بيان الكتب: يطلق على مشروع (طريق الحرير الجديد) مشروع القرن فهو المشروع الذي سيربط بين ميناء (ليانينجانج) الصيني الواقع على بحر الصين والمحيط الهادي في أقصى شرق القارة الاسيوية بميناء (روتردام) الهولندي في أقصى غرب القارة الأوروبية عبر اسيا الوسطى، مرورا بما يقرب من أربعين دولة من خلال سلسلة من الممرات التنموية التي تتكافل فيها كافة وسائل النقل من سكك حديدية وطرق برية بما يعزز التعاون الاقتصادي والعلاقات التجارية بين مختلف البلدان الواقعة على امتداد الجسر، ويقلل من مخاطر العداء بينها ويجسد فكرة العولمة التي ساد الحديث عنها مؤخرا. ويضم كتاب (طريق الحرير الجديد) أوراقا ومناقشات مؤتمر كان قد عقده مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة العام الماضي تحت عنوان (طريق الحرير الجديد) واثره على المصالح المصرية ويتعرض في فصله الأول الى نشأة طريق الحرير القديم ومساره وكيف كان يربط بين الحضارات القديمة في الصين والهند وفارس والشرقين الأوسط والأدنى وأوروبا ليس في فقط كطريق تجاري بل أيضا كجسر لنقل الثقافة والمعرفة منذ نحو اثنين وعشرين قرنا®. ويتناول الفصل الثاني المشروعات الجديدة المطروحة على الساحة لاحياء طريق الحرير واهمها مشروعات على درجة كبيرة من الوضوح والبلورة، أولها المبادرة الصينية التي ظهرت خلال مؤتمر دولي عقد في العاصمة بكين في مايو 1996وشاركت فيه وفود من أربع وثلاثين دولة وثانيها المشروع الذي تضمنه التقرير الصادر عن مجلة (EIR) عام 1997 وفق تصور الاقتصادي الأمريكي (ليندون لاروش) وتتناول الفصول من الثالث وحتى الثامن مواقف الدول الفاعلة والمعنية تجاه طريق الحرير الجديد ومن أهمها الصين، ايران، طول اسيا الوسطى، روسيا، وجورجيا، فضلا عن الموقف الأوروبي من المشروع والدوافع التي تكمن وراء اتخاذها مثل هذا الموقف. أما الفصلان الاخيران في الكتاب وهما التاسع والعاشر فيتناول الأول منهما تأثير طريق الحرير على النقل البحري مع التركيز على تأثيره على قناة السويس، بينما يركز الفصل العاشر على التأثيرات المحتملة لطريق الحرير الجديد على المصالح المصرية في مختلف جوانبها، وفرص الارتباط المصري بالمشروع. طريق الحرير القديم كان للصين السبق التاريخي في اكتشاف دودة الحرير واستخراج خيوط الحرير منها وذلك في الألف الثالث قبل الميلاد، وينسب الصينيون هذا الاكتشاف للامبراطور سي لنج شي ويقال أن لفظ (Silk ) ـ بمعنى حرير ـ قد اشتقت من اسم هذا الامبراطور، وقد ظل سر استخراج الحرير وصناعته قاصرا على الصينيين دون غيرهم من الأمم والشعوب، واقتصر استعماله على الامراء والحكام في الصين دون الشعب، ولم يسمح بتصدير الحرير المصنع في الصين الى خارجها إلا في عهد اسرة هان 206 (ق.م ـ 220 ق.م) وعندئذ احتل الحرير مكانة هامة في تجارة الصين الخارجية واشتد الاقبال عليه في الشرق والغرب ولذا يعد طريق الحرير من أقدم الطرق البرية حيث يبدأ في أواسط اسيا والصين ثم الهند ويسير حتى بخارى ليتفرع فرعان الأول يتجه نحو بحر قزوين ونهر الفولجا وبلاد البلغار، والثاني يتجه الى البحر الأسود وموانيه ثم القسطنطينية وأوروبا، وتخرج من الطريق فروع جانبية الى بلاد الشام وساحل البحر المتوسط واخر الى بغداد وديار بكر®. وقد اشتهر هذا الطريق البري باسم (طريق الحرير) اذ كان أهم مايحمل فيه من بلاد الصين، وكان طريق الحرير بداية للاتصالات الودية المتبادلة بين الصين والعرب ومختلف البلدان الاسيوية والاوروبية القديمة ولم تقتصر العلاقات على الجانب الاقتصادي فقط، انما شملت السياسة والثقافة والفنون وغيرها واذا كان الصينيون هم الذين فتحوا الطريق البري أو طريق الحرير من شرق آسيا، فإن العرب هم الذين فتحوا الطريق البحري من البحر الأحمر والخليج العربي الى الهند وشبه جزيرة الملايو الى جنوب الصين وعرف هذا الطريق البحري الى الصين باسم (طريق التوابل). واذا كان طريق الحرير القديم قد ساهم في ازدهار حركة التجارة في العالم القديم وتبادل السلع والافكار وسلكه الدعاة الى الدين الاسلامي، فإن هذا الطريق نفسه كان سببا في شقاء العالم الاسلامي وذلك حين سلكه جنكيز خان وجحافل التتار ودمروا خوارزم وسمرقند وبخارى في بلاد وماوراء النهر واسيا الوسطى ومرورا ببغداد وبلاد الشام، حتى وصلوا الى مصر حيث تصدى لهم سيف الدين قطز وأوقف تقدمهم الى أوروبا. بعد طريق الحرير القديم جاءت عدة أفكار لممرات قارية في القرن الماضي وقد بدأ الاقتصادي الأمريكي هنري كاري في انشاء أول جسر عبر قاري العالم في الولايات المتحدة وذلك في الستينيات من القرن الماضي ليربط الشواطئ الشرقية للبلاد على المحيط الأطلنطي بالشواطئ الغربية على المحيط الهادي من خلال ممرات تنموية تتمحور حول شبكة من خطوط السكك الحديدية لتنمية وتطوير اراضي الغرب الأمريكي، ولم يتوقف الأمر بالأمريكي هنري كاري عند هذا الحد، بل اقترح امكانية تطوير ممرات وجسور قارية مماثلة عبر أور وآسيا من المحيط الأطلنطي الى المحيط الهادي، ومن بحر الشمال الى المحيط الهندي بهدف تحقيق نجاحات مماثلة في المناطق الداخلية®. وسرعان ماذاعت فكرة كاري في كل من أوروبا واسيا وتبنتها كل من ألمانيا وفرنسا والصين وألمانيا التي وافقت جميعها انذاك غير أن الامبراطورية البريطانية رأت ذلك مصدر خطر عليها كقوة بحرية عظمى ولهذا السبب اعترضت على المشروع بقوة شديدة، وبالتالي لم تخرج فكرة كاري الى حيز التنفيذ الفعلي خارج نطاق الولايات المتحدة الا بعد نحو قرن من الزمان مع انشاء الجسر القاري الأوروآسيوي الأول في الستينيات من القرن الماضي، والذي يربط بين ميناء ناخودكا الروسي في الشرق ومدينة روتردام الهولندية في الغرب عبر سيبيريا بطول 13 ألف كم. ويعتبر مشروع (طريق الحرير الجديد) هو أحد النتائج الكبرى التي اسفرت عنها نهاية الحرب الباردة، اذ أدت تلك النهاية الى تطلع بعض القوى الآسيوية الى توسيع مجالها الاقتصادي الخارجي، والارتباط بعملية العولمة الاقتصادية، وفي هذا الصدد لعبت الصين وتركيا وايران أدوارا مهمة في تطوير فكرة هذا المشروع وتطبيقه، وفي 3 يونيو عام 1992 أعلنت الصين رسميا انها على وشك تشغيل طريق السكك الحديدية الأوروآسيوي، وهو خط حديدي يربط الساحل الشرقي الصيني بآسيا الوسطى، ووأضحت الصين أن الخط الحديدي يختصر المسافة الى الشرق الأوسط بالمقارنة بالطريق الأوروآسيوي الأول، وهو الطريق التقليدي الذي يمر عبر سيبريا داخل الأراضي الروسية ومنها الى أوروبا بحوالي ثلاث آلاف كيلو متر®. ومن ناحيتها بدأت مصر في بناء مايسمى (خط الشرق السريع) وهو خط سكك حديدية يبدأ من الدلتا ويستمر عند مدينتي الاسماعيلية والفردان حتى مدينة رفح عند الحدود المصرية، ومن المقرر أن يمتد هذا الخط عبر المشرق العربي مرتبطا بطريق الحرير الجديد. يذكر الكتاب أربعة مجالات مهمة سيؤثر من خلالها طريق الحرير الجديد على المصالح الدولية. أولا: الأثر الكلي للطريق على التجارة الدولية حيث يرى بعض الباحثين أن تنفيذ الطريق الأوروآسيوي من شأنه أن يؤدي الى انعاش الاقتصاد العالمي الكلي وزيادة مستوى التبادل التجاري بين الدول ويرى أن مصر يمكن أن تستفيد من ذلك. ثانيا: اثر طريق الحرير الجديد على الموقع الاستراتيجي المصري، ويمكن أن نخطط للارتباط بهذا الطريق ومن المحتمل أن يمتد الى شمال أفريقيا في حالة تنفيذ المشروع الليبي ـ المصري لمد خط السكك الحديدية الى ليبيا ومنها الى شمال افريقيا، ومن ثم، فإن الطريق الأوروآسيوي يؤدي الى استعادة المكانة الاستراتيجية لمصر كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وافريقيا، هذا بالاضافة الى فتح افاق جديدة لسرعة نقل البضائع الى الدول التي سيمتد اليها الطريق. ثالثا: أثر طريق الحرير الجديد على علاقات مصر بدول آسيا الوسطى حيث أن مصر ليس لها اتصال جغرافي مباشر بحري أو بري أو جوي مع دول اسيا الوسطى، وهذا يشكل احد العقبات امام التجارة بين مصر وتلك الدول ومن شأن طريق الحرير توفير اداة للاتصال البري بدول اسيا الوسطى من خلال بلدين احدهما أما نقل البضائع بحرا الى الموانئ الايرانية، ومنها عن طريق شبكة السكك الحديدية الى اسيا الوسطى، والثاني نقل البضائع عبر الطريق بالكامل عند اكتماله. رابعا: اثر طريق الحرير الجديد على الملاحة في قناة السويس، وليس مؤكدا حتى الآن حجم التأثير الذي سيتركه بناء الطريق على الملاحة في قناة السويس، فمن المحتمل أن يؤدي الى جذب جزء من البضائع المنقولة من شرقي وجنوب شرقي اسيا المتجهة الى أوروبا، وذلك بنقلها بالسكك الحديدية عبر هذا الخط، وتشير احصائيات هيئة قناة السويس انه خلال عام 1999 بلغت نسبة عدد الأطنان المنقولة من منطقة جنوب شرقي وشرق اسيا والمتجهة شمال قناة السويس 41.9% من اجمالي عدد الاطنان المشحونة في الاتجاه الشمالي للقناة®. ومن المحتمل ان يتجه جزء من تلك الحركة الى الطريق الجديد، ولكن هذا الاحتمال ضعيف، ذلك أن البضائع التي ستنقل عبر هذا الخط سيتعين عليها أن تعبر عددا من الدول بمايعني رفع رسوم عبور وعمليات تفتيش، واعادة شحن تزيد على تكاليف النقل البحري وعبور القناة، وهو ماسيجعل الدول التي تتردد في توجيه جزء كبير من بضائعها للنقل الطويل عبر الخط، ولذلك، فإنه من المحتمل أن يقتصر استعمال الخط على نقل البضائع عبر المسافات القصيرة والتي لا يتوفر لها طرق للنقل البحري كنقل البضائع من الصين الى آسيا الوسطى، أو من آسيا الوسطى الى أوروبا. القاهرة ـ احمد مراد