بيان الكتب: يعمل «كينيشي اوهما» مؤلف هذا الكتاب مستشارا لدى العديد من الحكومات. نشر الكثير من الدراسات والمقالات في الصحف والدوريات مثل «وول ستريت جورنال» و«نيويورك تايمز» و«نيوزويك» هذا بالاضافة الى عدد من الكتب منها: «عقل الاستراتيجي» و«السلطة المثلثة» و«عالم بلا حدود» و«نهاية الامم المتحدة» يعيش المؤلف حاليا في طوكيو. حاول الانسان منذ العصور القديمة استكشاف العالم الذي يحيط به والترحال نحو عوالم جديدة.. وقارات جديدة ولا شك بأن شجاعة بعض الرجال وفضولهم وتنامي غريزة الاستكشاف والفضول لديهم كانت منذ العصور الغابرة وراء فتح الطريق نحو تواصل انساني أشمل واكثر عمقا. ذلك ان اي اكتشاف جديد يعني التعرف على افاق جديدة مع ما يتضمن عليه هذا من تأثير متبادل. وكان المصريون القدماء كما يبين المؤلف من اوائل المكتشفين عندما صعدوا مجرى نهر النيل في فترة تعود الى سنوات 2300 قبل الميلاد. واصبح العرب والبوذيون ثم تبعهم الاوروبيون ما يعرف باسم طرق الحرير التي قادتهم الى افغانستان والهند والصين وبلدان شرق اسيا الاخرى. وكان اكتشاف القارة الامريكية «العالم الجديد» من قبل كريستوفر كولمبس وبحارته عام 1942 آخر سلسلة الاكتشافات الانسانية الكبرى لقارات العالم وأراضيه الضائعة «واذا كانت الشجاعة وفضول الاستكشاف بمثابة أهم الدوافع «الذاتية» في مغامرة البحث عن عوامل جديدة فلا شك ان هناك دوافع اخرى لم يكن طلب الثروات اقلها اهمية. لكن وبكل الاحوال وهذا ما يؤكد عليه المؤلف كثيرا ان الترحال والاكتشاف ساعدا على عدم تجمد الحضارات وعلى انفتاحها على بعضها البعض. وبالتأكيد لم يعد هناك في العصر الحديث قارات جديدة لم تكتشف بعد. فالعالم المأهول معروف. مع ذلك ان ما شهده العالم خلال الخمس عشرة سنة الاخيرة يدل على ان الحضارة قد تغيرت كثيرا وبشكل متواصل ومتسارع بحيث ان الامر يبدو وكأنه قد تم اكتشاف قارة جديدة «القارة الخفية» الملموسة وانما «غير المرئية» قارة بلا ارض. وضمن هذا النهج من التفكير يمكن القول بأن القارات المعروفة «القارات الخمس» قد اصبحت تنتمي الى «العالم القديم». على ذلك العالم الذي كان يقوم بشكل اساسي على مفهوم الملكية، ملكية الارض وغيرها وبحيث يتميز اقتصاد كل بلد من بلدانه على اقتصاد البلدان الاخرى. وكان تقييم الحكومات التي تدير «ذلك» العالم من خلال مدى نجاحها ـ او فشلها ـ في توفير الرخاء لشعوبها واذا كانت شجاعة البعض وفضولهم قد اديا قديما الى اكتشاف «عوالم» جديدة فان اكتشاف «القارة الخطية» يتطلب ايضا نفس الشجاعة والفضول من اجل اكتشاف طرق وصيغ جديدة للعيش غير تلك التي سادت في «القارات القديمة» الفرق الوحيد هو ان القارة الجديدة «غير المرئية» لا تخضع لمقاييس الجغرافيا فهي موجودة فقط في «اذهان البشر» ولهذا السبب تحديدا يطلق عليها المؤلف صفة «الخفية» انها موجودة من خلال دلالاتها الواضحة على الاقتصاد والسياسة والمجتمع وموازين القوى في العالم وعلاقات البشر فيما بينهم. وتأثيرها موجود وقوي لدرجة انه يمكن تصور وجودها على خريطة العالم. ولها ايضا تاريخها حيث يؤرخ المؤلف لها اعتبارا من اواسط عقد الثمانينيات من القرن العشرين بينما يشير الى تباشيرها وملامحها الاولى منذ منتصف هذا القرن العشرين. ويرى المؤلف بأن هذه القارة «الخفية» تعتمد على أربعة ابعاد اساسية ـ تمشي على أربعة ـ تتمثل في «البعد المرئي» وحيث لا يمكن تجاهل «موجودات» العالم القديم، ومنها على سبيل المثال حساب القيمة الحالية الصافية عند شراء شركات جديدة. ان هذه القاعدة التي تنتمي الى العالم القديم، لابد وان يستمر العمل بها في المستقبل وذلك حسب توقعات جميع الاقتصاديين. هذا يعني ان عددا من المبادئ السارية المفعول في عالم اليوم «القارات الحالية» سوف يستمر العمل بها في القارة الجديدة «الخفية». وهناك ايضا «البعد اللا حدودي» اذ كانت مسألة التجارة الحرة موضع نقاشات وخلافات منذ عقدين من الزمن فان الوضع قد تغير الآن تماما. وفي عام 1999 ابدى عدد ضئيل من الامريكيين معارضتهم لاجتماع منظمة التجارة العالمية في مدينة «سياتل» واذا ما قورن هذا الامر مع الشعار الذي تم رفعه في مطلع عقد الثمانينيات الماضي والقائل بـ «اشتروا ما هو امريكي» فان البون يبدو شاسعا جدا حتى وان كان هناك لا يزال من يعارض بقوة مبدأ التجارة الحرة خاصة مع اليابان التي يرون بها، خطرا اصفر جديدا، ان اقلية صغيرة من رجال الاعمال الامريكيين لا تزال تنضوي تحت شعارات ذات طابع حمائي «ومنغلق على ذاته». لكل الحالات يؤكد المؤلف بأن العالم قد خطى خطوات واسعة باتجاه «اشقاء بلا حدود» على اساس مقولة ان العالم قد اصبح متشابها في مصالح الشعوب الذي تعيش فيه الى درجة اصبح الانفتاح معها على الاخر شرطا للبقاء، ان الولايات المتحدة تستورد اليوم «الرفاهية» من جميع انحاء العالم، كما غدا باستطاعة اليابان ذات الرقعة الجغرافية المتواضعة، ان تستورد «الارض» من خلال استيرادها للحبوب من استراليا او للحوم البقر من القارة الامريكية، شمالها وجنوبها، ثم ان ترقب الثراء في «القارة الخفية» دفع نحو هجرة رؤوس الاموال بشكل كبير خارج الحدود. كما اصبح بامكان اي مستهلك شراء اية سندات او اسهم اية شركة عالمية. البعد الثالث الذي يؤكد عليه المؤلف هو «بعد شبكات الاتصال» حيث ان تكنولوجيات الاتصال والحواسيب لم تزد من قدرات وسائلها فحسب وانما غيرت ايضا بيئة المستهلك والمنتج ومجالات التجارة عموما بصورة كبيرة. ولهذا فان اولئك الذين لن يجدوا مكانا لهم على عالم شبكات الاتصال والانترنت لن يمكنهم تحقيق النجاح المنشود. ولا يقتصر الامر فقط على شبكة «الانترنت» رغم اهميتها الكبيرة، اذ هناك ايضا شبكات الفيديو والهاتف النقال والمفكرات الالكترونية. ان هذه الوسائل كلها جاهزة باستمرار من اجل تقديم «المشورة» لمن يحتاجها وفي اي وقت كان. «ان الانسان لم يعد بمفرده فالعالم بمتناول يده في أية لحظة». البعد الرابع والاخير الذي يؤكد المؤلف عليه في «القارة الخفية» هو «البعد ذو التعددية الهائلة» والمقصود هنا تحديدا في سباق تحليلات هذا الكتاب استثمار الاموال في البورصات. وهذا ما يعتبره «كينيشي اوهما» بمثابة المجال المحفوف بالمخاطر في «القارة الخفية» سواء كان ذلك بالنسبة للحكومات او للمؤسسات او للافراد وفي كل الحالات للمضاربين. مع ذلك يمكن لهذا البعد ان يحول شركة صغيرة الى شركة كبرى في غضون فترة قصيرة من الزمن بشرط استخدام «التعددية» بشكل سليم. ان مثل هذه الابعاد كلها، وخاصة البعد الاخير منها يصبغ على «القارة الخفية» مناخ «الغرب الضاري» كما يقول المؤلف. فالامر لا يتعلق فقط بالاثراء السريع وانما هناك ايضا بالمقابل اخطار مجهولة ومتعددة، باختصار ان الحضارة «الجديدة» حضارة ثورة الاتصالات والمعلوماتية، هي غير محمية، ويتساءل المؤلف ضمن هذا السياق عمن يمتلك مؤهلات وامكانيات حكم القارة الجديدة ـ الخفية ـ التي تفتقر الى رئيس بينما ان ارضها ستكون باستمرار قابلة للتوسع الدائم، مع ذلك فمن غير المشكوك به، كما يؤكد المؤلف، بانه سيتم خلال السنوات العشر المقبلة اتخاذ القوانين والاجراءات والقرارات التي تضبط عمل شبكات الاتصال وآليات الحد من التجاوزات المالية والعمليات التجارية والضرائب التي سيتم فرضها على «التجارة الالكترونية» بكل اشكالها. ويتساءل المؤلف اذا كانت الولايات المتحدة الامريكية ستكون هي بالضرورة في سدة رئاسة القارة الجديدة ـ الخفية ـ ؟ ثم هل سيتم اختيار «الرئيس» من قبل الاقوى والاغنى بين الشركاء؟ ثم ما هو دور الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية؟ ان مؤلف هذا الكتاب، وعلى الرغم مما يبديه من قدرة كبيرة في التحليل لا يجد اجوبة شافية كافية لمثل هذه التساؤلات لكنه يؤكد في الوقت نفسه بأنه من الضروري والحتمي التوصل الى الاجابات الدقيقة قبل مضي زمن طويل لأنها مرتبطة بالعديد من الاشكاليات العالقة التي تتطلب حلا مثل الضرائب والملكية الفكرية وحرية التعبير والمضاربات في اسواق البورصة.. الخ.. يحذر بنفس الوقت من وجود مقاومة شديدة تحاول كبح اية معالجة لهذه القضايا ويذكر ضمن هذا السياق بمحاولات تخريب السكك الحديدية الامريكية في مطلع القرن العشرين من قبل اصحاب صناعات السيارات والمسئولين عن قطاع البترول، كذلك يذكر بسلوكيات شركات صناعة التبغ الامريكية التي تحاول ان تخفي اضرار التدخين على الصحة العامة بالمدى الطويل. وتتم في هذا السياق مناقشة السياسات الامريكية حيال العديد من الملفات الملحة المطروحة حيث ان الحكومة الامريكية وكبار المسئولين عنها ـ اي الملفات ـ يرفضون فتحها. هذا في الوقت الذي اصبح من المطلوب فيه اقرار بعض القواعد لضبط آليات عمل «القارة الجديدة» كي تصبح حدودها اكثر وضوحا وبحيث ان القواعد المعنية تستجيب لاحتياجات المجتمع الجديد. ويورد المؤلف بهذا الشأن «تشبيها »استقاه من الثقافات اليابانية القديمة والخاصة بمقاتلي «الساموراي» حيث كان التعرف على هوية الشخص امرا مهما للغاية. فاذا التقى هذا الشخص بمقاتل «الساموراي» يكون دائما امامه الوقت الكافي لتقديم نفسه والتعريف بهويته حتى يتأكد «الساموراي» من انه الشخص المطلوب قتله ام هو شخص اخر. اما بالنسبة لشبكة «الانترنت» فان الواقع الحالي يدل على امكانية انتشار اي خبر او اية معلومة بسرعة مذهلة بحيث تصل الى الملايين وذلك دون معرفة المصدر، ودون اية امكانية للتحقق من صحة الخبر او المعلومة او معاقبة المسئول في حال حدوث الاذى والضرر. لذلك يؤكد المؤلف على ضرورة ان تعرف جميع المؤسسات والافراد ما هي القوى الجديدة العاملة في «القارة الخفية». ويحدد المؤلف شروط اية معرفة كافية بقوى القارة الجديدة، بانجاز خطوتين اساسيتين، الخطوة الاولى هي تحرير النفس من ارث العالم القديم. وذلك بمعنى ان تتحرر البلدان من القيود وتضع سياسات انتقالية يمكن معها تكييف وأقلمة النظام المعمول به مع الاقتصاد العالمي.. هذا الى جانب التأكيد على سيادة المواطن والمستهلك وحقه الكامل في حرية الاختيار بدلا من التأكيد على السيادات الوطنية. والخطوة الثانية هي الاعداد الذهني والنفسي للعيش في القارة الجديدة «الخفية» وهذا يعني بالنسبة للحكومات اعادة النظر جذريا في شئون التربية والتعليم واعادة هيكلة القوانين وانشاء بنى اساسية لتنظم المالية ونظم الاتصالات. كما ان الامر قد يتطلب بالنسبة للشركات اعادة النظر في بناها فتجديدها بشكل كامل وشامل قد يكون اكثر صعوبة وتكلفة، اما الافراد فسيكون عليهم اعداد انفسهم للتعايش في أي مكان في العالم مع القدرات واللغات التي اصبحت «عالمية» في العالم الجديد. ويصر المؤلف على ضرورة تنفيذ الخطوتين معا وبنفس الترتيب في «تحرير النفس من ارث العالم القديم» ثم «الاعداد الذهني والنفسي للعيش في القارة الجديدة «المخفية» والا فان البلدان المعنية ستجد نفسها في نفق طويل» ذلك ان معظم بلدان العالم لم تبدأ الخطوة الاولى بعد بينما تعلن «اكتفاءها» بالخطوة الثانية. ويستشهد على اهمية الخطوتين معا وبالترتيب بالقول ان الولايات المتحدة الامريكية استطاعت ان تحتل المكانة المتقدمة اليوم لأنها كانت قد شرعت في الخطوة الاولى منذ ثمانينيات القرن الماضي «العشرين» ثم واصلت وبقوة «الخطوة الثانية في اواسط عقد التسعينيات. وعلى العكس بالنسبة للدول التي فقدت «بوصلة» الاتجاه الصحيح كماليزيا مثلا التي حاولت القفز في ميدان الاتصالات دون الاندماج أولا بشكل فعلي في نظام الاقتصاد العالمي. كما ان بعض المناطق الهندية تريد الاكتفاء بأن تكون فناء خلفيا لبقية دول العالم في مجال الاتصالات دون ان تجد الدولة موقعها ضمن دولة العولمة. والصين تريد هي الاخرى، الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ولكنها لا ترغب بأن تكون شبكة الانترنت في متناول اكثر من ملياري صيني. وحسب نفس الاليات تقريبا تسعى اليابان الى الترويج لشبكات الاتصالات دون الانفتاح على البعد العالمي والتخلي عن الجانب القديم في اقتصادها. وفي الخلاصة ينتهي المؤلف الى القول بأنه «في الوقت الذي لا تزال فيه القارة الخفية موجودة في عقول اولئك الذين يتطلعون الى رؤيتها بشيء من التخيل، لا شك بأنها ستصبح ذات معالم اكثر وضوحا ونحن نتحرك في دهاليز اقتصاد القرن الحادي والعشرين»