بيان الكتب: منذ أن وقعت عيناه على احدى الكتابات المنشورة للدكتور لويس عوض عام 1947 لم يتصور الأستاذ شاكر نفسه مجبرا على خوض معركة ضارية مع د. عوض بعد نحو سبعة عشر عاما، من إطلاعه المبكر على كتابات د. عوض حول الشاعر الانجليزي بلوتولند! بل ان شاكر نفسه يذكر في مقدمة كتابه أباطيل وأسمار أن كتابات عوض بشأن بلوتولند بالنسبة له كانت أقرب الى الأمور التي تثير الفرفشة و التسري بها كلما أعيت شاكر وأصحابه السبل الى وسيلة للتفكه بها في مجلسهم العلمي! ولذلك فحين طلب منه رفاق مجلسه وتلاميذه الرد على ما يثيره د. عوض من قضايا ورد شاكر بالقول إني لا أرى عاقلا يؤخذ من قوله أي قول عوض ويرد عليه! إنه شرلتان يضحكني، لا مفكر يحركني! فإذا كان عوض لدى شاكر مجرد شرلتان، أي مهرج يثير السخرية في مجال النقد الأدبي، فما الذي حمل الأستاذ شاكر على أن يشرع قلمه النافر، في الرد على كتابات عوض، كي تصبح واحدة المعارك الثقافية في الستينيات من القرن الماضي. لاشك أن نظرة الأستاذ شاكر لكتابات عوض حول الشعر والأدب العربي لم تقف عند حد الاستخفاف بها، كي لا يأبه بها، انطلاقا من تصريح الأستاذ شاكر نفسه، حيث رأى في اهداء د. عوض كتابه بلوتولند وقصائد أخرى الى استاذه البريطاني كريستوف سكيف افتضاحا لحقيقة عوض من حيث افتقاد الأستاذ سكيف للنزاهة العلمية، لارتباطه السياسي بوزارة الاستعمار البريطانية، وترويجه لما أسماه شاكر الثقافة التبشيرية المسيحية من خلال موقعه بكلية آداب القاهرة، في النصف الأول من القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين أصبح سر د. عوض لدى شاكر مفضوحا، باهدائه كتابه الى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، أي كريستوف سكيف. فلماذا امتنع الأستاذ شاكر إذن عن اطلاع الناس على سر عوض - كما ذكر هو - طوال ما يقرب من سبعة عشر عاما؟! يبدو أن ذلك يعزى الى أمر يخص التركيبة النفسية للأستاذ شاكر كما يفصح هو عنها، بين سطور مقدمة كتابه، والتي يصفها هو بقوله كنت امرءا ملولا، وهو ما قضى الله أن أكونه، يسرع الى الملل فأطرح شيئا كثيرا أعلم عن أصحابه من السخف ما أعلم، فلا أقرأه ولا ألقي إليه بالا، فمن ذلك ما كان يكتبه أجاكس عوض الذي كان يعرف، فيما غبر، باسم لويس عوض، وهو ما جعله، أي الأستاذ شاكر يفاجأ، كما يقول بأضياء كنت اراها هينة لا خطر لها، فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن الأمر أهول مما ظننت، فمن أجل ذلك فارقت عزلتي، وبدأت حريصا على أن لا أخون حق القلم علي، ولا حق الناس عليه. فما هي البواعث الشديدة التي حملت شاكر - على نحو مفاجئ - على أن يخوض معركته الشهيرة مع د. عوض رغم كل ما أبداه من تمنع عن خوض تلك المعركة؟ لقد كان خبر تعيين د. عوض مستشارا ثقافيا لمؤسسة جريدة الأهرام وقع الصدمة على الأستاذ شاكر، بحيث صار عوض ذا شأن وسلطان وأنه قد استوى على كرسي الأستاذية في أوساط الصحافة وبحيث أصبح له أشياع استغرهم من كتاب وشعراء، كان بعضهم قليل المعرفة، وكان بعضهم حائر الطريق، وكان بعضهم مستشعر ذلة بانتسابه الى ثقافة قديمة أو رجعية متخلفة. وقد روع الأستاذ شاكر أن يفتن هؤلاء الشباب الأغرار كما يقول، بما يروجه عوض من قمامة اليونان و كناسة الثقافة الحديثة. يومها، رأى أن الأمر لم يأت اتفاقا ولا مصادفة، فالرائحة التي كنت اشمها من هدوم القسيس المستشرق زويمر، ومن اسمال التالف الكاتب سلامة موسى، هي هي الرائحة التي وجدتها في بلوتولند وقصائد أخرى ثم في «على هامش الغفران لـ د. عوض». ولذلك عزم شاكر كما يقول على أن أميط اللثام عن هذه الدمية يقصد لويس عوض التي تتخفى في طيلسان أستاذ جامعي كان، وتتقبى قباء مستشار ثقافي في مؤسسة الأهرام، فإذا ما فعلت ذلك فقد جردتها، ولم يبق سوى الدمية ظاهرة علانية، وسوى الخيط الممتد التي كانت تحركها. الباعث الذي حمل شاكر على القيام بحملته على عوض هو من يقف وراءه، والتي تتمثل كما يقول الأستاذ شاكر صراحة في هيئات التبشير و دوائر الاستعمار التي اتخذت من عوض اداة لهم..!. لكن تلك الاتهامات تفارق ما كان معروفا عن التوجهات الفكرية والسياسية لـ د. عوض والتي كانت تدرجه في خانة اليسار المعادي للاستعمار، وهو ما أودى به الى الفصل من جامعة القاهرة في بداية ثورة 1952، ثم الى اعتقاله عام 1959، ضمن الحملة البوليسية الواسعة على المثقفين اليساريين. والمدهش أن الأستاذ شاكر قد تعرض للاعتقال في العام نفسه 1959 بسبب وشايات أمنية حول مناوأته لسياسات الدولة، قبل أن يعاد اعتقال شاكر ثانية في العام الذي شهد نهاية معركته مع د. عوض أي عام 1965..! ويرى الناقد الأدبي الكبير د. عبدالمنعم تليمة أن أجهزة الدولة السرية قد لعبت دورا مهما في تصعيد حدة الخصومة بين شاكر و عوض عبر الزج بصغار الكتاب في أتون تلك المعركة لاضعاف الجماعة الثقافية المصرية. وفي هذا الاطار تحولت مجلتا الرسالة و الثقافة الى معسكر مناوئ لـ عوض مقابل معسكر آخر يضم الأهرام و روز اليوسف و الجمهورية ضد شاكر. ونتيجة لذلك وصف الأستاذ شاكر انتقادات معسكر عوض ضده بأنها تمثل اعتراضاً غثاً من ثقافة عوض التي لا تعدو أن تكون ألفاظ يمضغها ويلوكها في ساحة السرك. بيد أن الأستاذ شاكر وجد في دخول كاتبين بارزين ساحة المعركة فرصة لاثبات صواب ما يعتقد أنه صحيحا في هذا المجال، خصوصا وأنهما يتمتعان بوزن ثقافي، وتجمعهما به زمالة قديمة ومودة خاصة، وهما الناقد الأدبي الكبير د. محمد مندور، والكاتب السياسي محمد عودة. ففي رده على ما كتبه د. مندور في مجلة روزاليوسف وما ألقاه في الاذاعة، رفض شاكر وصف مندور لما يكتبه بأنه معركة معتبرا هذا الوصف مبالغة منه لا يحمدها! لأنها في رأي شاكر كشف عن تزييف!كما نفى شاكر أن يكون قد لجأ الى ما أسماه مندور التجريح الشخصي والى الأسلحة غير الشريفة، والى إثارة فتنة قومية ودينية ضد عوض. واستنكر شاكر أن يكون قد لجأ الى هذه الخساسات لأن د. عوض لا يمثل، في رأي شاكر أي طائفة قومية أو فرقة دينية. بينما جاء تدخل عودة عبر مقال له بجريدة الجمهورية في 20 يونيو 1965، عارض فيه هجوم شاكر على الثقافة الغربية وكأنها فقط كتاب المبشرين المعادين للاسلام والعرب. وذكر عودة أنه كان يتوقع أن تكون مساجلة شاكر مع عوض إثراء للبحث والأدب فانقلبت الى مهاجمة يستغلها البعض، وكنا نجل الأستاذ الجليل عنها. ورد الأستاذ شاكر بالتأكيد على عدائه للثقافة الغربية لكونها نبتا نما في بيئة مسيحية وثنية، وذلك مقارنة بالعلم الذي هو تراث انساني. أما عوض فقد ظل صامتا لا يرد ولا يعلق على هذه الحملة بالكتابة أبدا ولكنه قبل أن توشك على نهايتها فاجأ عوض الرأي العام الثقافي بدعوته المحرضة للسلطة على اغلاق جميع المجلات التي تصدر عن وزارة الثقافة بعد أن حمل بشدة على مجلتي الرسالة والثقافة، والتي كان من نتيجتها صدور قرارات الوزارة باغلاق معظم تلك المجلات، ومن بينها مجلتا الرسالة والثقافة، على حد ما أوضحه الكاتب نسيم مجلي في كتابه عن لويس عوض ومعاركه الأدبية!