بيان الكتب: بين صفحات هذا الكتاب طالبان جندالله في المعركة الغلط لمؤلفه فهمي هويدي إطلالة على افغانستان (الطالبانية) اقتربت مرة من خرائط الواقع، ومرة ثانية من العقلية التي تدار بها الأمور هناك ومن ثم فانها محاولة للاجابة عن السؤالين الكبيرين: ماذا فعلوا؟ وكيف يفكرون؟ من خبرة الكاتب بافغانستان، حيث كانت أول زيارة له منذ عشرين عاما، مباشرة في اعقاب أول انقلاب شيوعي وقع فيها في شهر ابريل عام 1978م. يجعله يهتم بالتقديم أو مايطلق عليه هو ـ الخطبة التي تساعد على تفسير الحاضر وتفهمه، كما انها تساعد على استيعاب الزمان والاحاطة بالمكان، وتكشف لنا دور الجغرافيا في صناعة التاريخ. 22 مليون نسمة أغلبيتهم الساحقة سنة أحناف وأقلهم شيعة امامية، وان مساحتها تقدر بـ 652 ألف كيلو متر مربع، ومحاطة بست دول ـ أهمها باكستان ثم ايران، وطول حدودها مع الأولى 2466 كم، ومع الثانية 850 كم. نقترب أكثر من الحقائق الجوهرية في افغانستان اذا علمنا ان الجبال الصخرية والوحشية تركت بصماتها على الناس، فشبوا رجالا من طراز نادر، مقاتلين اشداء. ولذلك تحولت بلادهم الى قلعة صلبة استعصيت على الغزاة على مر التاريخ. أشهر الغزاة في التاريخ مروا بتلك البلاد، ولكن أحدا منهم يشير المؤلف الى أنه لم يهنأ على ارضها ولم يستقر: الاسكندر الأكبر وجنكيز خان وتيمورلنك، وجيوش قياصرة الروس والامبراطورية البريطانية. جميعهم مرت جحافلهم فوق صخور افغانستان بل أن المرة الوحيدة التي افني فيها جيش لبريطانيا من جانب دولة صغرى، والامبراطورية في أوج جبروتها وهيلمانها القرن 19 هذه الواقعة التي لا تنسى في التاريخ البريطاني حدثت في افغانستان، وعلى أيدي مقاتليها البواسل والأشداء. وقد كانت فصلا من مسلسل الصراع التاريخي على النفوذ بين الامبراطورية الروسية المطلة في الشمال وبين الامبراطورية البريطانية التي تمركزت آنذاك في الهند. وكذلك انزل الأفغان هزيمة مماثلة للسوفييت في القرن العشرين. بالمثل تتابعت ديانات شتى على أفغانستان البوذية والزرادشتية والمسيحية والنسطورية، وحتى عبادة النجوم والأوثان الى أن وصل اليهم الاسلام عبر سجستان وخراسان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان بن عفان. يتعايش في افغانستان حسب ماورد في الكتاب 21 عرقا وملة، اذ سمحت الطبيعة الجغرافية لتلك الكيانات أن تحتفظ باستمرارها وتماسكها، بحيث صارت الجبال والوديان والاحواض الهضبية، بمثابة عوازل طبيعية احتمت بها مختلف الاعراق، حتى جنبتها الذوبان أو الانقراض. البشتون أكثر تلك الأعراق أغلب عناصر طالبان منهم ويمثلون مابين 40% و 60% من السكان. وبعدهم الطاجيك 25% ـ الشيعة 10% وهم موزعون على أعراق ثلاثة: الفارسوان والقزلباش والهزارة ـ الأوزبك 6.6% الايماق 5.3% وهناك البلوشي والتركمان القرغيز والبراهي والمغول والكوجار والسيخ®. الخ القاسم المشترك بين الجميع كان الاسلام هناك قلة محدودة من اليهود والسيخ ولذلك لم يعد الاسلام في افغانستان دينا فقط ولكنه صار هوية جامعة. فهناك دور الدين وعلمائه في الحياة العامة بالغ الأهمية، مجتمع شديد التدين وبالغ التقدير للعلماء. ويكفي ان نشير الى انه خلال 250 سنة تولى الحكم في البلاد 30 حاكما من 1747 حتى 1997 ـ منهم حوالي 13 حوالي 43.3% تقلدوا منصبهم استنادا الى اسباب دينية ومن هؤلاء الثلاثين 11 حاكما حوالي 35.6% عزلوا من مناصبهم نتيجة لاسباب وعوامل دينية. ولمؤلف الكتاب جهد واسع ومعرفة كبيرة بأحوال افغانستان، فهو صاحب كتاب (حدث في افغانستان)الصادر عام 1978 عندما أخذ الشيوعيون الحكم في افغانستان وقاموا باعلان جمهورية افغانستان الديمقراطية منهيين حكم اسرة أحمد خان الى الابد الى (أحمد شاه بابا)الذي اقام دولة افغانستان في عام 1747م، واستمرت سلالته تحكم البلاد طيلة 240 عاما، باستثناء فترات اضطراب قليلة. وكان الرئيس محمد تراقي أول رئيس شيوعي لافغانستان، وكان هناك تشابه بين تجربة الشيوعيين والطالبانيين من جوانب عدة فكل منهما له منطلقه الايديولوجي الذي أراد أن يصبغ به الواقع الافغاني، وان كان منطلق الشيوعيين وافدا ومنطلق الطالبانيين موروث ثم ان كلا منهما وصل الى السلطة مدعوما من الخارج، الأولون دعمهم الاتحاد السوفييتي (السابق) والآخرون دعمتهم باكستان. والاثنان جاء من خارج المعادلة السياسية المعلنة محمد تراقي كان رئيسا لحزب شيوعي سري حزب الشعب (الخلق)، والملا محمد عمر قاد مجموعته القادمة من المجهول التي عرفت فيما بعد باسم طالبان. وأول مافعله الشيوعيون في عام 1978 انهم فتحوا قصر الرئيس محمد داود، الذي قتله شاب عمره 27 عاما كان نقيبا في الجيش، وجماعة طالبان فعلوا الشيء نفسه، حين دخلوا كابول سنة 1994م، فإن أول مافعلوه ان تقدم واحد من شبابهم وقتل الرئيس السابق نجيب الله الذي كان محتميا بمقر الأمم المتحدة. ويوضح المؤلف في موضع اخر من الكتاب ان في افغانستان الاسلامية هذا نظام جديد يهيمن على 95% من الأرض كحد أدنى يطلق على نفسه امارة افغانستان الاسلامية، وللامارة حاكم يسمونه أمير المؤمنين وفي البلد نظام يرفع شعار تطبيق الشريعة الاسلامية. ولافغانستان حدود مع عدة دول أخرى هي ايران وطاجكستان وأوزبكستان، اضافة الى حدودها مع الصين التي تمتد بطول 71 كيلو مترا، ولذلك فإن اتصال نظام كابول البري بالعالم الخارجي يتم الآن أولا عبر باكستان من تركمانستان. ومن خلال هاتين القناتين يمر الزوار وتتدفق البضائع ـ وليست هناك خطوط طيران باستثناء الرحلات غير المنتظمة التي تقوم بها من جلال اباد الى دبي شركة الخطوط الافغانية (ايريانا) وهي تخدم بالدرجة الأولى جموع الأفغان والبلوش العاملين في دولة الامارات. العلم الذي تخيرته حركة طالبان لامارة افغانستان الاسلامية: رقعة من قماش أبيض، وقد كتبت عليها البسملة، وعبارة لا الله الا الله محمد رسول الله، ثم رسم في قلبه مصحف، تصدر منه اشعاعات رمزا للتعاليم، وتحت المصحف تروس اشارة إلى الصناعة وعلى جانبيه سنابل قمح رمز الثروة الزراعية، وذلك كله محاط بسيفين متقاطعين. ويشير المؤلف الى انه كانت هناك طرق في افغانستان قبل سنوات الحرب، ولكن استمرار القتال طيلة عشرين عاما جعل المقاتلين من الشيوعيين والمجاهدين يعدون الطرق أهدافا عسكرية، يتعين تدميرها لشل حركة الخصم أو تطويقه بسبب ذلك، لم يعد للطرق من وظيفة سوى انها تدل السيارات على اتجاه السير في صحارى افغانستان الشاسعة. والحكيم من سار بمحاذاتها مفضلا الجبال والهضاب عليها، وسيئ الحظ من صدق انها طرق وسلكها. لن يتصور أحد قسوة الطريق ومعاناته الا اذا أدرك طبيعة الجغرافيا في افغانستان. فشمالها منطقة سهول هي عبارة عن سفوح جبال البامير والهندوكوش، وفي الجنوب الغربي منها هضبة صحراوية يخترقها نهر (هلمند) القادم من جبال الهندوكوش أما المنطقة الوسطى فهي منطقة مرتفعات تغطي ثلثي البلاد، وتشكل امتدادا لهضبة (البامير) التي يعدها الجغرافيون (سقف العالم) ومنها تتفرغ جبال الهملايا الشهيرة اما ركيزتها الأساسية فهي جبال الهندوكوش الشاهقة وفروعها ويصل ارتفاع بعض المواقع فيها 7620 مترا. وكابول العاصمة ومقر السلطة تقع في قلب المنطقة الوسطى، وان كانت (قندهار) مقر زعيم طالبان (أمير المؤمنين) تمتد في الهضبة الجنوبية. والصورة اختلفت في افغانستان عنها في باكستان من ثلاثة أوجه: الأول: يتثمل في تدهور الطرف الى حد بائس، الثاني: أن الطرق الافغانية مازالت محاطة بمشهد الحرب. الثالث: مساكن اللاجئين ذلك انه طيلة سنوات الصراع حول المدن الافغانية كان بعض سكان افغانستان يفضلون اللجوء والنزوح جنوبا وعندها اقامت لهم المنظمات الدولية مخيمات الايواء في البداية. ولغات افغانستان يصل عددها الى 20 لغة محلية تقريبا، وان كان (المعتمد)اثنتان فقط، (الباشتو)التي هي خليط من الأردية والانجليزية والعربية و(الداري) وهي خليط من الفارسية والعربية. المرأة تلبس (التشودري) الرداء الملون الذي يغطى الجسم كله من قمة الرأس الى أخمص القدمين وتتخلله ثقوب صغيرة امام العينين فقط. ولأن محطات البنزين متوقفة عن العمل، فإن البترول بدوره يباع على الأرصفة في أوعية بلاستيكية وكله مهرب. ويلفت الباحث كم خلال كتابه نظرنا الى علاقة بين السنة والشيعة في كابول، حيث يعيش الشيعة في منقطة (داشتي برشتي) ويعملون بالتجارة، اذ ان المتداول في كابول ان الشيعة الهزازة كانوا تقليديا يسيطرون على 60% من تجارة العاصمة الا ان الكاتب قد استلفت نظره أمران. الأول: ان أشكالهم متميزة عن بقية الأفغان، وملامحهم اقرب الى السمات المغولية، بحثيا يمكن التعرف عليهم بسهولة في أي مكان عام. والثاني ان نسبة عالية من القاعدين على الأرصفة من كبار السن وحينما تم السؤال عن ذلك كانت الاجابة، ان عددا غير قليل من الشباب انضموا الى ميليشيا حزب الوحدة الشيعي وهم يحاربون جماعة طالبان ضمن مجموعات المعارضة في الشمال! اذا سألت بعد استعراض المشهد كيف تحكم امارة افغانستان الاسلامية؟ فان الاجابة التي توافرت لدى المؤلف هي كالتالي: تتطلع حركة طالبان لاقامة دولة اسلامية، في حدود فهمهم لطبيعة تلك الدولة ولا يزال أمير المؤمنين الملا محمد عمر هو الشخصية المحورية والرئيسة في الامارة، اما شكل الدولة فلم يستقر بعد على صورة نهائية، وانما هو قابل للتغيير في أي وقت، طبقا لتغيير القناعات الملا محمد عمر أو استجابة لما تتطلبه الظروف، وحتى الآن لا يوجد نظام اساسي للامارة وانما شئونها تدار بحسب ما يراه المؤمنون ومعاونوهم ورجال الافتاء. ورغم أن جامعة كابول بها 14 كلية الا ان صوت المرأة عورة والموسيقى حرام لانها مزمار الشيطان والرسم جائز مالم يكن فيه روح، ولذلك فهم يجيزون رسم الطبيعة وفنون الخط. أما المسرح والسينما ممنوعات نظرا لما فيها من مفاسد واختلاط الرجال بالنساء وتدليس على الخلق لأن مايقدم ليس فيه شيء من الحقيقة والتلفزيون ليس ضروريا ومضاره ومفاسده كثيرة. ومن المفيد في هذا الصدد أن نذكر ثلاث حقائق تكشف لنا المشهد الافغاني ونوع الحياة في كابول ـ ان نسبة غير قليلة من قيادات حركة طالبان والاغلبية الساحقة من قواعدها حديثة العهد بحياة المدينة. والحقيقة الثالثة: أن أغلب قادة حركة طالبان وقواعدها جاء من ثلاث مقاطعات متجاورة بشكل: قندهار وزابول وأوزجان وهي من المناطق المتخلفة على المستويين العمراني والثقافي: والحقيقة الثالثة هي أن من الأسباب التي أطلقت حركة طالبان أن بعض قادة الفصائل الجهادية أساءوا التصرف بعد انسحاب القوات السوفييتية وانتهاء الحرب ضدها. القاهرة ـ أمين اسكندر