بيان الكتب: عندما كنا متجهين لإجراء الحوار تخيلنا أننا نشاهد مكتبة خاصة في ركن ما من أركان المنزل، تسمح بإجراء حوار محسوب يسعى للإحاطة بموضوعه، ولكن الحقيقة أتت مخالفة للتخيلات و الحسابات، فما شاهدته لم يكن مكتبة موجودة في ركن من أركان المنزل بل بالأحرى، منزلا موجودا في ركن من أركان مكتبة. ممدوح عدوان كاتب و شاعر سوري غني عن التعريف، خصوصا في سعيه لملامسة الهم الثقافي العربي في هذه الظروف المليئة بالهموم، و من مدخل علاقته بالقراءة و الكتاب كان معه هذا الحوار الشيق: ـ تعيش في غابة من الكتب، في حين تنتمي إلى أمة متهمة بأنها معادية للقراءة فما رأيك في ذلك؟. ـ مع الأسف كثيرة هي الأشياء التي يعلم المرء بفائدتها ولا يفعلها وكثيرة هي الأشياء التي يعلم بضررها كهذه «مشيرا إلى علبة تبغه» ولكنه يقوم بها، وفي الحقيقة فإن لظاهرة العزوف عن القراءة أسباباً وعوامل كثيرة، بعضها ثقافي وإعلامي يتجلى في ابتعاد الناس بل عدم ثقتهم بالخطاب الإعلامي والثقافي السائد، وبعضها اقتصادي يتجلى بمحدودية دخل الفئات التي تشكل الأغلبية خصوصا مع الارتفاع الباهظ لأسعار الكتب إلا أن هذا السبب الاقتصادي لايفسر العزوف تماما لأن من يتعلق بالقراءة، يسعى لتلبيتها بشتى السبل و لو عن طريق الاستعارة أو ارتياد المكتبات العامة ولكن هذا لا يحدث. والواقع المؤلم لهذه الظاهرة يتجلى في أن أكثر الكتب شهرة وتداولا في عالمنا العربي الذي يزيد عدد سكانه على 250 مليون نسمة لا تتجاوز نسخ طبعات كل منها العشرة آلاف نسخة في أفضل الأحوال وهي نسبة بالغة الضآلة. وهذه القضية تحمل في طياتها مفارقات غريبة، فأنا أعرف العديد من خريجي الجامعات الذين كفوا كليا عن القراءة بعد تخرجهم، حتى أنه لا توجد في منازلهم أي كتب، في الوقت الذي لاحظت فيه أيضا أن بعض أصحاب المسئولية كبعض ضباط المخابرات يقرؤون بمثابرة ويتابعون الكتب ويوصون عليها، ربما لأنهم باتوا بحكم عملهم يدركون أن المعرفة تمنح صاحبها القوة. وينبع جزء من هذا الواقع الإشكالي من النظرة التي ينظر بها الناس إلى المثقف، فعامة الناس تنظر إليه بشيء من التقدير ولكن بشيء من الاستخفاف أيضا، بوصفه نصف مجنون يضيع وقته في أمور لا تغني ولا تشبع من الناحية العملية المباشرة، أما أصحاب النفوذ والسلطان، فرغم أنهم يستخفون بالمثقف إلا أنهم ينظرون إليه بعين الحذر والخوف لما يمتلك من إمكانيات وقدرات يرونها خطيرة، مع أنهم قادرون على اعتقاله و حصاره، وهذا يمكن رده إلى عقدة الثقافة فمن الطريف أن بعض من سرحوا أو استقالوا أو انتهت خدمتهم في بعض مواقع المسئولية تحولوا لاحقا إلى كتاب! نعم نحن أمة لا تقرأ ولكن ثمة أمراً إيجابياً يتمثل بوجود دور النشر وتكاثرها مما يوحي بوجود من يقرأ، فدار النشر هي رأس مال مستثمر لإنتاج سلعة، وهذه السلعة هي الكتاب، ولولا وجود عوائد يؤمنها التعامل مع هذه السلعة لما استثمرت دور النشر فيها. ـ لقد دافعت عن الجنون في كتاب لك يحمل العنوان نفسه، فهل ما زلت في ظل الوضع الراهن مدافعا عن الجنون، و عن أي جنون تدافع ؟ ـ الجنون الذي دافعت عنه ومازلت مدافعا عنه لا يعني غياب العقل بل بالضبط ضمان الحق بالتفكير بطريقة مختلفة عن التيار السائد والنمطي، فأنا شخصيا ينظر لي على أنني مجنون لأنني اخترت الأدب والشعر ولم امض في الطريق الذي رأى البعض أنه كان يمكن لي معه أن أصبح وزيرا أو مسئولا أو ما شابه ذلك، فالدفاع عن الجنون بهذا المعنى هو الدفاع عن حقك في التفكير المستقل، حقك في أن تكون مختلفا، فالجملة الأولى في الكتاب هي: نحن أمة خالية من المجانين، وهذا أكبر عيوبنا. ورسالة الكتاب هي أنه ليس هناك ما هو أسوأ من الخضوع الكامل للتيار السائد اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا ودينيا، فعندما يكون الجميع مطيعين وعقلاء، فمعنى ذلك أننا أمام مجتمع ميت بلا حركة ولا فعل، فالحياة الثقافية والفكرية للمجتمع إنما تنبثق من الحق في الاختلاف، كأن يقرر أحدهم فجأة أن ينشر ديوانه الشعري من ماله الخاص فقط لأنه يريد للآخرين أن يقرأوا، فهو بسلوكه هذا الذي يبدو مجنونا للبعض يساهم في إغناء روح المجتمع ، وأذكر هنا ما كتبته غادة السمان في إحدى مقالاتها، عن أنها اكتشفت أن بعض كتبها قد سرقت فوجهت تحية للسارق لأنه وجد أخيرا، من يهتم لكتاب ما لدرجة القيام بسرقته. ـ ألا تعتقد أن غالبية كتب المكتبة العربية غير جديرة بالسرقة لأنها غالبا لا تمس القضايا الحيوية التي لو مستها ما وجدت طريقها إلى الرفوف؟ ـ بالتأكيد، و هذا سبب حقيقي للعزوف عن القراءة أيضا، فهناك عدم ثقة في الشارع بالكتاب المطبوع، فما هو متاح و مسموح بنشره وعرضه وتداوله مشكوك فيه سلفا، أما ما يرغب الناس بقراءته فهو ممنوع بفعل أجهزة الرقابة، والكتاب خصم ضعيف يسهل منعه، مما يجعل من تداوله أمرا بالغ الصعوبة إلا لبعض القادرين على تهريبه أو تصويره أو استعارة نسخه، لأن إمكانيات غالبية القراء لا تسمح لهم بالوصول إليه، نعم هذه هي الحقيقة فإما أن يكون الكتاب مداهنا وممالئا للسلطة السائدة «وفي أفضل الأحوال محايدا» أو أنه يندرج مباشرة ضمن قائمة الممنوع. ـ ثمة اعتقاد بأن مستقبل الكتاب في خطر، فهل سينقرض هذا الشكل من خزن المعلومات وتداولها أمام التطورات المذهلة للوسائل الرقمية «الكمبيوتر» ؟ ـ لا أعتقد ذلك، على الأقل بالنسبة لأجيالنا الحالية التي لم يؤثر عليها الكمبيوتر تأثيرا طاغيا ومع أنني أتعامل مع الكمبيوتر للاستفادة من إمكانياته الواسعة، إلا أن الكتاب المطبوع يحمل مذاقه الخاص، وكذلك فإن التعامل مع المادة المقروءة على جهاز الكمبيوتر أقل دقة من التعامل مع الكتاب، لكنني أعتقد مع ذلك أن الموسوعات الكبرى والكلاسيكيات الأدبية الضخمة ستنقرض في صورتها الورقية لأنه بات بإمكانك منذ الآن الحصول عليها في مجموعة صغيرة من الأقراص المدمجة التي لو كانت على صورة كتاب لما اتسعت لها أي مكتبة خاصة، الأمر الذي كان يدفعني إلى ترحيل الأعداد الفائضة من الكتب أو إهدائها للأصدقاء بسبب استنفاذها للمكان . أما فيما يخص الإصدارات الجديدة فستظل الحاجة فيها إلى الكتاب المطبوع وما يرافق ذلك من ذهاب إلى المكتبات للبحث عنها . ـ هل توجد لحظة يتحول فيها القارئ الجيد إلى كاتب ؟ ـ لا أعتقد بذلك إطلاقا فالقارئ لا يتحول إلى كاتب ومهما كان قارئا جيدا، فأنا أعرف أشخاصا واسعي الثقافة والاطلاع على الكثير من القضايا أكثر من اطلاعي عليها، ولطالما استفدت من اللقاء والحوار معهم ولكن مع ذلك لم يؤد تراكم المخزون الثقافي لديهم إلى تحولهم إلى كتاب، و لكن هذا لا يعني أن الكاتب يمكن أن يوجد بمعزل عن القراءة، فلا يمكن للكاتب أن يكون جيدا و أن يستمر بالإبداع دون مثابرة على القراءة التي تزيد من مخزونه المعرفي، فاعتقادي هو أن الرغبة بالكتابة تأتي أولا ثم تغذيها القراءة، أما من يتحولون إلى الكتابة بفعل كثرة قراءاتهم فإن كتاباتهم تظل فاقدة للروح والانسجام، فلا بد للكاتب الجيد ذي الأسلوب من الموهبة المسبقة التي تصقلها القراءة والثقافة، فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة كاتب، كما أن القراءة وحدها لا تكفي لذلك أيضا. ـ كيف تصف لنا شعورك مع ظهور أول إصدار لك وماذا كان ذلك الإصدار ومتى؟ ـ الإصدار الأول لي كان مسرحية شعرية عنوانها «المخاض» و بالطبع لم أكن معروفا آنذاك فتوجهت إلى المطبعة ونشرتها على حسابي الخاص في مطلع عام 1967، وقد أحسست بفرح غامر مع نشرها، بل أنني كنت أمضي إلى المكتبات خصوصا لمشاهدتها بين الكتب المعروضة وقد كان إحساسا فريدا، لأنه وفي العام نفسه ظهر لي الاصدار الثاني عن طريق اتحاد الكتاب، وقد زادني ذلك ثقة ولكن الإحساس مع الإصدار الثاني لم يبلغ ما بلغه مع الإصدار الأول، فهو على الأقل لم يضطرني للذهاب لمشاهدته في المكتبات، فالتجربة الأولى تظل الأجمل