اصبحت الكيلومترات المربعة العشرة التي تشكل مساحة وسط العاصمة الالمانية برلين المكان الاكثر اثارة ونشاطا في البلاد كلها، وتحول المكان بعد الوحدة الالمانية الى ملعب وساحة للمغامرين من النافذين والمبعدين وارضا خصبة لابداع الافكار الجديدة، وفي وسطها هذا، تعيد العاصمة الالمانية ابداع نفسها من جديد في كل يوم يمر داخل اخصب بقعة في المدينة الالمانية. وتحول وسط برلين الى نقطة اجتذاب لكل الباحثين عن الفرص من السياسيين والاعلاميين والمراسلين والتجار وجماعات الضغط والموظفين الكبار واخصائيي تقنية المعلومات وغيرهم، واولئك الذين لم ينتقلوا بعد الى برلين يضغطون الآن لذلك وبينهم بضعة وزارات لا تزال في العاصمة السابقة بون وغيرهم من مدراء ومنتجين سينمائيين وفنانين للالتحاق بالذين سبقوهم وضخوا حياة جديدة في وسط المدينة القديمة على مدى السنوات القليلة الماضية. وان كان هناك حي واحد في المانيا يستحق فعلا وصفه بالحي العالمي فهو وسط العاصمة الذي يدعى برلين مايت الذي يمتد بين الرايخستاج وألكساندربلاتز وهاكشهوف وبوستامربلاتز والحي لا يمكن وصفه بانه جميل ولا قبيح، لانموذجي ولا فوضي لا انيق ولا وفخم، بل يجمع بين كل هذه الصفات الى حد التوسط، فهو متعدد الوجوه والانطباع الذي يعطيه لزائره بعيد تماما عن ان يكون كلا واحدا متناغما. كما انه بعيد تماما عن ان يصنف ضمن فئة واحدة او يختصر بصفة، بل يمكن اعتباره فرن صهر لعدة تناقضات. هذا الحي وحد كل سياسي المانيا وفي مقدمتهم المستشار الاتحادي جيرهارد شرويدر في رغبتهم بتحويله الى معرض كبير يختصر كل بلادهم ليصبح وسط العاصمة جوهرة ثقافية ضخمة في قلب عالم اوروبي واحد. وقد وعدت الحكومة الاتحادية مؤخرا بتقديم 36 مليون مارك اضافي الى متحف جوديتشز وبرلينرفيستبيل ومارتن جروبوابو. كما تبرعت بمبلغ 200 مليون مارك للمؤسسات الثقافية الاخرى وتستعد لاعادة بناء الاستاد القديم بتكلفة تبلغ عدة مليارات من الماركات وبناء متحف اتليس للفن الكلاسيكي. تقول الممثلة الالمانية نينا هوس التي تعمل يوميا في مسرح دويتش او «المسرح الالماني» الذي كان سابقا مسرح الدولة الرسمي في المانيا الشرقية: على المرء اولا ان يعتاد على الطريقة المباشرة في الحديث عند البرلينيين. وبعد ان يعتاد عليها يجد ان الحياة هنا رائعة. تبلغ نينا من العمر 25 عاما وقد انتقلت الى برلين قبل 5 اعوام ولا تتخيل امكانية العيش في مكان آخر في المانيا. وتشير نينا الى انها تستطيع رؤية آلاف السياسيين والشخصيات الشهيرة في شوارع المدينة والتي تشهد كل يوم زوارا مشهورين سواء كانوا رجال دولة او فنانين بل وحتى عمليات تصوير الافلام الجديدة فيها لكن احدا في الحقيقة لا يضيع وقته في الاهتمام بهؤلاء او حتى بمجرد الالتفات اليهم، فبرلين مهتمة بنفسها اكثر من اي شيء آخر. وتشرح نينا ذلك بقولها انها حينما كانت تصور آخر افلامها قبل فترة وجيزة كانت هي وغيرها من النجوم يعملون في الشارع فان قلة من البرلينيين كانوا يهتمون بالتطلع نحوهم: يا لها من راحة كم كان الامر طبيعيا: هنا لم اكن سوى وجه آخر مثل كل الوجوه بين حشود الناس. وفي الاستراحات تترك نينا المسرح وتتمشى قليلا في الازقة والشوارع التي لا تزال بيوتها تحمل ثقوب رصاصات الحرب العالمية الثانية والمغطاة بالرسومات الجدارية من تلك الايام او من اليوم الماضي ربما وكل منها له قصته التي يسردها على المناظر. واحيانا تأخذ مترو الانفاق لا لشيء سواء الفضول ودراسة الاشكال التي لا تحصى لشخصيات البشر التي تجدها هناك. تقول: انهم يعطوني الافكار لادواري، اعتقد ان احد اهم الاسباب التي تدفع بالناس العاملين في مجال السينما للقدوم الى هنا من ممثلين وكتاب ومنتجين هو ان برلين عالم ضخم يولد الافكار وايا كان هناك شيء واحد لايزال ينقصها فهو التعددية الثقافية التي تميز مدنا مثل باريس ونيويورك. يذكر ان آخر عهد اشتهر فيه حي برلين مايت كحي عالمي كان في العشرينيات من القرن العشرين حينما كان النسا من كل بقاع العالم يأتونه للاطلاع على الثقافة الريادية للمدينة. اما الآن فقد قام المصممون العالميون بافتتاح محلات لهم هناك من جديد اضافة لشركات الحاسب العالمية وخبراء التقنية والاعلام الذي ينتظرون كلهم ان تعود برلين عاصمة ابداعية بسمعة تمتد ابعد بكثير من مجرد الحدود الالمانية. وقد اصبحت المدينة الآن مركزا لتجمع 230 شركة عاملة في مجال الاعلام اي اكبر تجمع من نوعه في البلاد وفي شارع شوزيستراس الذي يوصف بانه سيليكون فالي الالماني يقول السويسري كونستانتين ويتجنشتاين من شركة سيل نيتورك في اي مكان آخر لا يمكن لك ان تجد هذا العدد من مدراء الشركات يذهبون الى النادي نفسه؟ جلال الخليل