كشف النقاب مؤخرا عن مجموعة صور نادرة للزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي الذي لاتزال حياته تمثل نبراسا وملهما لكثير من الهنود وغيرهم على امتداد العالم. وهذه الصور تلقي الضوء على زوايا لم تكن واضحة من أبعاد جاذبية غاندي الشخصية وحياته الخاصة. ولم تظهر هذه الصور خارج الهند نادرا، ولكن في عام 1985 قام أحد أتباع غاندي الحاليين ويدعى بيتر روحي بزيارة الضيعة الخاصة بكاتب سيرة غاندي، فيتالباي جافيري في بومباي، وقد عثر على صندوق خشبي قديم كبير يضم مجموعة من الصور، وكان الصندوق موضوعا على شرفة تطل على شاطيء البحر. وحصل روحي على اذن من عائلة جافيري بالحفاظ على مجموعة الصور وتصنيفها. وفي العام نفسه قابل حفيد شقيق غاندي المدعو كانو، وهو الشخص الوحيد الذي سمح له غاندي بالتقاط الصور له. وعندما مات كانو غاندي اقنع روحي أرملته بعدم رمي صور العائلة القديمة. وأتاحت هذه الجهود لنا الآن فرصة القاء نظرة من قريب على حياة احدى أعظم شخصيات القرن العشرين. وقد يكون من السهل انتقاد بعض من عادات غاندي الغريبة، مثل هوسه باتباع الحمية الغذائية واحتقاره للطب والتقنية الغربيين. وهناك أمور اخرى أثارت الاستغراب في حياة غاندي، مثل سذاجته التي تجلت في الرسائل التي كتبها لهتلر يطلب فيها العمل على منع حدوث المزيد من المشكلات في أوروبا وقبوله الواضح لغزو ياباني محتمل للهند. ويقول المؤرخ تيري ماكنامي ان أكثر انتقاد مبرر وجه الى غاندي هو انه لم يستوعب الشر أبدا على حقيقته، فهو لم يدرك كيف يمكن لأي شخص ان يكون محصنا أمام قوة المعاناة التي يتم تحملها عن طيب خاطر. لكن احتجاجاته المنظمة المتعلقة بالعصيان المدني ساعدت بالفعل على اضعاف قبضة بريطانيا العظمى في الهند. تعلّم غاندي روح التضحية الذاتية من والدته بوتليبا التي وصفها بأنها «قديسة ذات تديّن عميق» وكانت أمه نباتية، وغالبا ما تلتزم بالصوم، تلك الممارسة الروحية التي استخدمها ابنها فيما بعد كأداة سياسية، أما تعففه وبعده عن الملذات، فهذا يعود الى شعوره بالذنب حيال وفاة والده. ثم ذهب فيما بعد الى ادانة زواج صغار السن وتبرأ من ابنه البكر بسبب حياة اللهو التي كان يعيشها الأخير. والى جانب صرامة غاندي وقدرته على كبح جماح نفسه، كان هناك ولع شديد بالعدل وحب حقيقي للحياة، الأمر الذي جمع حوله العديد من الاصدقاء والاتباع. كان اهتمامه يشمل جميع الهنود ويمتد حتى الى طائفة المنبوذين الذين لم يكتف بلمسهم جسديا، وإنما انتمى اليهم عمليا وعلى الملأ من خلال قيامه بتنظيف المراحيض بنفسه، كما انه قام برعاية الاشخاص الذين يعانون من أمراض معدية كالمصابين بمرض لجذام. ولقد أكسبته أفعال كهذه مكانة الرجل البارز والمحبوب بين أبناء الشعب الهندي. وعندما تعرض غاندي للاغتيال في الثلاثين من يناير عام 1948، اعتبر الملك جورج ملك بريطانيا الحادثة بأنها «خسارة لا تعوّض للبشرية». واعرب رئيس الوزراء البريطاني كليمنت آتلي عن «الأسى العميق» في برقية بعث بها الى جواهر لال نهرو رئيس الوزراء الهندي. أما نهرو، وهو صديق غاندي ورفيق دربه، فقد كان مصابا بالذهول وقال في حينه «انطفأ الضوء من حياتنا وعمّ الظلام في كل مكان». أما بالنسبة لغاندي فقد كانت تلك هي النتيجة الواضحة لحياته الاستثنائية، فهذا الشخص الذي آلمه بشكل لا يحتمل سفك الدماء الذي أعقب تقسيم الهند واقامة دولة باكستان في عام 1947، وواجهته هزيمته واخفاقه في تحقيق دولة علمانية يعيش فيها الهندوس والمسلمون بانسجام، وحزن على وفاة زوجته المخلصة كاستوربا (التي توفيت في عام 1944) هذا الشخص كانت سنوات حياته الأخيرة متسمة بالاكتئاب وعدم الثقة بالنفس. والحقيقة هي انه لم يكن خائفا من الموت، بل انه كان يرى في تضحيته بحياته حلا ممكنا للاضطرابات المحيطة به وتلك التي بداخله. ويقول المؤرخ ماكنامي انه «ربما كان يعتقد ان تضحية نهائية واحدة يمكنها ان تصلح الوضع».