بيان الكتب: ادوادر جولد سميث، احد المشرفين على انجاز هذا العمل، هو احد اشهر الاقتصاديين الامريكيين الذين اعلنوا «منذ البداية» مناهضتهم لـ «العولمة»، وهو في هذا الكتاب لا يطالب بأقل من «محاكمتها». وكان قد اسس عام 1969 مجلة دورية هي «ذا ايكولوجيست» أي «المدافع عن البيئة» اصبحت بمثابة ، مرجع أساسي في ميدان اختصاصها. سبق وله ونشر عدداً كبيرا من الكتب والدراسات في الدوريات المتخصصة. من أهم كتبه «500 يوم لإنقاذ العالم» و«خطر الانقراض»... الخ. تجدر الاشارة هنا الى ان للمؤلف آخر هو «جيمي جولد سميث» وهو اقتصادي ايضاً والتزم مؤخراً في المعركة ضد العولمة الليبرالية الجديدة. أما المشرف الآخر ـ الثاني ـ على انجاز هذا الكتاب، أي «جيري ماندر» فهو محلل سياسي أمريكي وله عدة مؤلفات أيضاً. تشهد رفوف المكتبات الغربية كل اسبوع تقريباً كتاباً أو أكثر خلال الأشهر الأخيرة المنصرمة، والموضوع تقريباً واحد هو «العولمة».. أصوات تمجّد وأصوات تندد والكل ينظرون نحو المستقبل. المساهمون في هذا الكتاب «محاكمة العولمة» هم في صف الاصوات المنددة.. والعنوان له دلالته الواضحة حول موقف «أصحابه» من العولمة. إن هذا الكتاب، بمعنى ما، هو «سباحة ضد تيار» ساد تقريباً في جميع الحقب وتبنى مقولاته أغلبية الباحثين في شتى المجالات. إنه التيار الداعم لإطروحة «حتمية السير الى الأمام».. ذلك أن فكرة «التقدم» تسكنني.. ثم ان الشعارات الأساسية المرفوعة بهذا الشأن تقول انه «لا تراجع» و «لا عمليات كبح». إن «المحرك» الأساسي في فكرة «التقدم» هذه يكمن حسب الرؤية السائدة لدى أنصار «العولمة» بتبني منظومة اقتصادية دولية ليبرالية جديدة لا تخضع لأية سلطة كابحة، لا سيما سلطة الدولة التي تميل، حسب المفهوم السائد، الى «ضبط» آليات النشاط الاقتصادي. لكن «الهدف» النهائي لمثل هذا التوجه انما يرى في واقع الأمر، إلى جعل العالم كـ «سلعة» قابلة للبيع والشراء دون أي قيد أو شرط.. أما «النتائج» المترتبة على مثل هذا الفهم لـ «العالم»، وكما تبدو في المحصلة العامة لتحليلات هذا الكتاب، فهي شديدة الخطورة والتهديد حول مستقبل العالم وحيث أن تبدياتها الحالية تمثلت ببروز عدد من الظواهر والتهديدات التي ليس أقلها أزمة «جنون البقر» وتعاظم «عدم الاستقرار الاقتصادي» وحتى في البلدان الصناعية الأكثر تقدماً، و«زيادة سخونة الأرض، مما ينذر بعواقب وخيمة بالنسبة لكوكبنا الأرضي الذي نعيش عليه، وكما يؤكد العلماء والمختصون. و«تلوث البيئة»... وأشياء أخرى كثيرة. إن هذا الكتاب يجمع في عداد المساهمين فيه أكبر الاخصائيين العالميين بشتى الميادين. ويقوم كل واحد منهم بدراسة وجه من وجوه العولمة وتبعاً لمركز اهتمامه وتأثيراته على جوانب حياة الناس وحيث تتفاقم عدة ظواهر سلبية على رأسها زيادة الفقر والتهميش في ظل اتساع الهوة بين بلدان الشمال «الغنية» وبلدان الجنوب «الفقيرة»، لا سيما وأن اقتصاد هذه البلدان الأخيرة «الفقيرة» قد غدا «مفككاً» والثقافة «أحادية» والزراعة والصناعة تتراجعان... وهذا كله لابد وأن يكون له بالمحصلة تأثيره السلبي الكبير على المسار الديمقراطي الذي اختارته البلدان المتقدمة كـ «سبيل» لتحقيق قدر أكبر وأعمق من التقدم والازدهار. ومن الأخطار الكبيرة التي يؤكد المساهمون في هذا الكتاب على انها من «افرازات» العولمة، بصيغة أو بأخرى، هناك ما تحمله من تهديد لاستقلال البلدان وسيادتها. ويتمثل هذا التهديد خاصة في تنامي النزعة الاستعمارية الجديدة ممثلة بصندوق النقد الدولي وبالبنك الدولي وبمنظمة التجارة العالمية.. هذه «المؤسسات» الثلاث تفرض على البلدان الفقيرة «خاصة» قواعد للسلوك وترغمها على اتخاذ بعض الاجراءات تبعاً لحسابات تصب بمصلحة المؤسسات نفسها أو بمصلحة القوى الكبرى الأكثر هيمنة عليها، وبعيداً عن اعطاء أية قيمة حقيقية للسياق الخاص للمسار التطوري للبلدان المعنية وما يفرضه ذلك من مستلزمات ينبغي عدم اهمالها في اي مشروع تنموي. يضم هذا الكتاب ثلاثة محاور أساسية يهتم الأول منها بـ «محركات العولمة» ويبحث الثاني في «آثار العولمة» أما المحور الثالث فتقدم مساهماته رؤية «في سبيل اعادة تصويب التوجه». وفي سياق الحديث عن «محركات العولمة» في صيغتها الراهنة على واقع العودة الى ممارسات قديمة تعود الى الحقبة الاستعمارية الأولى حيث يتحدث «ادوارد جولد سميث» عمّا أسماه بـ «الشباب الثاني للوكالات الأجنبية التجارية»، أي الى الفترة التي أقامت فيها القوى البحرية الأوروبية الأولى منذ القرن السادس عشر «مراكز تجارية» على الشواطئ التي وصلتها أساطيلها و ذلك بغرض تجميع «العبيد» لنقلهم الى القارة الأمريكية ـ العالم الجديد ـ وبيعهم لأصحاب المزارع الأمريكيين. ومن الظواهر الأخرى التي ترتبت على العولمة، اخفاق مؤسسات «بريتون وود» و«تسخير التكنولوجيات لخدمة العولمة» واقتصاد السوق. وهناك أيضاً «هيمنة الشركات متعددة الجنسيات» بحيث انها اصبحت بمثابة صاحبة القرار الاقتصادي، وبالتالي إلى حد كبير السيادة، على المستوى العالمي اليوم. وإذا كانت الشركات متعددة الجنسيات ليست ظاهرة جديدة، مثلها في ذلك مثل الأسواق نفسها، إذ أن بداياتها تعود الى العصور الوسطى في أوروبا كما تدل عدة أمثلة منها «بنك أسرة مديتشي» في ايطاليا و«شركات الهند» البريطانية، فإنها، أي الشركات متعددة الجنسيات، قد أخذت أبعاداً دولية كبيرة منذ مطلع عقد السبعينيات في القرن العشرين. وساهم تقدم التكنولوجيات وثورة المعلوماتية في زيادة هيمنتها ومثال شركة «آي.بي.ام» له دلالته في هذا السياق. كما ان «العملة الالكترونية» قد سادت في ظل ما يسمى بـ «اقتصاد الكازينو». وفي اطار البحث عن «آثار العولمة» فإن مساهمات هذا الكتاب تؤكد على مسألة اساسية هي زيادة التفاوت بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة في ظل «حرية تبادل» تلعب في واقع الأمر «دوراً تخريبياً». وهناك عدة مؤشرات على «الخلل» الكبير القائم من بينها «الدور الاستغلالي» الذي تلعبه «المناطق الحرة» في الاقتصاد العالمي و«توحيد نمطية الثقافة الكونية» أو ما يتم التعبير عنه بـ «انتصار الفكر الواحد» ووجود «عالم واحد». وينقل الباحث الاقتصادي الفرنسي «سيرج لاتوش» في مقدمة هذا الكتاب عن المفكر الاقتصادي الليبرالي «الان مانك» قوله: «ليس الفكر هو الوحيد، وانما الحقيقة هي الوحيدة». أضف الى هذا الدور الذي تلعبه منظمة التجارة العالمية التي استطاعت خلال خمس سنوات فقط من عمرها ان تصبح «مركز قرار» في عملية تنظيم التبادل التجاري والجمركي وتنظيم الزراعة في العالم الثالث بل ولعب دور «التحكيم» في الخلافات «التجارية» بين الدول. أمام هذا كله، ومن أجل «تصويب» مسار العولمة والعودة الى مواقع انطلاق صحيحة تؤمن تغيير التوجه والتخلص من «التبعية الدولية» مقابل تدعيم العلاقات المحلية والاقليمية.. و«العودة نحو الأرض مع التأكيد على «بناء الفلاحين».. ثم، وربما الأهم، وضع حد نهائي لـ «عملية المصادرة الكبرى» الجارية اذ «لا يمكن تصور ان يسود النموذج الاقتصادي الغربي في العالم اجمع.. كما لا يمكن المحافظة على النمو الاستثنائي بشكل دائم... وتلبية مستلزمات التصدير على حساب تلبية الاحتياجات المحلية»، كما يقول سيرج لاتوش. لقد تضاءل دور العولمة وانهارت «الاقتصادات» الاشتراكية و«استبعدت» الأسواق المالية وانتصر الفكر الواحد... والنتيجة من هذا كله «انحسار» أية امكانية للتطلع نحو «تعددية» حقيقية.. باختصار ان جميع مظاهر الليبرالية الجديدة والعلاقات بين الشمال والجنوب والزراعة والثقافة والبيئة ونقد سياسات منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي يجري طرحها في هذا الكتاب الجماعي من قبل شخصيات «ملتزمة» بالنضال ضد العولمة.. وخاصة النضال ضد سيطرة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات والتي تسيطر، في كل قطاع لنشاط اقتصادي ما، أربع أو خمس منها على 40% أو 50% من السوق العالمي بحيث ان «عمليات التبادل التجاري العالمي أصبحت تتم بين الشركات متعددة الجنسيات وفروعها. والأمر لم يعد يتعلق بتجارة حقيقية وانما بنوع من التخطيط الخاص المركزي على الصعيد الكوني». ثم «هل يمكن الحديث أيضاً عن الديمقراطية في الغرب، عندما نرى ان الأغلبية الساحقة من الغربيين لم يعودوا قادرين على التمييز بين اطروحات المعارضة وأطروحات السلطة؟».. لذلك لابد من اجراء مراجعة جذرية اذا كان العالم لا يريد «المخاطرة بالانفجار الكبير» ووضع الاقتصاد حيث ينبغي ان يكون، أي في خدمة الانسان. كيف؟ عبر «تعديل تشاؤمية العقل بتفاؤل الإرادة». كما جاء في احدى كلمات المفكر الايطالي انطونيو جراشي.. ولربما ينبغي ان نضيف و«تفاؤل القلب» أيضاً