بيان الكتب:المشرفان على انجاز هذاالكتاب مارتن داونتون وماثيو هيلتون، هما استاذان جامعيان، الاول اي مارتن داونتون، هو استاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة كمبردج وعضو سابق في معهد تشرشل قام بمجموعة من الدراسات عن سياسات الضرائب ، في بريطانيا منذ عام 1799 وعن التاريخ الاقتصادي البريطاني خلال فترة 1850 ـ 1950 اما الثاني ماثيو هيلتون هو استاذ التاريخ الاجتماعي في جامعة برمنجهام وهو مؤلف عدة كتب منها «التدخين في الثقافة الشعبية البريطانية 1800 ـ 2000» يعمل حاليا على تاريخ التجارة وسياسات الاستهلاك في بريطانيا. وكان هذان الاستاذان قد شاركا في مؤتمر شهدته جامعة كمبردج في عام 1999 وكان موضوعه هو نفس عنوان الكتاب الذي يشكل بالدرجة الاولى ثمرة الابحاث التي قدمها المساهمون في المؤتمر واغلبهم من الاساتذة الجامعيين والباحثين الاكاديميين مثل «ليورا او سلاندر» استاذة التاريخ الاوروبي الحديث في جامعة شيكاغو، و «هرتموت بيرجوف» استاذ التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في جامعة سكوتنجن» هذا بالاضافة الى عدد من الاساتذة في الجامعات الامريكية والاوروبية. من خلال قراءة المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب حول «سياسات الاستهلاك في الولايات المتحدة الامريكية وبلدان اوروبا الغربية يمكن التوقف عند عدة نقاط يتم التأكيد عليها بشكل عام في مقدمتها «السهولة» التي يجدها المستهلكون في اتخاذ قرار الشراء لأية سلعة اليوم. ان الخيارات المطروحة كثيرة ووسائل الاعلام المختلفة تتناول بالشرح والتحليل والتعليق مختلف السلع المعروضة في الاسواق مما يتيح للمستهلك اتخاذ قراره عبر التمتع بهامش واسع من «الحرية» وبمعزل عن الوقوع تماما تحت تأثير الحملات الدعائية التي ينظمها المنتجون لهذه السلعة او تلك. واذا كانت جمعيات حماية المستهلك الاهلية قد انتشرت فانها تلقى بنفس الوقت مساندة المستهلكين لها على اساس انها تدافع عن مصالحم وتقوم بالضغط على الحكومات لاصدار المزيد من التشريعات لحمايتهم وتشجيع المنافسة بين الشركات والمؤسسات التجارية ان هذا كله يصب في مصلحة المستهلك وذلك عبر تنظيم العلاقة بين المنتج والمستهلك والحكومات ممثلة السلطات العامة. وقد استجدت في السنوات الاخيرة عدة معطيات يتمثل اهمها في تنامي حركات الاحتجاج ضد الشركات التي قد تخالف المباديء والاخلاقيات التي تقوم على اساسها العلاقة بين المستهلك والمنتج، او التي لا تتقيد بمعايير حماية البيئة من التلوث .. وهذا كله في مواجهة توجه برز في سلوكية الكثير من المؤسسات والشركات التي تسعى الى تحقيق المزيد من الارباح بكل الوسائل وتشير عدة مساهمات الى المقاطعة التي شهدتها فعليا عدة شركات عالمية مثل نايك نستله وشل ومكدونالد وغيرها. لكن سياسات الاستهلاك التي تتبناها الجمعيات والمنظمات العاملة تحت شعار «حماية المستهلك» لا تمثل، كما يتم تقديمها حركة ايديولوجية متماسكة تقوم على مباديء ومقاييس عامة وشاملة، اذ في حين يمكن لجمعية من جمعيات المستهلكين القيام بحملة نشطة وناجحة من اجل حماية الحيوانات في بلد ما فانها قد لا تلقى القبول والاهتمام لدى جمعية اخرى لا تضع ذلك الهدف في اولوياتها التي قد تتركز على المستهلك نفسه وامكانية حصوله على ما يحتاجه من السلع بارخص الاثمان. ويتم التأكيد ضمن هذا السياق على وجود تعارض شديد بين العديد من سياسات الاستهلاك لدى الجمعيات والمنظمات المعنية وحيال الشركات التي تطبق عليها هذه السياسات ان مثل هذا التعارض هو في صميم غياب الوعي الموحد للمستهلكين وفي الاخفاق بصدد ايجاد تعريف محدد لمفهوم مصلحة المستهلك لكن عددا من المساهمين اشاروابنفس الوقت الى نجاح العديد من المنظمات غير الحكومية بتوحيد جهودها للاحتجاج على مؤتمر منظمة التجارة العالمية في «سياتل». وقد حدد المساهمون في هذا العمل اربعة اسس جوهرية لـ «سياسات الاستهلاك» في العالم الغربي وامريكا واوروبا وتتمثل هذه الاسس في القواعد السلوكية الناظمة للاستهلاك، النضال من اجل تثبيت صوت المستهلك ودراسة البنية الهيكلية للسوق. واخيرا فهم العلاقة بين الحكومة والمستهلك والمواطن. ان هذا الكتاب يحتوي على دراسة عدد من الحالات الحياتية لسياسات الاستهلاك في الدول الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية هكذا يتناول «فرانك ترنتمان» الاستاذ المساعد السابق في جامعة «برينستون» والاستاذ لمادة التاريخ الحديث في جامعة لندن حاليا، العلاقة بين الاستهلاك والمواطنة في بريطانيا خلال القرن العشرين. ويرى ان اول مظاهر الاهتمام بسياسة الاستهلاك تبدت في مطلع القرن الحيث قام العديد من المواطنين بالتظاهر احتجاجا على ارتفاع اسعار الخبز الذي كانت صناعته بايدي القطاع الخاص. وتوسعت حركة الاحتجاج لتشمل الحليب وضرورة المحافظة على جودته وتأمينه للمستهلكين، وبذلك يتحدث الكاتب عن وجود علاقة بين «الخبز» و «الحليب» و «الديمقراطية» على قاعدة الاهتمام بصحة الفرد. ومع نشوب الحرب العالمية الاولى برز الارتباط بين «الخبز النظيف» و «التجارة الحرة» و «العدالة الاجتماعية» و «نقاء السياسة» وتعالت الاصوات في الوقت نفسه للمطالبة بغرض اشراف الدولة على السياسة الخاصة بالغذاء ووضع مفاهيم جديدة للسياسة التجارية. وبدأت احزاب سياسية بريطانية عديدة ذات توجه اشتراكي ومجموعات من التعاونيات حملة للمطالبة بسيطرة الدولة مباشرة على منتجات الالبان وعملية توزيعها لضمان وصولها الى هدفها، اي المستهلك، باسعار مقبولة. وعندما وضعت الحرب اوزارها اصبح من المعترف به ان الحليب ومشتقاته بمثابة احتياجات اساسية للشعب. وانطلقت من جديد حملة «الخبز النظيف» ومحاربة الانواع الرديئة منه وبرز دور جمعية عرفت باسم «مجلس المستهلكين». وبشكل عام بدت السياسة التي تخص المستهلكين في بريطانيا اكثر تنظيما مما كان سائدا في البلدان الاوروبية الاخرى، لكنها فشلت مع ذلك في توفير الحماية للمستهلكين ذلك ان عملية تعقيم «بسترة» الحليب ومشتقاته قد تمت متأخرة بالقياس الى الولايات المتحدة والمانيا هذا على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها مجموعات وجمعيات حماية المستهلكين في بريطانيا. وعلى اية حال يؤكد الكاتب بان سياسة الاستهلاك في بريطانيا قد تعرضت الى هزات عنيفة وتقلصت وتشتت الى سياسات فرعية ادت الى قيام حملات جديدة مثل الحماية ضد الجوع في العالم. وتناول «جونار ترومبول» الباحث في مركز دراسات امريكا وفرنسا في معهد بروكينج، استراتيجيات جمعيات المستهلكين ونشاطهم في فرنسا والمانيا خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، ويشير بداية الى التوسع الكبير الذي عرفته نشاطاتها خلال عقد السبعينيات ذاك وحتى عقد الثمانينيات. وذلك في الفترة نفسها التي شرعت فيها الحكومتان الفرنسية والالمانية باصدار قوانين وتشريعات وانشاء الاجهزة الرامية الى زيادة ثقة المستهلكين بالسلع المطروحة في الاسواق. مع ذلك كان مفهوم «مصلحة المستهلك» يتباين من مكان الى آخر. ففي فرنسا مثلا كانت الجمعيات المعنية «جمعيات حماية المستهلكين» تمارس دور الرقيب على الصناعات، كما كانت تقوم بحملات ضد ارتفاع الاسعار، بل كانت هذه الجمعيات تتولى اقامة الدعاوى لدى المحاكم ضد المستغلين و«الغشاشين» من التجار اما في المانيا فقد كانت العلاقة بين المنتج والمستهلك اكثر ودا حيث كانت تقوم على قاعدة التشاور والتنسيق بين مجموعات المستهلكين والمسئولين في قطاع الصناعة، بل وكانت تتشكل لجان من الطرفين لبحث المسائل المتعلقة بالمستهلك وبالاستهلاك. وكان هناك اختلاف في الاسلوب الذي تم تبنيه في مجال التدخل لدى الحكومات. ففي فرنسا كان لدى كل نقابة من النقابات مجموعة مستهلكين وقد عرفت بعض الاحزاب السياسية الوضع نفسه، وبالتالي دخل مجال الاستهلاك في صلب العمل السياسي بشكل كبير. اما في المانيا فقد كانت مجموعات حماية المستهلكين تتحاشى اقحام نفسها في المجال السياسي مع التركيز والحرص على تقديم النصح للحكومة. ان الخلاف في الواقع والمواقف حيال الحكومات في فرنسا والمانيا ادى الى تبني حلول متباينة هي الاخرى بالنسبة لمشاكل المستهلكين ففي المانيا كان يتم النظر الى المستهلك بصفة عامة على اساس انه عنصر اقتصادي شأنه في ذلك شأن المنتج والموزع. وكانت حماية المستهلك في هذا الاطار تركز بشكل خاص على هدف توفير منافسة سليمة ونزيهة في الاسواق، هكذا كان، وحسب المنطق نفسه ، يتم اعتبار شكاوى المستهلك وكأنها اخفاق للسوق نفسه. وبالتالي قامت سياسة الاستهلاك في المانيا على مبدأ تزويد المستهلك بمعلومات في غاية الدقة مع التأكيد على ضرورة دعم المؤسسات الصناعية الالمانية ذات الانتاج رفيع المستوى. وعلى العكس من ذلك، سادت في فرنسا النظرة الى كل شيء مواطن ـ مستهلك. وحماية المستهلك من هذا المنظور تركز على هدف خلق حقوق سياسية جديدة للمواطن وبالتالي كانت جمعيات حماية المستهلكين تفضل السياسات التي تبعد هؤلاء المستهلكين عن المنتجات والسلع المشكوك بها، وكذلك الابتعاد عن المخاطر المرتبطة بالمفاهيم الليبرالية للاسواق الحرة. ويرى الكاتب بان مثل هذه الرؤية الفرنسية تقترب كثيرا من النموذج الذي تبنته الولايات المتحدة الامريكية منذ عقد الستينيات في ميدان حماية المستهلك. ومن الفوارق الاساسية التي يتم التأكيد عليها في مجال تنظيم المجموعات التي قامت على اساس العمل من اجل حماية المستهلكين في كل من فرنسا والمانيا، هناك مسألة عدد المنتسبين الى هذه المجموعات اذ بلغ عدد هؤلاء في مطلع عقد الثمانينيات من القرن العشرين مليوني عضو «منتسب» بينما وصل هذا العدد الى ثمانية ملايين، اي اربعة اضعاف لكن استطلاعات رأي اظهرت بان هذه الارقام لا تعكس بالضرورة وعي الماني اكبر باهمية مجموعات حماية المستهلكين المختلفة وذلك بسبب تباين المفاهيم التي قامت عليها اصلا. ويضم هذا الكتاب دراسة حالات اخرى خاصة بـ «سياسات الاستهلاك» ولكن دائما ضمن سياقها التاريخي، هكذا تبحث «روبيكا سبانج» الاستاذة بقسم التاريخ التابع لجامعة لندن، ومؤلفة كتاب «اختراع المطعم» كان «بيان الكتب» قد قدمه في «سياسات الاستهلاك والثورة الفرنسية» ويدرس مارتن داونتون في سياسات الاستهلاك اثناء الحقبة الفكتورية في بريطانيا ودراسة اخرى عن الاستهلاك وآليات تنظيمه في الحقبة النازية بالمانيا خلال سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية. وتحظى دراسة الحالة الامريكية بمساهمتين في هذا الكتاب تخص اولاهما «سياسات الوفرة: نزعة الاستهلاك في الولايات المتحدة الامريكية خلال القرن العشرين» وتبحث الثانية في «اشكال تدخل الدولة في ضبط آليات عمل الاسواق الحرة» بالولايات المتحدة الامريكية، ويتم التأكيد في الدراستين على القول بان الامريكي يتم النظر له منذ قرنين من الزمن كـ «مستهلك» وبالتالي كان باستمرار في صميم «سياسات الاستهلاك» وفي ظل سيادة اقتصاد السوق وعلى قاعدة «ثقافة مادية» ومنظومة اقتصادية رأسمالية. «سياسات الاستهلاك» و «سياسات الانتاج» ايضا.