بيان الكتب: جان ماري روار هو عضو الاكاديمية الفرنسية. وهو روائي وباحث فرنسي له العديد من الاعمال الروائية والدراسات من بينها: «نيران السلطة» و«نبالة المهزومين» و«شباب في ظل الضوء».. الخ. «عمر» المقصود في عنوان هذا الكتاب هو مجرد عامل حديقة «مغربي لم يكن يسمع باسمه احد، لكنه اصبح الان احد اكثر «الشخصيات» المعروفة في فرنسا.. وذلك منذ اليوم الذي وجدوا فيه صاحبة المنزل الكبير الذي كان يعمل في صيانة حديقته مقتولة في قبو منزلها مع عبارة مكتوبة بالدم تقول: «قتلني عمر». لم يكن هناك اذن اي مجال شك فـ «المجرم» مشار اليه باسمه الصريح وهو موجود بعين المكان... وصدر الحكم بالسجن لسنوات عديدة.. لكن اشارات استفهام كثيرة برزت وانبرى محامون كبار للدفاع عن «عمر رداد»، اذ اقتنعوا ببراءة «المدان»، ومن بين هؤلاء المحامي المعروف «جاك فيرجيس» الذي كان قد دافع ذات يوم عن ثوار جبهة التحرير الجزائرية وعلى رأسهم «جميلة بوحريد» التي تزوجها فيما بعد.. لقد اكدوا جميعهم على وجود سلسلة من الاخطاء في التحقيق وفي القضاء تم اقترافها وليس اقلها واقع انهم لم يجدوا اي آثار للدماء تحت ظفر الاصبع التي كتبت جملة «قتلني عمر».. اي المقصود اصبع القتيلة «جيزلين مارشال». واشياء اخرى كثيرة تدل على سلسلة من الاخطاء مثل النقص الكبير في عملية التحقيق الذي قام به رجال الشرطة ثم قضاة التحقيق، والاختفاء الغامض لعدد من الوثائق التي كان ملف التحقيق يحتوي عليها، والشهود الذين تم حجبهم، من قبل المحققين. ان مؤلف هذا الكتاب يضيف الى ما سبق من السقطات القضائية ما يعتبره اكثر اثارة للتشوش والقلق حيال عمل القضاء الفرنسي وخاصة مدى العماء الذي اصاب اولئك الذين اصدروا الحكم بالسجن على عمر ردّاد، ثم مدى الصمم، الذي واجه فيه المسئولون عن القضاء في فرنسا احتجاجات وصيحات الرأي العام لصالح رجل يواجه ظلماً واضحاً، وايضاً مدى تصميم جميع وزراء العدل، الذين تعاقبوا بعد القضية، على الا يروا مكامن الحقيقة. وضمن هذا السياق يطرح المؤلف السؤال التالي: «لماذا كان مفكروا اليسار الا بعض الاستثناءات الفردية، غائبين عن معركة كان يفترض ان تعبئهم؟ بالاعتماد على ما سبق يبدو هذا العمل ذا ابعاد تتجاوز كثيراً قضية عمر ردّاد، دون ان تهملها بالطبع، ليتعرض لنقد آليات عمل العدالة ولتأثرها بخلفيات ايديولوجية وسياسية تطغى احياناً على المعطيات الواقعية للقضايا نفسها. ولا يتردد المؤلف في الحديث بصدد هذه القضية، قضية عمر ردّاد، عما يسميه بصناعة مذنب، او بناء مذنب، مطالباً في الوقت نفسه بضرورة الذهاب الى النهاية في الكشف عن الحقيقة. وهذا ما عبّر عنه بواسطة كلمة كتبها ذات يوم الروائي الروسي ليو تولستوي، عن موقف احد المحاماة، في قضية كانت تنظر بها احدى المحاكم. يقول تولستوي: منذ ان تم تعليق الجلسة نهض نيخليو دوف وخرج الى البهو حيث كانت تسكنه رغبة مصممة بانه لن يضع قدمه بعد ذلك في المحكمة، فليفعلوا ما يشاءون بهذا البائس! اما بالنسبة لي فانني لم اعد قادراً على المشاركة في هذه المهزلة الرهيبة المنفرة». ويقول المؤلف عن قضية البستاني المغربي: «لم يكن عمر ردّاد ضحية اخطاء في التحقيق وفي الاستجواب، وضحية محاكمة فظة غير دقيقة فحسب، لكنه كان ضحية مؤامرة. وهي مؤامرة شارك فيها الكثيرون البشر البارزون والمحترمون. ولم يكن الرهان في هذا كله اقل من المساهمة في ادانة بريء.. وامام هذه الصور من الظلم وجد مؤلف هذا الكتاب جان ماري رواد، عضو الاكاديمية الفرنسية نفسه حيال، وقفة ضميرية، شبيهة الى هذا الحد وذاك، من تلك التي واجهها الروائي الكبير اميل زولا في نهاية القرن التاسع عشر امام قضية الضابط دريفوس الذي كان قد تم اتهامه ظلماً بالتآمر مع قوى اجنبية، فكتب ـ اي زولا ـ رسالته الشهيرة الى رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك تحت عنوان: اني اتهم. كان ذلك تعبيراً عن موقف المثقف، الذي التزم بما كان يعتبره الحقيقة، وهذا ما يفعله مؤلف هذا الكتاب حيال رجل لم يتعرف عليه ابداً ولم يره مرة واحدة في حياته.. الا بعد خروجه من السجن، بقرار عفو رئاسي بعد ان مضى سنوات عديدة من حياته فيه. ويناقش المؤلف طويلاً ايضاً دور وسائل الاعلام المختلفة ودور الصحفيين انفسهم في هذه القضية، وهو يأخذ على هؤلاء جميعاً بحثهم عن اثارة الانفعالات القوية، اكثر من بحثهم عن الحقيقة. واذا كان هذا الدور اي تعبئة المشاعر ليس بعيداً عن مهمة الاعلام والصحفيين، فإن مثل هذا الامر يختلف عندما يتعلق الامر بالظلم الذي يرى به المؤلف سمّاً يصيب بالعدوى كل شيء. وهو في احيان كثيرة سبباً في الانتحار. وحول قضية عمر ردّاد يقول المؤلف: كنت اعرف ان عمر رداد بريء. كنت على قناعة كاملة بذلك.. وبالتالي كان المثقف مطالباً بموقف شريف كي يثبت انه يستحق حمل لقب مثقف. ان المؤلف يعود في مناقشته لقضية عمر ردّاد.. وفي الوقت نفسه لسيرة الموقف الذي اتخذه الى شهر يونيو من عام 1991 عندما انفجرت القضية في الصحف، ومنذ البداية بدا السيناريو الذي قدمته الشرطة مثيراً للريبة. لم يكن هناك اي دليل سوى تلك الجملة الشهيرة المكتوبة بالدم. وبدا واضحاً في الوقت نفسه بأن المحققين يبحثون عن دوافع للجريمة التي اقترفها حسب روايتهم عمر ردّاد فتم الحديث عن ميله لارتياد الكازينو للمقامرة وارتياد بنات الهوى، واشياء اخرى كانت الغاية منها كلها تشويه صورة المتهم لدى رأي عام كان قد بدأ بالشك جدياً في انه مذنب. واختارت يومها صحيفة «فرانس سوار» الشهيرة، الاكثر توزيعاً في فرنسا، عنواناً رئيسياً يقول كان عمر يتردد على بنات الهوى، وفي الوقت نفسه، كانت الآلة القضائية قد تحركت بكل ثقلها وحطمت كل شيء في مسيرتها، انها لم تكن تريد بأي شكل من الاشكال التخلي عن فرنسيتها. على قاعدة القناعة ببراءة عمر ردّاد كانت العقبة الكبرى الاولى ايجاد وسائل الاعلام التي تقبل نشر مقالات دفاعاً عنه. كانت الحجة الاولى هو ان محاميه آنذاك جاك فيرجيس، هو نفسه الذي دافع عن الضابط النازي السابق كلاوز باربي. كانت هناك اذن حسابات اخرى. هكذا وجد المؤلف نفسه مدفوعاً نحو اعداد كتاب عن هذه القضية. لم تكن نقطة الانطلاق في مثل هذا المشروع ملائمة لواقع ان المؤلف عضو في الاكاديمية الفرنسية الوقورة، والاجدر بأن يقوم بمثل هذا العمل صحفي تحقيقات، وربما اكثر كفاءة في مثل هذا الموضوع. ولكن لم يكن الموقف سهلاً في مواجهة الضمير. اذن هناك رجل بريء وانا اتركه لمصيره، يقول المؤلف، ولم يكن هناك بالتالي سوى الشروع في هذا العمل.. ويضيف: لقد اسفت على اشياء كثيرة فعلتها في حياتي، ولكن ليس هذا القرار. وكانت هناك لقاءات عديدة، اولها مع المحامي جاك فيرجيس، وكانت لدى الرجلين قناعة واحدة، بأنه لا شيء يمكن ان يؤدي ومهما كانت المرافعات قوية، الى تبرئه عمر ردّاد في المحكمة. فقط ربما كانت تعبئة الرأي العام والضغط الاعلامي، الوسيلة الممكنة للوصول الى تبرئته، وعلى قاعدة ثقة المؤلف بالتحليل الذي قدمه المحامي انطلق في عمله وقابل اسرة عمر وجيرانه وموقع الجريمة والشهود، لتزداد قناعته ببراءة المدان، ومن الآراء الصارخة التي يقدمها شهادة امرأة عجوز كانت صديقة مقرّبة من الضحية، جيزلين مارشال، التي قالت بانها لم تفهم ابداً، ولم تصدق الوصية التي قال اهل الضحية بانها قد تركتها وطالبت فيها بحرق جثتها، قالت تلك المرأة العجوز: انها كانت تكره النار وتعاني من عقدة منها، ولا يمكنني ان اصدق بانها، كما قال اهلها، اوصت بحرق جثتها، لاسيما وانها كانت قد جهزت قبراً في مقبرة البلدة حتى تتمنى ان تدفن. وبعد جهود كثيرة توصل مؤلف هذا الكتاب الى تأليف لجنة للدفاع عن عمر ردّاد، لم يكن المحامي جاك فيرجيس مشاركاً فيها كي لا ينفر منها عدد من الادباء والمثقفين المعروفين الذين لا يريدون سماع اسمه فكيف بالعمل معه؟! كان المطلب واضحاً هو اعادة النظر بالقضية امام المحاكم، الامر الذي رأى به العديد من مسئولي القضاء محاولة لاستبدال القضاء بالاعلام، تحت ضغط الرأي العام، ان المؤلف يستعرض في هذا الاطار الكثير من الآراء التي قيلت في مختلف وسائل الاعلام حول القضية.. لقد نجحت جهوده اذن في اثارة نقاش، حقيقي عام مما دفع نحو عفو جزئي اصدره رئيس الجمهورية الفرنسية بشأن عمر ردّاد الذي استعاد حريته بعد سنوات من السجن، ولكن ظل مطلب اعادة المحاكمة قائماً وخرجت كتب عديدة تدعم مثل هذا المطلب يشير المؤلف الى عدد منها وخاصة كتاب ايفا ليفيه، الذي تم نشره عام 1999 تحت عنوان قضية عمر، اكاذيب وحقيقة. والمطلوب دائماً هو الذهاب في البحث عن الحقيقة حتى النهاية