احتاج الى عشر دقائق لأتذكر عدد المهرجانات التي حضرتها خلال الشهر الماضي وأين كانت. فلقد كثرت واختلطت وفي كل مرة كنت في واحد منها أردت أن أكتب لك عنها يا عزيزي القارئ، فإن تكون من هذه الزاوية الهانئة كل أسبوع تجعلك تهفو الى أن تدخل قارئك الى عالمك، وأن تصحبه معك في حياتك اليومية. وهذا ما كنت أقاومه دائما، فالحياة قدري أعيشها ثم أكتب لك ما استفدت منها أو هذا ما أظن. وأنا لا أحب الحديث عن أسلوبي في الكتابة وذلك لأنه ببساطة ليس لي أسلوب آخذ نفسي به، بل أنا أكتب كما يتنفس الانسان، ولسوء الحظ أصبح تنفسي صعبا هذه الأيام. وتحول التلوث الذي يحيطنا الى حساسية في الصدر، وقال لي جاري في الطائرة: أنت تسافر كثيرا، وهذا خطأ كبير لأن الطيران يؤثر على الرئتين! ولا أعرف اذا كان صادقا أم لا، لكنني أخذت أعاني، وبدلا من قولي أنني أكتب كما أتنفس، أخذت أتمنى أن أتنفس كما أكتب! كانت البداية في المسرح التجريبي وكنت قد قررت الاعتذار عنه لأنني كنت على وشك السفر لحضور مهرجان الاسكندرية السينمائي. ولكنك لا تستطيع الهروب من المهرجان التجريبي لمن فيه من أصدقاء، وكلمني المخرج الكويتي الكبير فؤاد الشطي، وحددنا موعدا للقاء في ندوة له.. وفاتتني الندوة، لكنني حضرت أصداءها، إذ أن فؤاد يحول ندواته الى عروض مسرحية. ومن أشهر ما فعل كان ذلك في مهرجان بعد التجريبي أنه طلب الكلمة ليعلق على إحدى المسرحيات فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وجلس! ومهرجان الاسكندرية من أغرب مهرجانات الدنيا فأكثر من ألف يقاتلون من أجل حضور المهرجان، فإذا عادوا هاجموه وقلت ذات مرة أن مهرجان الاسكندرية أشبه بكيس الملاكمة لا تمر به إلا وتجرب قبضتك حتى ولو كنت مثلنا أبعد الناس عن الملاكمة. ولو أن ثلاثة أو أربعة من أصدقائي القدامى جدا يشيعون أنني كنت ملاكما في صدر الشباب وهي شائعة انتشرت منذ زمن طويل، لكنها بعيدة عن الواقع، وأصلها أنه كان لنا زميل في المدرسة يهوى الملاكمة وكان ثقيل الظل مثل قبضته، وأراد أن يكون فريقا بالالحاح علينا ورأى فيّ مشروع ملاكم ربما لروح العدوان التي كانت موجودة آنئذ، والتي انتهت بالزواج مرتين! ولم يكن صاحبنا يراني حتى يكور قبضته ويتحداني، ربما ليستدرجني الى فريق الملاكمة، وكان - كما ذكرت - ثقيلا في ذلك وذات مرة دفعته لأبعده عني، وكانت الأرض زلقة بعد مطر خفيف، وفقد توازنه وسقط في الوحل، ولسوء حظه كان يرتدي بدلة بيضاء، ووقفت في حرج وخجل وكأنني أسقطت برج التجارة العالمي. وانتهزها زملاؤنا الذين يكرهونه، فحولوا ما حدث الى مباراة تبادلنا فيها اللكمات، حتى ضربته الضربة القاضية وهي قصة لا تقوم على قدمين ولكنها مثل غيرها من القصص عاشت سنوات ولم يزل يروجها صديقان أو ثلاثة. ولكنني أعترف هنا - وللتاريخ - أنني لم الاكم في حياتي، ولا فكرت في هذا، وحتى مهرجان الاسكندرية الذي لاكمه الجميع لم أمارس معه أي شكل من أشكال الملاكمة. ومن طرائف الملاكمة في مهرجان الاسكندرية أن الفنانة محسنة توفيق حصلت على جائزة أحسن ممثلة ثانوية واتصلوا بها في القاهرة، لتحضر وتستلم جائزتها، واستجابت محسنة للدعوة، وأتت فورا الى الاسكندرية. وأخذت غرفتها في الفندق، وأتت معنا الى قاعة المؤتمرات حيث حفل الختام، وبدأ الحفل، وطلبت الذهاب الى الحمام. وقلنا لها أن توزيع الجوائز بدأ، وأنها ستسلم جائزتها خلال دقائق، لكنها صممت على الذهاب وما أن ذهبت حتى نادوا عليها واضطر آخر لاستلام الجائزة عنها. وخرج أحدهم ليكتب أن محسنة توفيق غضبت لأنها كانت تريد جائزة البطولة وليس جائزة الممثلة الثانوية وأنها احتجت وانسحبت من المهرجان. وبالطبع احتج البعض لأنهم لم يحصلوا على الجوائز التي كانوا يريدونها، ولكن هذا يحدث في كل مهرجان الفرق بين شخص وآخر أن الأول يأخذ ما حدث ببساطة وتحضر، والثاني يغضب ويتشنج. وعلى قلة الجوائز التي حصلت عليها في حياتي أخذت في أحد مهرجانات التليفزيون جائزتين واحدة منهما كان أحد كتاب السيناريو الأصدقاء وعد نفسه بها أو وعده أحدهم بها فأعلن أنه حصل عليها وألطف أنه كان يحكي لي كيف حصل على الجائزة، وما زال يحكي لي حتى الآن. وانتهى المهرجان يوم 10 سبتمبر وعدنا الى القاهرة يوم 11 حيث بدأ مهرجان آخر يظن البعض أنه سيستمر طوال القرن ويظن آخرون أنه سيستمر طوال الألفية. وكان لابد من السفر الى تونس لحضور مهرجان الاتحاد العربي للاذاعة والتليفزيون لأنني بين من كرمتهم هذه الدورة ويبدو أنه فيّ جاذبية للتكريم أكثر من الجوائز خاصة الجوائز المادية فأنا لم أحصل من الجوائز المادية إلا على عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة خلال مسيرة تزيد عن أربعين عاما في حين أن التكريم - والحمد لله - بالعشرات. وكان التكريم - عادة - في بداية المهرجان، ولذلك قررت أن أظل في تونس أربعة أيام وأعود الى القاهرة، لكنني عرفت أن التكريم - في هذه المرة - سيكون في الختام واضطررت أن أبقى عشرة أيام، وأنا أحترق رغبة في العودة لما لدي من أعمال، ولما أتى اليوم الموعود فوجئت بأنني سأنزل ترانزيت في روما، ويا له من موقف في هذه الأيام. كان التفتيش في مطار روما يؤكد شكهم في أنني بن لادن، فلقد كان تفتيشا دقيقا محكما، حقا لم يثبت أنني المذكور، لكنهم ظلوا يحملون بذور الشك. وقضيت خمس ساعات كئيبة في انتظار طائرتي الى القاهرة ولم يكن هذا هو مطار روما الذي عرفته واعتقدت أنه أكثر مطارات العالم حركة، كانت الظلمة تسوده، ولا تكاد تقابل فيه أحدا، والمحلات مغلقة. وقلت لنفسي لقد أثبت الارهاب أنه ثقيل على النفس مثل الظلم تماما وتساءلت لماذا يظلم الانسان الآخرين فيتولد لديهم هذا الاحساس العنيف. هل ما زالت غرائز الغابة تسيطر علينا. وفتشت في ذاكرتي عن المرات التي قرأت فيها عن فلسفات وديانات تعتبر الغضب أكبر الكبائر. واعترفت لنفسي أنني عندما أغضب أرى نفسي في أقبح صورها. ولكن الغضب أحيانا يأتي من الظلم ويجثم عليه. والعنف يولد العنف. وحتى قبل أن أصل الى القاهرة كانت أخبار مهرجان السويس تصلني وذلك عن طريق المحمول أو النقال أو الجوال أو الخلوي أو ما تختار له من أسماء. والذي جعل من الدنيا قرية واحدة، فأتى لك بالسعادة والتعاسة في لحظة واحدة. ولك أن تتخيل هذه المكالمة على السلم المتحرك في مطار روما الذي وصفته لك توا وفتاة كأنها في المدرسة الابتدائية تقول: أنا فلانة متدربة في مجلة كذا التي ستصدر قريبا بإذن الله وأريد أن أسألك عن كذا.. وكذا. المهم أنه جاءتني الأخبار أن كل الاخوة الأجانب يعتذرون عن حضور مهرجان السويس، بالطبع لأن الحرب قادمة، وربما لأن المنطقة خطرة. ومشروع مهرجان السويس السينمائي فكرة بدت لي جميلة، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر تحولت الى كابوس، لجنة التحكيم الدولية تفككت، ولم يعد من حكامها إلا مصري وتونسي ومخرجة مجرية. الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية انسحبت حتى لم يبق سوى ثلاثة أفلام. ولن يصاحبها مخرجون أو ممثلون. ومثل نابليون بونابرت وروميل وغيرهما من القادة الكبار اتخذت قرارا شجاعا بتأجيل المهرجان الى العام القادم. وبالطبع أثار هذا زوبعة ولكنني رفضت حضور الزوبعة وسافرت الى الدوحة لحضور النصف الأخير من مهرجان الخليج المسرحي السابع. وأسعدني أن ينتبه صديق أنني حضرت خلال هذا الشهر مهرجانات سينمائية ومسرحية وتليفزيونية وأنني أساهم فيها بنصيب، رغم اتهامي بالكسل. ويسألني صحفي - كالعادة - ما رأيك في المهرجانات؟ وأجيب بأن للمهرجانات فوائد هي كذا وكذا. ولكن قد تنحرف المهرجانات عن هدفها فلا تفيد. سؤال مكرر واجابة مكررة. والتكرار قد يكون ناتجا من شرود ذهن الانسان، وخلال هذا الشهر الطويل كان ذهني شاردا. إذ كنت طول اليوم أفكر في المهرجان الأكبر، واذا أردت تفاصيله فاقلب هذه الصفحة من «البيان» الى صفحات السياسة نجانا الله من شرورها!