بيان الكتب: ستيفن هيدمان المشرف على تحرير هذا الكتاب هو استاذ للعلوم السياسية بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، سبق له وقدم كتابا عن «المؤسسة والصراع الاجتماعي في سوريا 1946 ـ 1970». قليلة هي مناطق العالم التي عرفت قدرا من الحروب مثل منطقة الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. وكانت هذه المنطقة قد دخلت مرحلة زوابع مستمرة، منذ قيام الكيان الصهيوني فيها عام 1948 بتأييد ودعم القوى الكبرى الدولية. وقد كان للحروب المستمرة فيها آثار واضحة وجوهرية على آليات التطور الاجتماعي وعمل مختلف المؤسسات وبالطبع على الحياة والقوى السياسية. وفي هذا الكتاب يقوم عدد من الباحثين الدوليين وذوو الاهتمامات والمشارب العلمية المتنوعة بالبحث، كل من زاوية اختصاصه، بدراسة دور الحرب أو التحضير لها في تشكل أو تحول الدول والمجتمعات في الشرق الأوسط المعاصر. إن العديد من الاطروحات النظرية يتم عرضها على ضوء التجربة التاريخية التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث، وذلك على اعتبار ان هذه التجربة بمختلف مكوناتها وتعبيراتها تشكل «مرجعية» مدرسية على الأقل، في دراسة تشكل الدول والمجتعات وتطورها، ويشارك في هذا العمل باحثون في ميادين العلوم السياسية والتاريخ والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع وينتمون الى عدة بلدان في الشرق الأوسط أو الى اوروبا والولايات المتحدة الامريكية. وتجمع الدراسات ايضا بين البعدين: النظري والميداني، حيث تعطى الأولوية زمنيا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتحظى ببعض الحالات مثل منظمة التحرير الفلسطينية باهتمام خاص نسبيا، لاسيما وان صعودها كان على خلفية هزيمة الجيوش العربية التي شاركت في حرب يونيو 1967. كما كان لهذه الحرب آثارها المباشرة والعميقة على تبني عدد من دول الشرق الأوسط استراتيجيات سياسية ذات طبيعة عسكرية مما كان له «اسقاطاته» الواضحة على صعيد المجتمع والاقتصاد. هناك الكثير من الدراسات حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي وحول حرب الخليج الأولى بين العراق وايران والثانية بين قوات التحالف الدولي والعراق، ولكن قليلة هي الدراسات التي أولت اهتمامها الرئيسي لدراسة نتائج الحروب أو التحضير لها على دول بلدان الشرق الأوسط ومختلف مؤسساتها، كما على صعيد المجتمعات وتطورها. ان دراسات هذا الكتاب تتفق كلها مثلا على التأكيد بأن حرب يونيو عام 1967، «الهزيمة» كان لها دورها الحاسم والعميق في تحديد التوجهات اللاحقة لـ «دول المواجهة» مع اسرائيل وفي صياغة «ايديولوجيات» تتضمن أبعاداً جديدة بالنسبة لمختلف القوى السياسية والاجتماعية وفي رسم الخطوط العريضة للميزانيات العامة لعدد من البلدان في الشرق الأوسط. إن المساهمين في هذا الكتاب يدرسون على أساس انها بأحد وجوهها الرئيسية «عملية صيرورة اجتماعية»، كما انها تولد بحد ذاتها «ديناميكيات» سياسية واجتماعية واقتصادية لابد وان يكون لها تأثيرها على بنية الدولة ذاتها. هذا مع التأكيد على خصوصية تشكل «الدول الوطنية» بالقياس الى ما عرفته الدولة الحديثة في اوروبا، وخاصة من زاوية اختلاف الشروط والديناميكيات التي تم على أساسها التحضير للحروب. هذا الى جانب اختلاف شروط الحرب ذاتها وأهدافها. إن عددا من المساهمين يركزون في دراستهم على البعد التاريخي في نشوب الحروب بمنطقة الشرق الأوسط منذ «الثورة العربية الكبرى» وحتى حرب الخليج الأخيرة. وفي جميع المجالات تتم محاولة الاجابة على عدد من التساؤلات الخاصة بمدى امكانية تطبيق النظريات الغربية الخاصة بالحرب، كما صاغها بعض المنظرين وعلى رأسهم «كلاوزفتس» صاحب كتاب «حول الحرب» وريمون آروف مؤلف «السلام والحرب بين الأمم» على الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يخص أولهما «الحرب والدولة والاسواق في الشرق الأوسط» ويدرس المساهمون فيه «الاقتصاد السياسي» للحربين العالميتين الأولى والثانية ضمن السياق الشرق أوسطي. وتحمل المساهمة الأولى عنوان «المدافع والذهب والحبوب» حيث يدرس الكاتب دور الحرب والبعد الغذائي في تشكل الاردن اثر سقوط الامبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى. ودراسة اخرى عن «أفضل فترات وأزمات الدولة الاستعمارية المرفهة» في سوريا ولبنان طيلة الحرب العالمية الثانية». وتناقش كاتبة المساهمة «اليزابيث تومبسون» تداخل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سوريا ولبنان خلال فترة ما بين الحربين الكونيتين ودور مختلف القوى والعناصر الفاعلة في خلق آليات التطور باتجاه الاستقلال كأحد النتائج التي ترتبت عمليا على الحرب العالمية الثانية. وتبدو مسائل «الثروة العامة» و«التربية» و«سياسة العمل» ذات أهمية خاصة في هذا السياق فيما يتعلق بتوجيه السياسة الاجتماعية والمؤسسات. وفي بحث تحت عنوان «الحرب والكنزية ـ من كنزي، الاقتصاد الكبير ـ والنزعة الاستعمارية». يدرس الباحثان روبير فيتاليس استاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا ومدير مركز الدراسات فيها حول الشرق الأوسط، وستيفن هيدمان المشرف على انجاز هذا العمل والعلاقات بين الدولة والاسواق في فترة ما بعد الحرب بالشرق الأوسط، وينطلق الكاتبان من التأكيد بأن القرن الماضي عامة والعقدين السابقين خاصة شهدا قيام عدد من علماء الاجتماع واختصاصيي الاقتصاد والمؤرخين والخبراء السياسيين بدراسة الدور الذي لعبته الحروب في بناء الاقتصاد وتشكل الدول بأوروبا. وكان الهدف الأساسي لجهود هؤلاء جميعا يتمثل في توضيح الترابط بين قيام الحروب وبين العملية التطورية التي انشئت على أساسها المؤسسات الاقتصادية والسياسية المعنية. لكن هذه الدراسات أهملت الا من بعض الاستثناءات القليلة، دراسة العملية المشابهة التي عرفتها الدول ما بعد الاستعمارية في العالم الثالث «العالم النامي» كما يسميه الكاتبان اللذان ركزا تحليلاتهما على الحرب العالمية الثانية وآثارها على علاقات الدول بالأسواق في منطقة الشرق الأوسط وخاصة بالنسبة لكل من مصر وسوريا. وبتخصيص أكثر الانتباه لتحليل الاقتصاد السياسي في فترة الحرب واشكال فعل التدخلات الخارجية على سياسات الحكومات على الصعيد الاقتصادي. وما يؤكده الكاتبان ايضا هو ان استراتيجيات الدول طيلة فترة الحرب العالمية الثانية كانت تتماشى مع الآراء الكنزية للتدخل الاقتصادي وعلى نفس النمط الذي كانت بريطانيا قد طبقته خلال الحرب العالمية الأولى بشأن تنظيم النشاطات الاقتصادية. هكذا فرض الحلفاء معاييرهم الادارية والحكومية على المنطقة. وكان من نتيجة هذا التوجه انتشار هذه المعايير في الشرق الأوسط كله وبوضوح وفاعلية أكبر في مصر وبلاد المشرق (سوريا، فلسطين، العراق والاردن) وبحيث انها غدت بمثابة «عناصر» لضبط النشاط الاقتصادي من قبل الحكومات المحلية. وكان لها ايضا أثرها الكبير في تحديد السبل التي انتهجتها الحكومات الوطنية في فترة ما بعد الاستعمار في ميادين بنية المؤسسات الحكومية وآليات تدخل الدولة في الاقتصاد والعلاقات بين الدولة والأسواق و«في نهاية المطاف تحديد مفاهيم الاقتصاد السياسي للدول المعنية». وتتم ضمن هذا الاطار ايضا مناقشة عملية تنظيم التجارة الخارجية عبر تبني «المركزية» و«التنسيق» بين مختلف النشاطات الاقتصادية مع شرح «الخصوصيات» التي تم أخذها بالاعتبار عند تحديد «معايير التنمية» وهي خصوصيات تعود لـ «السياقات السياسية المحلية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط». القسم الثاني في هذا الكتاب يحمل عنوان «الحروب والدولة والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر»، ويدرس «فوكر بيرتس» مدير برنامج الشرق الأوسط ـ البحر المتوسط في معهد العلاقات الدولية ببرلين، في المساهمة الأولى «بناء الدولة والأمن القومي والتحضير للحرب في سوريا». انه يحاول شرح آليات عمل الدولة في هذه البلاد والتحضير للحرب والتوجهات الاقتصادية وذلك في سياق عرف عدة مواجهات عسكرية مع اسرائيل وحالة تعبئة شبه مستمرة. وبعد فصل خاص بـ «تبدل الحدود والازمات الاجتماعية» في اسرائيل بعد حرب يونيو عام 1967 يدرس «يزيد صايغ» مساعد مدير مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبردج «المؤسسات السياسية الفلسطينية والنزعة القومية والمجتمع منذ عام 1948» حيث يؤكد على نجاح منظمة التحرير الفلسطينية بتأمين التواصل المباشر مع الشعب الفلسطيني دون ان تستطيع التوصل الى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في ظل المسار التاريخي المضطرب الذي عرفته والذي يصفه الكاتب بأنه «حالة غياب أمن وجودية» تفاقمت منذ احتلال اسرائيل لأراضي فلسطينية وعربية جديدة في حرب يونيو من عام 1967. وبكل الحالات تشكل الحرب والعنف «محرك» المسار التطوري الفلسطيني وتوجهاته السياسية والاجتماعية. ويحتوي هذا الكتاب ايضا على دراسة ثلاث حالات اخرى تخص مصر والعراق ولبنان كتبها ريم سعد وعصام الخانجي واليزابيث بيكار، بالاضافة الى خاتمة «قسم ثالث» من خمس صفحات كتبها روجيه اوين استاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، وتحدث فيها عن «الآثار المتراكمة للحرب في الشرق الأوسط» ورأى فيها بالمحصلة ان الحرب كانت بمثابة «ناظم للحياة في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين». حروب متكررة مع اسرائيل وحروب أهلية في بلدان عديدة كانت الحرب الأهلية اللبنانية آخرها