بعد العديد من الأعمال الدرامية المتميزة والتي تعرف فيها الجمهور على موهبته المتميزة يستعد هيثم حقي مخرج «الثريا» و«خان الحرير» و«سيرة آل الجلالي» و«قوس قزح»، وغيرها من الأعمال لتقديم مسلسل درامي جديد يتناول الشاعر أبو الطيب المتنبي في خطوة اعتبرها الكثيرون مغامرة فنية. فتقديم عمل يحمل الصبغة التاريخية لشاعر يعتبر أمرا غير مسبوق في الدراما التلفزيونية في الوقت الذي يطالب فيه الجمهور والنقاد على حد سواء بالاتجاه لتقديم الاعمال المعاصرة ذات النفس والهم اليومي. وفي هذا الحوار الخاص يروي حقي حكاية مشروعه الجديد مستعرضا مسيرته الابداعية خلال السنوات السابقة. ـ في البداية ما الذي دفعك للتفكير بتقديم عمل درامي عن المتنبي؟ ـ ليس هناك سبب محدد لذلك وإنما رغبتي في تقديم رؤية فنية جديدة خاصة وان المخرج مطالب دائما بالتجديد في اختياراته وما يقدمه للجمهور، واعتقد ان من حقي التفكير بتقديم عمل عن المتنبي أو بسواه ما دمت قادرا على اعطاء العمل ما يستحقه. ـ لكنك منذ مدة ليست قصيرة لم تقدم عملا يحمل صفة التاريخية الموثقة؟ ـ يمكنني القول ان مسلسل المتنبي ليس عملا تاريخيا موثقا 100% وإنما هو تناول لحياة هذا الشاعر الكبير بكل ما كانت تحمله من شعور بالرغبة في التجديد ورفض الواقع ومحاولة تغييره، وبرأيي ان المتنبي كان يحمل طموحا أكبر من كونه شاعرا مجددا والدليل تلك الانفة والرغبة في الاعتداد بشخصيته حتى في أصعب اللحظات التي مر بها، لذلك سيركز العمل الدرامي على هذه النقطة وهذا الجانب على اعتبار ان المتبني يعتبر رائد التجديد وصاحب الحضور الطاغي حتى أيامنا هذه. ـ ولماذا تم اختيار الفنان سلوم حداد لأداء هذه الشخصية؟ ـ لأسباب عدة منها ما يتعلق بالناحية الانتاجية ومنها ما يتعلق بالجانب الفني والفيزيولوجي، ولا أبالغ اذا قلت ان تجربة سلوم حداد تسمح له بتقديم هذه الشخصية، كما انه يمتلك الشعبية والجماهيرية العربية مما سيضمن متابعة مقنعة لهذا العمل، كذلك التركيبة الشخصية والملامح يمكن ان تخدم المسلسل بشكل كبير. ـ هل صحيح انه كانت هناك نية لتأجيل تصوير المسلسل؟ ـ تماما خاصة وانني كنت منهمكا بتصوير مسلسل «قوس قزح» وخشيت ألا أستطيع التحضير لمسلسل «المتنبي» بشكل جيد، وكان هناك اقتراح لتأجيله حتى وقت آخر.. لكن الظروف جرت لصالحنا وهانحن نستعد للتصوير بعد ان انتهت فترة التحضيرات. ـ لنعود قليلا الى مسرح «قوس قزح» ماذا تخبرنا عنه؟ ـ هو مسلسل اجتماعي معاصر تدور أحداثه حول أسرة متوسطة الدخل مؤلفة من أب وأم يسبق لهما ان خاضا تجارب الحياة على اعتبار ان الأب متقاعد وقد عملت الأم لفترة في ورشة الخياطة. أما الابناء فهم ثلاثة شبان وصبيتان حيث يعمل الابن الاكبر في مهمة تصليح السيارات وهو متزوج ولديه فتاة وحيدة بينما نرى الابن الاوسط معيدا في كلية الاقتصاد وهو متزوج ايضا من معلمة، في حين يعمل الابن الاصغر كطبيب جراح في احدى المشافي العامة أمام الشقيقة الكبرى فتعود الى منزل والديها مطلقة بعد تجربتها القاسية مع الزواج، فيما لاتزال أصغر الشقيقات تدرس في الجامعة، وعلى الرغم من تفاوت المستوى التعليمي بين أفراد هذه الاسرة الا ان المحبة وروح التكاتف هي السمة المميزة لعلاقات هذه الاسرة التي تقف صفا واحدا في المشاكل والصعاب التي تمر بها والتي تعالجها كل حلقة من حلقات المسلسل الجديد. ـ وماذا عن رؤيتك كمخرج لهذا المسلسل؟ ـ في «قوس قزح» قدمت رؤيتي الفنية والاخراجية للعمل الاجتماعي الذي يحكي عن أزمات الناس ويحاول ان يصور المجتمع في محاولة لتقديم وجهة نظري في الحياة المعاصرة بجرأة حقيقية خاصة وانني أعمل على خطين دراميين مختلفين، الأول يمكن تسميته باعادة أوراق النهضة أو اسباب النهضة المهبطة والذي قدمت من خلاله عددا من الأعمال الدرامية مثل «هجرة القلوب الى القلوب»، «الثريا» «خان الحريري» بجزأيه و«الايام المتمردة». أما الخط الثاني فهو العمل الاجتماعي الموجود في «دائرة النار»، «ليل الخائفين»، «صور اجتماعية»، سيرة آل الجلالي» و«قوس قزح». ـ ولماذا عدت للتعامل مع الكاتب خالد خليفة مرة اخرى وقد صرحت في أكثر من مناسبة انك لن تقدم الجزء الثاني من «سيرة آل الجلالي» الذي كتبه خليفة ايضا؟ ـ أنا سعيد جدا بتعاملي مع خالد خليفة، كما انني سعيد بسيرة آل الجلالي الذي أحببته واعتقد انه كان عملا ناجحا، وقد قلت انني لن أقدم الجزء الثاني من هذا العمل لأنني اعتبر هذا المسلسل قد انتهى، كما انني أمتلك أسبابي الخاصة حول هذا الموضوع، لذلك لم أقرأ الجزء الثاني منه.. لكن هذا لا يعني انني لن أتعامل مع خالد خليفة مرة اخرى، بالعكس هو روائي جيد ويهمني العمل مع كاتب جيد تماما مثلما عملت مع نهاد سيريس في عملين من أفضل أعمالي. ومن الممكن ان أعود للتعامل معه مرة اخرى، أشير هنا الى انني بقيت والكاتب عبدالنبي حجازي عشر سنوات حتى قدمنا معا «الأيام المتمردة» بعد مسلسل «هجرة القلوب الى القلوب». وهذا يدخل ضمن مشروعي كمخرج والذي مازلت أعمل عليه منذ أكثر من 25 سنة والذي قد يتقاطع مع أي كاتب يمتلك مشروعه الابداعي الخاص، وقد حدث هذا الأمر مع الكاتب أحمد دحبور منذ 20 سنة وأسفر عن مسلسل «عز الدين القسام»، وكان أكثر تقاطعا مع الكاتب ممدوح عدوان، لذلك عندما يكون هناك مشروع مشترك لابد ان نلتقي مجددا لأن جميع من تعاملت معهم هم كتاب ممتازون يمتلكون ميزة العمل الروائي التي أفضلها في العمل التلفزيوني المسلسل. ـ لهذا السبب ترتاح لصيغة المنتج المنفذ في أغلب أعمالك؟ ـ بالطبع لأنني أنتجت منذ فترة طويلة، ولديّ خبرة في ادارة العملية الانتاجية وأشعر انني أمتلك التوازن بين الهم الفني والانتاجي، واعتقد انني وصلت الى مرحلة يستطيع فيها المنتج الاعتماد على رؤيتي ورأيي في العملية الانتاجية، لكن تبقى الطموحات أكبر مما هو متاح دائما. ـ برأيك الى أي مدى نجحت الدراما التلفزيونية العربية في كونها ادارة أساسية في الحياة؟ ـ بصراحة لا يمكننا الحديث عن الدراما العربية بكلمات مختصرة لأنها نتاج مسيرات طويلة حملت جهود العديد ممن ثابروا وسعوا بكفاح شاق ومتعب وايمان كبير خلال هذه المرحلة التي بدأت تأخذ فيها الدراما شكلا توجيهيا، وحتى تحريضيا لأفكار وهموم المجتمع ولتبرهن على انها ليست فقط أداة طرح، والأهم من هذا انها وضعت الأولوية للارتقاء بالشكل والمضمون معا بحيث أكدت ان مسيرة الفن لا تحدها الافكار فقط وإنما يحددها هو تطور أشكالها. وبرأيي ان أجمل ما قدمته الدراما للمجتمع هو موقفها المهم من التاريخ، فقد انطلقت من قاعدة صلبة حين رفضت بجرأة مراحل تاريخية مهمة نقلت عبرها للأجيال صورة التاريخ بشخصياته وأحداثه ووقائعه. ومع ذلك لا أذيع سرا اذا قلت اننا بدأنا نخاف على سمعة الدراما بعد ان بدأت تتسرب موجة الأعمال التجارية التي تقدم بسطحية وهذا الخوف سبقه الموقع الذي حققته الدراما بعد ان أصبحت تشكل عنصرا أساسيا وأداة خطيرة وحساسة باتت من أهم وسائل نشر الثقافة والوعي. فالاهتمام الوحيد الجدير بالاعتبار هو ان يبذل المرء وسعه ليحقق نموذج الشخصية الاخلاقية والمسلك الاجتماعي الذي توصي به رسالة الفن وهذا ما يدفعني لأن أقول بأن الدراما تشكو حاليا من ضعف انتقاء المواضيع الحياتية الملحة، وكما انها تفتقد الى الجرأة الخاصة بعدما جعلت من الثقة جسرا بينها وبين المشاهد. ـ وما الذي ينقص الدراما العربية برأيك؟ ـ هناك أعمال درامية تجارية هابطة تمجد التفاهة والفراغ وهي تأخذ من المشاهدين وقتهم دون ان تقدم لهم شيئا، وهناك أعمال درامية تقدم ثقافة مضادة وتحلل انتماء المشاهد الثقافي والوطني، كذلك يجب ان نعترف بأن الامة والمجتمع لا يشكلان كلاً واحداً منسجماً ومتناغماً، فما يثير اهتمام المواطن العادي الذي يكدح لتأمين لقمة العيش لأولاده قد لا يثير بالضرورة اهتمام رجل الأعمال الذي ينتمي لجيبه أكثر مما ينتمي لأي وطن. لذلك أرى الدراما العربية ينقصها الآن المواضيع الجادة التي تجعل المشاهد على تماس حقيقي مع العمل الذي يقدم قضايا وهموما معاصرة لتكون أكثر قربا من آرائه وآماله وطموحاته. وهذا يدعونا لتقديم دراما يكون أفقها أكثر اتساعا ومفاهيمها اكثر فلسفة وتدفعنا جميعا لاثارة الجدل حولها، فالفلسفة تقول اذا لم يكن هناك صراع في الشيء فإنه يكف عن الوجود. ـ كونك مخرجا وصاحب باع طويل في العملية الفنية برأيك.. هل الفن موهبة أم اجتهاد؟ ـ لابد أولا من التفريق بين ممارسة الابداع والحديث عنه، فكثير من المبدعين لا يستطيع ان يصوغ ابداعه كلاما، فالابداع بالكلمة فن قائم بذاته ايضا لا يستند الى فرضية يتم تأكيدها بمجرد أفكار فقط، بل بأسلوبية صياغة الفكرة. فكثيرا ما تسارع الصحافة ووسائل الإعلام هموما الى الممثل الذي حقق نجاحا في دور ما أو بضعة أدوار لتحاوره حول ذلك وكثيرا ما يظهر المخرج على حساب النص واحيانا كل أولئك على حساب المرجع الرئيسي الذي تم الاستناد اليه في العمل الفني، في حين ان النص الابداعي هو الأساس هنا لأن هناك تكاملا في العملية الفنية، ولكن في كثير من الاحيان يكون ذلك التكامل غير حقيقي. وبرأيي ان الموهبة هي استعداد لممارسة فعالية معينة واتقانها لقرب تلك الفعالية وسهولتها على صاحب الموهبة المطابقة لها غير ان الاعتماد على الموهبة وحدها هو ضرب من الغباء الشديد وعلى عكس المتعارف عليه، لا تحتاج الموهبة الى دراسة قدر حاجتها من الذكاء، فالذكاء ليس موهبة، بل هو خلاصة التركيز في الاشياء ورؤية ما وراء الشيء الظاهر. وما الدراسة الا فرع لتغذية الذكاء عبر تحليل كل ما يتعلق بحياة الانسان، لذا اعتقد بأن الموهبة امتياز حيادي ينبع من الفطرة. دمشق ـ محمد عبدالعال: