لان النظام العراقي سيكون مكتفياً والى عقود بنصر ومفخرة الصمود تحت الضربات الداخلية والخارجية دون ان يسقط.. ثم ان عراق المرحلة المقبلة مرحلة ما بعد العقوبات سيكون وارث ازمات اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية وغيرها وهو الامرالذي سيكرس على طاولة النظام ومؤسساته ملفات ثقيلة ومصيرية تفرض نفسها لسنوات عدة.. فعلى المستوى الاقليمي يرى محمد جربوعة في كتابه الجديد انه سيكون امام النظام العراقي مهمة رسم لنفسه موقعاً جديداً محاولاً تجسيد هذا الموقع فعلاً انطلاقاً من واقع التكنينات والاقطاب الاقليمية التي يفرضها النظام العالمي الجديد.. فهذا التكنين الاقليمي سيجعل النظام العراقي يتأرجح بين الخليج العربي من ناحية وبين ايران من ناحية اخرى وروسيا من ناحية ثالثة والذي يحدد موقفه الحقيقي ليس هو ذاته بل قدرة الاخر على ادماجه كشريك هام في اطار الاحترام المتبادل والتكامل المصلحي المبني بناء على نظرة الرفاه لا نظرة التوحد الثوري. ورغم ان العراق سيحاول في مرحلة ما بعد الحصار امتصاص افرازات ومخلفات سنوات العقوبات الا انه سيجد نفسه امام ملفات ملغمة واخرى لا يملك مفاتيحها منها هذه الاعداد الهائلة من العراقيين الناقمين على الوضع والذين هجروا البلاد ونال الكثير منهم حق اللجوء السياسي وانضم غيره الى صفوف المعارضة كذلك يرى الباحث الجزائري ان الرضا بعودة هذه الاعداد معناه التجاوز، الرسمي عن جريمة الانفصال الفكري عن خط النظام وبالتالي الاعتراف بتعدد الرؤى السياسية وحق المخالفة في الرأي وهو ما يعني في النهاية الاعتراف بتكنينات سياسية معارضة. اما اذا فكر النظام العراقي بعد كل هذا ان يترك حل جميع المشاكل ومعالجة جميع القضايا وان يهتم فقط بمتابعة امنية وعسكرية للمعارضة فانه سيدخل مرحلة اخرى من انتحار نجعله مفتوحاً على كل الاحتمالات المدمرة وهو الامر الذي سيمدد فترة التأزم الى اجال مفتوحة وغير قصيرة. فالنظام العراقي بعد رفع العقوبات عنه وبداية تعافيه سيبدأ رحلة التفكير ثم تجسيد الوحدة الوطنية فاما التعايش واستيعاب الاخر وفتح لغة الحوار واما توجيه الدبابات الى المناطق المتمردة لاعادتها الى بيت الطاعة وهو الامرالذي لن يكون سهلاً امام القوانين الدولية المساندة لحق تقرير المصير بالانفصال في بعض الحالات. وعن اشكالية الولاء يرى الباحث في كتابه الجديد انه من غير اللائق دراسة افرازات مأساة الغزو دون الوقوف وقفة متأنية مع مئات الآلاف من المشردين العراقيين الناقمين على النظام والذين اصبحوا يشكلون ظاهرة تستوجب الدراسة والتحليل فحين يضطر مئات الآلاف من العراقيين الى الهجرة الى البلدان الاسكندنافية او استراليا او امريكا سترى اجيال نسلهم بعيدة عن دينها ولغتهم واعتزازها بالوطن العربي فان النظام العراقي يكون بذلك قد قدم فعلاً خدمة كبرى لكسر شعار القومية الذي يرفعه.. كما ان ضعف الصلة بالنظام معناها الكفر بوطن تمتصه النخبة ويحرم منه غيرهم من عموم الشعب ومعناها بعد ذلك وجود شعب يبحث عن وطن جديد وهو ما يسميه الباحث في الحالة العراقية «بتغريبة الشعب العراقي». ويخلص الباحث الى القول ان الغوص في دراسة الظاهرة يعد لتصوير الصحيح لها بجوانبها الخفية ومسبباتها المستورة والمستترة. هاجر احمد