ليس هناك موقع حدودي على حافة هذه البلدة الصغيرة، ولا ضباط هجرة لمهر جوازات السفر. ولكن ربما يجب ان يكونوا موجودين. جوزيف تانتشي يهز يده باتجاه قرية كومبو التي تقع في الطرف الآخر من الطريق على بعد خمسة كيلومترات يقول: «هناك انهم فرنسيون، وهنا نحن انجليز.. ولذلك نعرف فقط الاشخاص الانجليز». والحقيقة ألا أحد في هذه الزاوية من الكاميرون فرنسي أو انجليزي، فالجميع كاميرونيين. ولكن على امتداد الطريق بين كومبو وسانتا، وهي طريق معبدة جيدة تؤدي الى المرتفعات الشرقية للبلاد تتصادم لغتان بطريقة معقدة ومتكسرة ناجمة عن ترابط ولد من الماضي الاستعماري. إذا كانت القومية في الكاميرون هي الرباط الذي يربط الناس بعضهم ببعض فإن اللغة تفرقهم وتباعد بينهم بصورة متأصلة. وفي حين البلد يعترف باللغتين الفرنسية والانجليزية لغتين رسميتين، فإن الطبقة الحاكمة تتكلم الفرنسية، أي انها فرنكوفونية تعتبر اللغة الانجليزية لغة ثانوية، في حين ان الذين يتكلمون الانجليزية ـ الانجلوفون ـ يتكتمون بصعوبة عداءهم المخفي وراء المظهر المسالم للكاميرون. إلا ان الامور سائرة منذ بعض الوقت نحو التغيير الانجلوفون يلاحظون اليوم ان لغة تخاطبهم ليست مكروهة الى هذا الحد. وصفوف اللغة الانجليزية في المدارس مكتظة بالتلاميذ الذين يريدون دراستها، والشوارع مليئة بملصقات دعائية لمعاهد تدرس اللغة الانجليزية. لقد ظلت فرنسا طيلة عشرات السنين المكان الذي يتطلع اليه الكاميرونيون والبلدان الافريقية الاخرى الناطقة بالفرنسية طلبا للمعونة والارشاد. وظلت باريس تراقب مستعمراتها السابقة عن كثب وساعدت حكومات العديد من تلك المستعمرات، ووقفت على أهبة الاستعداد الدائم لتقديم المساعدات الاقتصادية، فضلا عن ارسال الطائرات المحمولة بالمظليين لقمع حركات التمرد. الا ان النفوذ الفرنسي أخذ ايضا طريق التراجع في افريقيا. وقد تغاضى أو سمح القادة السياسيون في فرنسا الذين باتوا يتضايقون من التكاليف الاقتصادية والعسكرية للنهج الذي تتبعه حكومة باريس، بأن تتدهور العلاقات مع القارة الافريقية. وفي هذه الاثناء أخذ اقتصاد الكاميرون القوي ينوء تحت ضغوط سوء الادارة وتدني اسعار صادرات البن والفساد المتفشي في أواسط الحكم التسلطي. وحاليا يضطر الكاميرونيون الطموحون الى البحث عن الفرص خارج فرنسا، واللغة الانجليزية التي تزداد سيطرتها كلغة اقتصاد العولمة تبدو أكثر جاذبية من ذي قبل. وتقول كارين بينجا الفرنكوفونية البالغة من العمر 19 سنة والتي بدأت تدرس اللغة الانجليزية في ياوندي عاصمة الكاميرون: «في الحقيقة ان اهتمامي بتعلم الثقافة الانجلوفونية أو الثقافة البريطانية ليس عظيما، إنني فقط أريد ان أستفيد من ازدهار الانترنت، كلما أريده هو ان أتعلم اللغة الانجليزية». إن الفرنسيين مشهورون بحساسيتهم في أمور لغتهم، غير ان الان ماركي مدير العلاقات الدولية اللاليانس فرانسيز المؤسسة المسئولة عن ترويج اللغة والثقافة الفرنسية في العالم، يقول ان تزايد الاقبال على تعلم اللغة الانجليزية لا يعني ان اللغة الفرنسية في حالة تراجع. ويضيف ماركي: «لا أعتقد ان ذلك يشكل تهديدا للغة الفرنسية، يتوجب علينا ان نعمل من أجل التعددية اللغوية، إننا لا نحارب اللغة الانجليزية، والطلب على اللغة الانجليزية في الكاميرون ليس مدهشا، فالطلب على اللغة الانجليزية في سوق العمل والوظائف كبير وجذاب». هذا التسامح الذي يبديه ماركي ليس واسع الانتشار في الكاميرون، فالانجلوفون يتذمرون من الشوفينية اللغوية الفرنسية ومن هؤلاء الشوفينيين الذين يتعاملون بفظاظة مع الزوار ويحتسون البيرة بدلا من نبيذ النخيل. وبالمقابل يسخر الفرنكوفون من الانجلوفون لارتدائهم الالبسة الصارخة وفظاظتهم والغلواء اللغوية. يقول السياسي الفرنكوفوني المعروف أوغستان فردريك كودوك ساخرا: «هناك اليوم شعور بأن الخلفية اللغوية لاخواننا الانجلوفونيين أصبحت هوية كاملة لديهم». ومع ان كافة البلدان الافريقية المعاصرة تقريبا تعاني من أعباء تركتها الاستعمارية العشوائية، مثل الحدود التي تقسم المناطق الاثنية، أو تجمع أقوام من خلفيات متعددة جدا في تركيبات كيانية متقبلة، فإن تشكيل الكاميرون يتميز بتعقيد خاص. فالكاميرون، التي كانت أصلا محمية تحت الحكم الالماني، تقاسمتها فرنسا وبريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وفي الاستفتاء الشعبي الذي أجري في القطاع البريطاني في العام 1961، بعد سنة واحدة من نيل الاستقلال، صوت البعض على الانضمام الى نيجيريا التي تتكلم اللغة الانجليزية فيما اختار البعض الانضمام الى القسم الفرنسي من الكاميرون. وهؤلاء الآخرون يشكلون الآن 15% من مجموع السكان البالغ عددهم 15.5 مليون نسمة. اليوم، وحتى في المناطق الانجلوفونية تبث غالبية البرامج التلفزيونية والاذاعية باللغة الفرنسية، مع ان اللغة الانجليزية هي لغة المدارس والصحف في تلك المناطق. في الطريق بين كومبو وسانتا تتحول الحرارة الخانقة في السهول المنخفضة الى نسائم منعشة تهب من التلال الشرقية الانجلوفونية، وطبعا تتغير المفردات المستعملة الدارجة ايضا، فعبارة «بونجور» (صباح الخير) تتغير فجأة لتصبح «جود مورنينج» وكذلك تتغير لافتات المحال التجارية من الفرنسية الى الانجليزية. وغالبا يبدو الأمر انه شيء بسيط بل وتافه، ولكن عندما يحدث توتر كما حدث في انتخابات الرئاسة عام 1977، يثور الحديث حتى عن احتمال الثورة الفورية. ويقول جون فرو نيد رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الاجتماعية المعارض، وهو حزب اللغة الانجليزية الرئيسي: «لقد خف التوتر الى حد معين، ولكن لايزال هناك ناطقون بالفرنسية يعتقدون انه اذا لم يكن ناطق بالانجليزية لعبة في أيدي الفرنسيين لا يستطيع ان يصبح زعيما في هذا البلد».