ذكرنا في المقال السابق انه لا يمكن الفصل بين مستويات الاستماع الثلاثة عند المتلقي المسويقي في عمل موسيقي واحد، ومن المفيد ان نذكر هنا ان تكامل المستويات الثلاثة وتلاحمها هو الذي يخلق المتذوق المثالي. فالذي يقف عند حد الاستمتاع الاولي ويعتاده لا يملك الا ان يلهث وراء كل ما هو مادي ودائم، فيتشبث بضربات الايقاع الخارجي باعتبارها الشيء الوحيد الذي يمكنه الاستمرار فيه بعد التوقف الفعلي للموسيقى. فالموسيقى روحية،تعتمد على التنغيم في الزمن، ولهذا فهي لا يمكن ادراكها مادياً. ولانها فن محض لا يملك من اعتاد المستوى الثاني من الاستمتاع الا ان يبحث عن ذاته وحالته الخاصة داخل العمل الموسيقي. يبحث عن الحكاية داخل الاغنية. ولأننا شعب يمتلك لغة يفتخر بانها لغة شاعرة، ولأن النوع الادبي الذي برعنا فيه وفقنا به العالم هو الشعر، فإن الجهد المبذول في الاغنية العربية من المحيط الى الخليج في معظمة جهد شعري الا فيما ندر ندرة لا يستقيم معها الاستثناء، مما مهد للمستمع العربي الطريق لتتبع الحكاية في الاغنية. فنحن كثيراً ما نتصور اننا نطرب لاغنية ما، بينما نحن في الواقع نطرب لذكرياتنا فيها. ولذات السبب فنحن كثيراً ما نصف اغنية ما بالجودة والرصانة ونحن في حقيقة الامر نغني جودة ورصانة ما فيها من كلمات وما تحتويه من شعر. والرصانة والجودة في الاغنية لهما مقاييس ومعايير غير مقاييس ومعايير جودة ورصانة الشعر، ولكننا نغفل كل هذا في معظم كتاباتنا. ولهذا يظل الحكم على الاغنية في حقيقته حكماً على الشعر فقط. فهي هابطة بهبوطه وسامية بسموه، ولأننا اعتدنا على شكر الناس بجهود غيرهم ظللنا نمتدح مطربين لجودة ما يتغنون به من شعر فقط. ولاننا نبحث عن الكلمة داخل الاغنية تموت الاغنية بمجرد استهلاكنا لكلماتها. لأن متعتنا اصلاً لم تكن متعة بالاغنية كموسيقى، وانما كانت هياماً بالحكاية داخل الاغنية، كانت اعجاباً بكلمات الاغنية فقط، وشتان ما بين وسائل وعناصر وقوانين تقييم الشعر، وبين تلك التي تختص بالموسيقى. والاغنية في جوهرها موسيقى. فمفردات الشعر في اغنية ما تتخلى عن حروفها الهجائية وتتلبس حروفاً موسيقية تنتفي فيها صفة المعنى الخاص وتبرز صفة المعنى العام الذي يغزو الوجدان والعقل من خلال المبنى الموسيقي. والمبنى شكل، ولا فن خارج الشكل الفني. ولا مضمون سابق للشكل الفني. والقصيدة لا تكون اغنية قبل دخولها المبنى الموسيقي العام، فهي اغنية بدخولها الى المبنى الموسيقي العام، بتحولها من .. أ.ح.ب.ك.. في كلمة احبك مثلاً الى دو.. ري.. مي.. عندما تتغنى بها، وقبل ذلك لا تكون كذلك. وهذا يعني ان تحول حروف هجائية ما من لغتها لتسجيل حروفاً موسيقية في سلم موسيقي هو الذي ينتج لنا ما اصطلحنا على تسميته بالاغنية، وقبل ذلك لا يكون الشعر الا شعراً، بينما الموسيقى هي موسيقى في الحالين، قبل دخول الشعر وبعده.. ولهذا فالاغنية موسيقى نحتكم فيها لقوانين المسويقى. د. عز الدين هلالي