الرق ألغي رسميا ثلاث مرات في موريتانيا خلال القرن العشرين، الا انه لا يزال يمارس على نطاق واسع. فبعد ان غزا الفرنسيون المغاربيين في العقد الأول من القرن الماضي أصدرت الحكومة الاستعمارية مرسوما حرمت به الاستعباد. ومع ان الملاكين تجاهلوا المرسوم الا ان الجيش الفرنسي حرر بعض العبيد الذين نالوا الحرية التامة بعد تجنيدهم في الخدمة العسكرية الاجبارية. وفي العام 1961 بعد أقل من سنة واحدة من نيل الاستقلال سنت الحكومة الجديدة قانونا ألغت به الرق ارضاء لبلدان مجاورة. وفي العام 1980 حرمت الحكومة الاستعباد للمرة الثالثة باصدار قانون جديد. الا ان الجمعية البريطانية لمناهضة الرق قدرت في الثمانينيات انه لايزال هناك 100 ألف عبد في موريتانيا، وان ثلاثة أضعاف ذلك العدد من بني البشر يعانون من أعمال السخرة. وقالت وزارة الخارجية الامريكية ان العدد يتراوح بين 30 ألفا و90 ألف شخص. وغالبا كان المغاربيون يأتون بالعبيد كغنيمة حرب من قبيلة الولوف الزنجية والجماعات الاخرى التي تعيش على ضفاف نهر السنغال على حدود موريتانيا الجنوبية. الا ان القرون الطويلة من العيش عن قرب بين المغاربيين وعبيدهم قد طمست ذلك الحاجز، وقبل العبيد الأسماء العائلية لسادتهم. وبعد الانعتاق تحول بعض العبيد الى اصحاب عبيد بدورهم. أما الذين اختاروا البقاء في الرق فكانوا يحرمون من التعلم بل وحتى من الزواج. واصحاب العبيد كانوا يستخدمون النساء من العبيد للاستيلاء من أجل الاهداء أو البيع. طول عمره الذي أمضاه في رعي النوق وحمل الاثقال والرد على النداء «يا عبد» كان سليم يتساءل عما اذا كان قد ولد لكي يمضي حياته عبدا لسيده الذي يربي الماشية. ويقول سليم ان والده وأمه كانا عبدين، ولم يكن يسمح له بارتداء شيء أكثر مما يلف به خاصرته، وكان ينام في الخارج مع حيوانات سيده ويعاني من لسع البراغيث والقذارة. كل ذلك تغير قبل ثلاث سنوات بعد ان تعرض للضرب المبرح والمذل على أيدي أبناء سيده. وحدث له شيء في داخله. يقول سليم بصوت بطيء وأجش والدموع تملأ عينيه: «روحي وجسمي لم يعودا قادرين على التحمل أكثر، فكرت بالتخلص من الألم حتى لو أدى ذلك الى موت». وبدون خطة مسبقة وحتى القليل من الماء فر سليم من منازل أسياده الصحراوية القريبة مع حدود موريتانيا الشرقية مع مالي باتجاه مستقبل مجهول. وعثرت عليه قافلة من الصيادين والسياح وانقذوه من شمس الصحراء الحرقة ونقلوه الى بر الأمان بسيارة مكيفة. واليوم تخلى سليم الذي يبلغ من العمر 30 سنة ـ لا يعرف عمره بالضبط ـ عن الاسم الذي فرضه عليه سيده وأخذ اسم والده، ولد محمد. انه يعيش حياة بسيطة كصاحب عربة يجرها حمار لجمع القمامة في نواكشوط عاصمة موريتانيا الواقعة على الشاطيء. ان عمله صعب، ولكنه يعمل لحسابه ويكسب بعض المال، حوالي 12500 أوقية، أي ما يوازي 50 دولارا في الشهر. ومع ذلك لايزال سليم قلقا على والدته وشقيقته المستعبدتين في موريتانيا البلد الواقع على الطرف الشمالي الغربي للقارة الافريقية والبالغ عدد سكانه عشرة ملايين نسمة، وحيث الاستعباد لايزال مستمرا بعد مرور الف سنة عن بدئه. ونواكشوط تضج بحيوية بائسة نابعة من كونها عاصمة بلد الملح والرمال ولا شيء غيرها، الاثواب الجميلة الفضفاضة تراها جنبا الى جنب مع سراويل الجينز المستوردة في الاسواق الشعبية المقامة في الهواء الطلق، وحيث يختلط العبيد القدامى وأبناؤهم واحفادهم مع التجار الاثرياء والزعماء. وعلى الرغم من القول ان الرق الغي رسميا ثلاث مرات في موريتانيا خلال القرن العشرين، الا ان جماعات حقوق الانسان تقول انه لايزال يمارس على نطاق واسع. وتشير كل الروايات الى ان الحكومة تحاول استدراج مساعدات اقتصادية من البلدان الغربية الغنية واسرائيل قد قمعت الرق في العاصمة البالغ عدد سكانها 2.2 مليون نسمة، بل وتسمح للعبيد القدامى ان يغيروا اسيادهم القدامى أمام المحاكم. ومع ذلك يحاول نظام الحكم ايضا قمع أية مناقشة عن الرق. والصحافيون الغربيون يصحبهم حراس رسميون ويتعقبهم رجال البوليس السري. وقد تؤدي محاولة طرح مسألة الرق الى طرد الصحافي من البلد، والاذاعة الحكومية تحث المواطنين على عدم التحدث عن الموضوع مع الاجانب. سل طرفا موريتانيا في السوق عما اذا كان الرق لايزال موجودا فإنه سيرد قائلا: «الفرنسيون والامريكيون يسيئون الى سمعة بلدي». وأطرح السؤال نفسه على سائق سيارة اجرة زنجي من الولوف فيهز رأسه ايجابا ويقول بلغة فرنسية ركيكة: «أجل الرق مشكلة كبرى، ولكن رجاء لا أستطيع ان أحدثك عن ذلك». ويقول ناشطون في ميدان مكافحة الرق ان جولة الى الكثبان الرملية وراء تخوم العاصمة كافية لتبيان الخط الفاصل بين الفلاحين الذين يكدحون في بساتين النخيل ومناجم الملح المكشوفة. ويقول بوكير مسعود مؤسس مؤسسة «اس.او.اس اسكلاف» وهي حركة سرية من عبيد قدامى، ان القانون يسمح للعبيد بترك سادتهم، الا ان كثيرين لا يعرفون ذلك لأنهم أميون. وآخرون لا يجرؤون على الفرار لأن الحياة قد تكون قاسية جدا للعبيد القدامى الذين لا يعرفون القراءة والكتابة. ويضيف مسعود انه حتى لو استطاع العبيد الفرار فإن الشرطة ومسئولين آخرين يعيدونهم الى سادتهم وان هؤلاء يجبرونهم على العودة باحتجاز افراد عائلاتهم. وقبل حوالي 20 سنة ـ وهي لا تعرف التاريخ بالضبط ـ فرت مباركة بنت بلال هربا من الاعتداءات الجسدية والكلامية لسيدها الذي كانت تعتني بماشيته وأوانيه المطبخية. وفي غمار يأسها تركت ابنتها الرضيعة محجوبة بنت مبارك للسيد. شقيقتا مباركة وابن احد الشقيقين تبعوها الى الحرية لاحقا. ولم تلتق مباركة بابنتها محجوبة الا بعد ان أصبحت محجوبة فتاة بالغة. ومنذ ان بدأت محجوبة تطرح الاسئلة عن والدتها كان سيدها يكذب عليها ويقول ان مباركة ماتت. كما انه كذب على السلطات مدعيا ان محجوبة هي ابنته. أمضت مباركة سنوات في محاولة لاستعادة ابنتها عن طريق اقامة الدعاوى بمساعدة حركة «اس.او.اس اسكلاف» الا ان المسئولين ترددوا في تحدي سيدها الذي ينتمي الى طبقة تتمتع ببعض الامتيازات. وفي العام 1996 عندما كانت محجوبة فتاة مراهقة ذهبت مباركة برفقة مسئولين من الحركة الى مضارب السيد خارج عليق الواقعة على بعد 26 كيلومترا جنوب غربي نواكشوط لمحاولة اقناع الشرطة بمساعدة الفتاة على المجيء معهم. وقالت مباركة لمحجوبة انها والدتها الحقيقية وان الرجل الذي تخدمه ليس والدها. وكانت محجوبة ضائعة ومرتبكة فلم تستطع ان تغادر المكان معهم ولكنها قررت بعد أشهر ان تهرب من تلقاء نفسها. وتقول محجوبة انها سمعت من جدتها ان والدتها لاتزال على قيد الحياة وانه «ينبغي ان أذهب معها اذا جاءت للبحث عني». وفي سيناريو يشبه فرار والدتها الى حد بعيد هربت محجوبة من قرية الى قرية ووصلت الى نواكشوط وعثرت على والدتها، وتقول انها تعي الآن انه كان ينبغي ألا تخاف من الأساس وتقول «اليوم أعرف ماذا تعني الحرية». هناك في الصحراء بعيدا عن خيام السيد، الصوت الوحيد الذي يسمع هو صوت الرمل الذي تحمله الرياح، اضافة الى حفيف الادوات الخشنة التي تستعملها نساء عجائز في ثياب وردية فضفاضة لاستخراج الملح الصخري بالقرب من بلدة تيشيت. هذه البلدة التجارية الصحراوية الواقعة على بعد 800 كيلومتر شرقي نواكشوط تعيش منذ أكثر من ألف عام على شحن الملح بقوافل الجمال الى القرى والمدن الواقعة الى الجنوب منها. في هذا المكان لم يتغير على مدى القرون أي شيء باستثناء بئر جديدة حفرها متبرعون وعدد من المنازل الخرسانية ذات السقوف الصفيحية التي تعيش فيها الطبقة الحاكمة. ويصل عدد سيارات الشحن ذات الدفع الرباعي الى هنا عبر الرمال الزاحفة كل شهر حاملة الاقمشة والسكر وبعض المؤن. ولايزال أفراد طبقة العبيد القليلة في منازل بنيت قبل قرون من حجارة مصفوفة عشوائيا فوق بعضها البعض، لتشكل جدرانا غير ثابتة وترشح ماء ومعرضة للانهيار كلما أمطرت السماء. ويتفادى السكان استعمال كلمة اسكلاف الفرنسية التي تعني «عبد» مع الاجانب، لكن كلمة «عبيد» بالعربية مستعملة للاشارة الى النساء العاملات في مناجم الملح والرجال الذين يحملون الملح على الجمال. وعندما يسأل صحافي امرأة كم تكسب في اليوم، يتدخل جابي الضرائب المحلي الذي يعمل مترجما ومراقبا ليقول: «انها لا تكسب أي أجر.. انها عاملة».