خلال ما يقرب من ثلاثة قرون، أي منذ سنة 656 هـ وهي السنة التي وقعت فيها بغداد نهبا للمغول الى سنة 923 هـ وهي السنة التي دخل فيها العثمانيون البلاد العربية، شهدت هذه البلاد محناً سياسية ذاقت ويلاتها في ظل الغزو المغولي والتركي. وقد بقيت مصر والشام بمنجى عن هذا الغزو وذاك، ففزع اليها العلماء من الأقطار العربية المغلوبة على أمرها، يجمعون ويؤلفون حتى يقدموا لنا موسوعات مهمة ومنها موسوعة النويري «نهاية الأرب». والنويري هو شهاب الدين أبو العباس احمد بن عبدالوهاب بن عبادة البكري النويري الذي نسب الى قرية «النويرة» وهي قرية بالصعيد الأدنى من مصر، وكانت قديما من أقليم «بنها» وهي الآن في محافظة «بني سويف». كان والده من علماء المالكية، وكذلك الابن لكنه في المذهب الشافعي، حيث كان المذهب الشافعي مذهب الدولة الرسمي. وقد عاش النويري على النسخ، وقد قال «ابن كثير»: كان ناسخا مدهشا، وكان يكتب في اليوم ثلاثة كراريس». وكما فرغ «النويري» الى عمله نهاره، فرغ الى ربه مساءه، فكان اذا صلى العصر، أخذ في قراءة القرآن الى قريب المغرب، واذا أمسى أخذ في القراءة والجمع والاعداد لتاريخه الكبير «نهاية الأرب» وقد قست الحياة على الرجل حتى أصيب بوجع في أطراف أصابع يده وكان ذلك سبب وفاته، وكان ذلك سنة 732هـ وهو لم يتجاوز الخمسين من عمره. ويورد المؤرخون ان الكتاب في ثلاثين جزءا أو مجلدا. و«النويري» يقول: انه قسم الكتاب الى فنون، وجعل لكل فن سفرا، والفنون الى أقسام والأقسام الى أبواب. الفن الأول: في السماء والآثار العلوية، والأرض والمعالم السفلية، ويشتمل على خمسة أقسام وكل قسم جاء في أبواب يختلف عددها. أما الفن الثاني فجاء في الانسان وما يتعلق به ويشتمل على خمسة أقسام ايضا. أما الفن الثالث فقد خصصه المؤلف للحيوان الصامت، فيذكر في القسم الأول السباع وما يتصل بها من جنسها، ثم تتابع أقسامه في الوحوش وما قيل عنها، فيبدأ فيما قيل في الفيل والزرافة والمهاة والابل، ثم الحمير الوحشية والوعل والظبي والارنب والخيل والبغال والحمير لينتقل بعد ذلك الى ذوات السموم القواتل ثم الى الطير. أما الفن الرابع، فجاء في النبات، وقد اشتمل على خمسة أقسام، وذيلت على هذا الفن في القسم الخامس بشيء من أنواع الطيب والبخور، فهو يذكر في القسم الأول أصل النبات، وما تختص به أرض دون أرض ويتصل به ذكر الخضروات والبقولات. أما القسم الثالث فقد جعله في الفواكه المشمومة، ويشتمل ايضا على ما قيل في البنفسج والنرجس والياسمين والزعفران والحبق، وهو لا يترك منها شيئا الا ذكره، بدءا من المسك وأنواعه الى العنبر والعود والصندل. أما الفن الخامس فقد جعله «النويري» في التاريخ، حيث اشتمل على خمسة أقسام، بادئا في الأول منها في مبدأ خلق آدم عليه السلام وحواء واخبارهما، ومن كان بعد آدم ومن أخبار «شيت بن آدم» الى أخبار «ادريس النبي» عليه السلام الى قصة الطوفان، الى قصة هود عليه السلام مع عاد وهلاكهم بالريح. أما القسم الثاني فقد جاء في قصة «ابراهيم الخليل» عليه السلام وجنده مع نمرود وقصة لوط وخبر اسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب عليهم السلام. وهكذا تتسلسل الأخبار والحوادث، لكن ما جاء في أخبار ملوك الاصقاع وملوك الأمم والطوائف ووقائع العرب في الجاهلية والاسلام، فمازال مرجعا مهما وبخاصة انه جعلها متسلسلة متتابعة. إعداد ـ محمد سطام الفهد