أيّاً كان الموضوع الذي تؤثره على غيره فأنت لا تستطيع ان تنكر على سليمان العيسى الذكاء في الاصطفاء حينما اصطفى اسلام «جبلة بن الأيهم» ثم ارتداده، فجعله موضوعاً لمسرحيته «الازار الجريح». فهذا الموضوع الخطير المثير يصلح لعمل تمثيلي كبير، واسع الآماد، عميق الأبعاد، لما فيه من نزاع خفي بين الدين والدنيا، بين الخير والشر، بين الحق والباطل، ومن صراع قوي بين المظاهر والجواهر، بين المصالح والقيم، بين الملك المزهو بتاجه من جهة والأمة الساعية الى المساواة من جهة اخرى، بين الحب الذي مثلته اميمة والواجب المتمثل في عمرو. ومن عرض الأحداث في الخاطرة السابقة وضح لك كيف استطاع المؤلف ان يظاهر الدين والخير والحق والجواهر والقيم والمساواة والواجب على أضدادها: الدنيا والشر والباطل والمظاهر والذات والحب. غير ان احتشاد كل هذه الأفكار في مسرحية واحدة لا تحيا على منصة المسرح اكثر من ساعتين اثقل النص وقارئه، والتمثيل ومشاهده بمقدار كثيف من القضايا الدسمة التي يمكن ان توزع على بضع مسرحيات. واذا جاز لنا ان نعد هذه المسرحية الشبيهة بالمأساة اليونانية مأساة اتباعية جاز لنا ان نأخذ عليها، برغم اعجابنا بها، عدة مآخذ، يتعلق بعضها بالمضمون، ويتعلق بعضها بالعناصر الفنية. اما المضمون فإنه كما ذكرنا متعدد الجوانب، موار بالأفكار. والاتباعيون يفضلون الفكرة المكثفة المركوزة في قلب موضوع واحد على الأفكار المبعثرة في مساحة واسعة متباعدة الأطراف. ولعلك تذكر كيف ناقش العيسى مكانة الشعر في العصر الجاهلي، وتردد الشعراء على الأمراء، وارتباط الغساسنة بالروم، ووقوفهم ضد العرب المسلمين باديء الأمر، وانقلابهم اليهم اخره. وكل هذه الأفكار الأدبية والسياسية ذوائب تتدلى من رأس الموضوع، او وفرة «باروكة» ملصقة على جلدة الرأس، وليست منه. ولو ان المؤلف اغفلها او اشار اليها اشارات عابرات في أثناء المحاورات لخلع على النص ترابطاً واتحاداً، ينفيان عنه تفث التشعث. ان الموضوع المحوري هو ارتداد جبلة بعد اسلامه، وحول هذا المحور يجب ان يدور الحوار كله او جله، وكل حوار ينأى عن هذا المحور ينأى بالمسرحية عن الاجادة والتماسك. وهذا المأخذ الموصول النسب بالمضمون جر على المسرحية مآخذ اخرى تنتمي الى الشكل. ومن هذه المآخذ تقسيم المسرحية الى ثلاثة عشر فصلا او مشهدا سمّاها المؤلف لمحات، كأنه يقر بمخالفته الاتباعيين فيما درجوا عليه من التقسيم. واذا كان العيسى يهدف من هذه التسمية الى الاعتذار عن التقصير فان الناقد يحملها على الاعتراف بالقصور. فقد قطعت هذه اللمحات المسرحية تقطيعاً غير مألوف، وجعلت نقلها من الكتاب الى المسرح محفوفاً بالمكاره. ففيم هذا التقطيع الفظيع؟ علة التقطيع عندي حرص المؤلف على الإحاطة بكل جوانب الحدث، او مده اطراف الحدث ليملأ بها العصرين الجاهلي والإسلامي. فقد اضطرته الاحاطة الى الاتساع والامتداد، فطالت به الأزمنة، وتعددت الأمكنة على نحو يصلح لملحمة لا لمسرحية، ويليق برواية لا يفيدها الانفلات، لا بمسرحية تحاصرها ثلاث وحدات. ومن هذه المآخذ بطء الحركة وفتورها في خمس اللمحات الاولى، أي: فيما يقرب من نصف المسرحية. ولك ان تعلل البطء والفتور بالعلة السابقة نفسها. فهذه المشاهد او الفصول الخمسة ليست اكثر من مقدمات توقظ الأذهان، وتعدها لتلقي الحدث الجلل، وهو ارتداد جبلة بعد اسلامه، واحجامه بعد إقدامه، وما جرته عليه الردة من الشدة، والاغتراب من الاكتئاب. ان فتور الحركة يحول المحاورة الى محاضرة، والمسرحية الى قصة. واذا كان من المقبول في العمل الروائي تأخير الحدث المحوري الى النصف الثاني من القصة فمن غير المقبول تأخيره في المسرحية، لان تطوير هذا الحدث وتعقيده هما عصب الفن المسرحي وروحه، فان تأخرا الى النصف الثاني اصيبت المسرحية بشلل نصفي يميت شطرها الاول موتاً فنياً. ولا يفهمن مما قلت انني ارمي نصف المسرحية الاول بالشلل، فان شرف الأفكار وترف الحوار بعثا في المسرحية كلها من بدايتها الى نهايتها روحاً متدفقة، ونفيا عن فصولها الاولى جمود الشلل، وعمن يشاهدها او يقرؤها الاحساس بالملل، وارتقيا بها الى مستوى الادب الانساني الرفيع. ولا أغلو اذا زعمت ان الحوار اجود ما في المسرحية على الاطلاق. فمتى جاد توازن وراء جودته الهنات والسيئات. لقد جاء حوار المسرحية ثمرة ثقافة واسعة وموهبة مبدعة. اما الثقافة الواسعة فقد وضعت بين يدي العيسى فصيح اللغة، يختار منه ويشتار على النحو الذي يربأ به عن تبذل الكتاب العصريين، وتهافت الداعين الى التيسير، وترقيع المنادين باستعمال لغة هجين، تأخذ من الفصحى مفردات الاعراب، ومن العامية اهمال الاعراب، فتكون فصيحة في الكتاب المطبوع، عامية في المنطوق المسموع، ترضى الفصحاء بانتمائها الى الفصحى، وترضي السوقة بنطقها على الطريقة التي ألفوها في الأسواق. واما الموهبة فمعدتها الحس الرهيف بجمال الكلام العربي، والتوقيع البديع على أنغام الخليل بأسلوب يجمع بين العراقة والحداثة، والتقليد والتجديد. وما أظنه قد بلغ ما بلغ من الاجادة إلا بعد ان صقل موهبته الشعرية وذوقه الموسيقي بتجربة طويلة الامد، متعددة الوجوه. بدأها بالشعر الغنائي، فوصف ونسب، وختمها بالشعر المسرحي، فمثل وحاور. في فتائه وشبابه اجرى على لسانه عنيف الأنغام ولطيفها، اذ خص الشعر القومي والسياسي بالعنيف، وخص شعر الاطفال باللطيف حتى ساغ في فمه ايقاع الشعر كما لم يسغ في أفواه لداته. وبعد اكتهاله واكتماله مال الى الشعر المسرحي، فحاذر ما وقع فيه السابقون من تطويل المقطعات الغنائية، وركوب الاوزان المديدة. فتخير من الاوزان مجزوءها ومنهوكها ومن القوافي وأحرف الروي سائغها ورائقها، وراح يتلاعب بأبعاد الاوزان، وأطوال الامواج، فيقصّر الممتد، ويوزع تفعيلات البيت الواحد على اكثر من متكلّم. ولم يكن حواره يجري على نسق واحد من الأناة والاندفاع، والترفق والتدفق، بل كان يتموّج بتموج العواطف، ويتغير بتغير المواقف. كان يترفق اذا لانت النفوس وتطامنت، ويتدفق اذا غضبت واستغضبت. ومن حواره المتدفق السريع النبرات الملائم لشخصية عمر بن الخطاب الحازمة قول عمر، وهو يؤنب جبلة، ويبين له ما في الاسلام من مساواة، ويدعوه الى ان ينضو عنه اغلال الجاهلية وغلائلها، وينصف الاعرابي الذي لطمه وهشم انفه: يا ابن ايهمْ ليس في قبضتنا إلا سلاحْ في يمين اللهْ لا مع حداهْ اسمه الحق الصراحْ وهو لو تعلم امضى من سيوف الارض، من صولتها طولاً وعرضا نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً على هذا النحو من الحزم والجزم، ومن الاصرار الذي لا يعرف التراجع، ولا يقبل الشفاعة، راح عمر يسوط جنبيْ جبلة بسياط العدل الإلهي بعد ان اعترف بما اقترف: لا تداورْ انني ابرمت امري الكرامة فوق قرطيك الغريبين وتاجكْ ومزاجك بشرٌ مثلك من عفرته روحاً وهامه لا تمار عدْ إلى الحق وضيئاً كالنهار هذا الحوار الوضيء وحده قادر على ان يغسل البقع السود التي اشرنا اليها، ويجلو وجه المسرحية، ويزيل ما يعروه من أوثاب. انه بانهماره وانحداره يجرف ما أمامه من وحول، ويقذف ما يعترضه من ركام، ويشد اليه القاريء والمشاهد شدا يصرف نظريهما عن كل عيب. ولا يخطيء من يدعي ان الحوار هو المسرح. فمن كان المجلّي فيه لم يقصّر به عن قصب السبق كبوة في خطوة، او عثرة في فكرة.