المؤلفة دافا سوبل مفتونة منذ سنوات بالرجل الخاطيء. لقد اعتقدت ان جاليليو جاليلي يجسد أسمى المثل العلمية ـ الموضوعية والتعقل ـ في سعيه الفردي العنيد كافة ألغاز السماء والأرض. ثم اكتشفت سوبل ان جاليليو أنجب ابنة، وقد صعقها ذلك الاكتشاف لأن جاليليو كان بالنسبة اليها، كما تقول تمثالا من الرخام لا يعقل ان يكون قد أنجب اطفالا. والأنكى من ذلك ان ابنة جاليليو كانت راهبة، وهذا كان في رأي سوبل غير قابل للتصديق لأن جاليليو، حسب اعتقاد المؤلفة ايضا كان من ألد أعداء الكنيسة الكاثوليكية وشخصا ترك الدين والخرافات القديمة وراءه للانصراف الى عمله العلمي الرصين والهاديء وشق طريقه في الكون. وتتوقف سوبل عن الكلام لالتقاط أنفاسها، ثم تتابع: «جعلني ذلك أفكر ان كل الاشياء التي أعرفها عن جاليليو خاطئة، وانه كان رجلا متدينا، وهذا التفكير أدهشني بدوره. وتضيف سوبل كاتبة الشئون العلمية في جريدة نيويورك تايمز سابقا: «كنت سابقا مفتونة جدا بجاليليو ولكن للأسباب الخاطئة، إن كل ما أعرفه عنه كان خرافة». ووفر حطام الأوهام المهارة لسوبل مصدر وحي لكتابها الجديد (ابنة جاليليو) الذي يروي حياة العالم الفلكي والمخترع ومراسلاته غير العادية مع فيرجينيا، كبرى بناته الثلاث اللواتي أنجبهن بصورة غير شرعية، والتي أرسلها الى أحد الاديرة عندما بلغت الثالثة عشرة. وعرفت فيرجينيا لاحقا باسم ماريا سيلستي وأصبحت حافظة أسراره وظلت وفية له خلال سنواته العاصفة الحرجة، ولاسيما خلال محاكمته أمام مكتب التحقيقات المقدس التابع للكنيسة بتهمة الهرطقة لاصراره على ان الكرة الارضية تدور حول الشمس. وتقول سوبل: كانت انسانة طيبة جدا. وقد عانت الكثير غير انها حافظت على شخصيتها الحكيمة والطريفة والمحبة. لقد أعجبت بها الى أقصى حد، واعتقد ان كل من يقرأ رسائلها سيصبح لديه نفس الشعور. لقد أحسست بأنني مقربة منها الى درجة لا أستطيع ان أشرحها، فأي قاسم مشترك يمكن ان يكون لي مع راهبة ايطالية عاشت قبل 400 سنة؟ وستنشر الرسائل باللغتين الانجليزية والايطالية قريبا بشكل كراس مرافق للكتاب الذي أعدته سوبل. ولقد اضطرت سوبل الى تمتين لغته الايطالية لكي تترجم الرسائل التي يبلغ عددها 124 رسالة. وقد سافرت الى فلورنسا لكي تطلع على النسخ الاصلية القديمة والمهترئة والمحفوظة والموضبة بشكل كتاب. وتقول سوبل وهي تضحك بشيء من العصبية: «لقد وقفت مشدوهة أمام الرسائل بضع دقائق ولم استطع لمسها ثم لمستها وأيقنت من لمسها أول مرة». ولم توقن سوبل الأهمية الخاصة التي تتسم بها المراسلات بين الأب والابنة الا بعد ان قطعت شوطا كبيرا في تأليف الكتاب الذي يحمل العنوان الفرعي «مذكرات تاريخية عن العلم والايمان والمحبة». وتقول سوبل: «تذكرت انه عندما توفي والدي في العام 1992 ساعدت والدتي على البحث بين أغراضه الشخصية، وكنت أرغب في الحصول على شيء استطيع ان احتفظ به لنفسي، وعليه فتشت في الدرج العلوي حيث كان الشيء الوحيد رسالة منها كتبها اليه قبل 20 سنة وقد احتفظ بها كل تلك المدة، ولاشك في ان هذا الأمر شدني عاطفيا نحو قصة جاليليو». وقد استغرق اعداد الكتاب الذي رشح لجائزة بوليتزر في السنة الماضية خمس سنوات من الابحاث والتأليف والتحرير. وتقول سوبل انه عندما انتهت من اعداده شعرت باكتئاب، وهذا غير معهود عندي فأنا أم لطفلين وهذا أول اكتئاب ما بعد الولادة أصاب به. سوبل، التي تبدأ الكتابة يوميا حوالي الساعة الرابعة صباحا نشأت في حي البرونكس في نيويورك، ووالدها طبيب ووالدتها صيدلانية. هذا ما جعلها تهتم بالأمور العلمية منذ صغرها «لأن العلوم موجودة في المنزل ولا أحد تكلم عنها كشيء غريب أو صعب». وقد تأثرت سوبل كثيرا بعالم الفلك كارل ساجان الذي عملت معه كمستشارة في مسلسله الشهير «كوسموس»، كما انها راسلت مجلة هارفارد التي نشرت لها مقالات عن الابحاث العلمية وتاريخ العلوم. كتاب سوبل قبل الأخير يحمل عنوان «خط الطول» الذي يروي قصة جون هاريسون العالم والساعاتي الذي عاش في القرن الثامن عشر والذي ابتكر طريقة تقرير الموقع شرق ـ غرب في البحر.