في الخامس عشر من سبتمبر 1971 انطلق قارب صغير من فانكوفر بكندا الى موقع الاختبار لتفجير قنبلة هيدروجينية. وعلى متن القارب «فيليس كورماك» كان هناك ثلاثة رجال في مهمة ليشهدوا على كارثة محتملة. كانت الحكومة الامريكية تعتزم تفجير قنبلة هيدروجينية قوتها ميجا طن على جزيرة امتشيتكا وسط منطقة زلزالية وبمساعدة أربعة صحافيين، كان الرجال الثلاثة يأملون بنقل احتجاجهم على ما يجري الى العالم بأسره. وفي الثلاثين من سبتمبر من ذلك العام، وعندما اقترب القارب «فيليس كورماك» من الجزيرة تم اعتقال أعضاء طاقمه من قبل رجال خفر السواحل الامريكي وأبعدوا عن المنطقة. أما القنبلة فتم تفجيرها في السادس من نوفمبر. غير انه على الرغم من ان الرجال بتصرفهم تحت علم المنظمة الوليدة التي تحمل اسم «السلام الأخضر» لم يتمكنوا من وقف التفجير النووي، الا ان القارب الصغير وطاقمه أصبحوا حديث وسائل الإعلام في جميع انحاء الولايات المتحدة. ولم يتم استخدام جزيرة امتشيتكا مرة اخرى كموقع لاجراء تجارب نووية. وتكلل العمل المباشر الرائد بنجاح تكتيكي. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا العمل جزءا من أسطورة مفادها ان أحد المحتجين ويدعى بوب هانتر وكان يعمل في ذلك الوقت صحافيا ومراسلا لجريدة «فانكوفر صن» كان بحوزته على ظهر القارب كتابا لأساطير الامريكيين الاصليين، بما في ذلك نبوءة لامرأة عجوز تدعى «عيون النار». قالت العجوز في نبوءتها انه سيأتي يوم تسلب الأرض فيه من مواردها وتقتل حيواناتها وتلوّث أنهارها. وقبل فوات الأوان، سيتم تعليم مجموعة من الرجال البيض كيف ينقذون الكوكب ويصبحوا محاربي قوس قزح. انها صورة قوية أصبحت نوعا من اعلان المهمة للمنظمة المعروفة الآن باسم «السلام الأخضر» التي تنامت من أعمال المحتجين قبل 30 عاما الى أقوى مجموعات الضغط في العالم. وخلال أوج عظمتهم في الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان شعارهم الشهير الذي يمثل قوس قزح علامة انتماء توحد المثاليين من الطلاب وشخصيات محترمة على حد سواء في هدف مشترك. لم يكن شيء من هذا متوقعا من قبل مؤسسي الحركة في أواخر الستينيات، فقد غادر جيم بوهلن، وهو مهندس سابق، الولايات المتحدة لكي لايتم استدعاء ولديه للخدمة في الجيش. وفي كندا، التقى بمحاميين راديكاليين هما بول كوتي وايرفنج ستاو، وبدأ الثلاثة العمل على فكرة تهدف الى الجمع بين سياسة اللاعنف والحفاظ على البيئة، وسرعان ما انضم اليهم أشخاص يحملون العقلية نفسها، مثل بوب هانتر وديفيد ماكتاجارت وباتريك مور. وقد تم اختيار الاسم المشهور حاليا بعد نقاش عندما قال أحد الاعضاء بهدوء: «من الواضح انه يتعين ان يكون السلام أخضر». وبحلول عام 1971 كانت الحرب الفيتنامية في أوجها، حيث كانت حملات القصف المكثفة تثير مسيرات احتجاجية عنيفة في الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا وبيافرا وايرلندا الشمالية كانت في حالة حرب وكان سباق التسلح قد دخل مرحلة جديدة، فالصين امتلكت القنبلة النووية ونيكسون انتخب رئيسا للولايات المتحدة وبريجينيف تربع على عرش الكرملين. أظهرت حملة جزيرة امتشيتكا ان قيام السلام الأخضر بالمزج بين الأدلاء بالشهادة واثارة اهتمام الصحافة ووسائل الإعلام الاخرى كان ناجحا جدا. وكان الوقت قد حان لكي توسع المجموعة بصرها الى ما هو أبعد من أمريكا الشمالية وحدها. وفي عام 1972 كانت فرنسا تفجر أسلحة نووية على جزيرة مروروا المرجانية في بولينيزيا الفرنسية على المحيط الهادي. وتطوع ديفيد ماكتاجارت لكي يتولى التحدي في قاربه «فيجا» الذي بلغ طوله 12 مترا. وفشل في محاولاته منع التفجيرات، ولكنه حاول مرة اخرى في عام 1973. وفي هذه المرة قام الفرنسيون بالصعود على متن القارب وضربوه بشدة حتى انه أصيب بالعمى الجزئي في احدى عينيه. غير ان ما لم يعرفوه هو ان أحد افراد طاقم القارب صور الحادث باستخدام الكاميرا وهرّب الفيلم الى الشاطيء وتمت اذاعة نبأ الاحتجاجات وعملية الضرب في جميع أرجاء العالم لمصلحة المحتجين. وكانت النتيجة ان أوقفت فرنسا اختباراتها النووية في عام 1975. كانت تلك لحظة حاسمة، فالسلام الأخضر نظر اليها باعتبارها الضحية النبيلة. وهذه الصورة رغم انها لم تكن متوقعة ومرغوبة الا انها كانت لصالح السلام الأخضر بشكل يفوق ما كان يتصوره أي شخص وخاصة عندما وصلت الى المرحلة التالية وهي الحملات المناهضة لصيد الحيتان. وقد عملت الصور التي التقطت لأساطيل صيد الحيتان ولكميات الحيتان التي تم اصطيادها على اثارة صدمة لدى الجمهور. وتعززت هذه الصدمة عندما حولت السلام الأخضر اهتمامها الى حيوان الفقمة. كانت السلام الأخضر نجحت في تحقيق هدفها، فقد أصبحت قوة يستحيل تجاهلها. وفي عام 1978 سجل النشطاء أول نجاح مباشر لهم عندما تم ايقاف عمليات ذبح الفقمة الرمادية في جزرأوركني باسكتلندا بفضل الحملة التي قامت بها السلام الأخضر. لقد أحب الرأي العام هذه الحركة، فهي عبارة عن أناس يقومون بشيء مقتنعين به ويخاطرون بحياتهم من أجله بحماسة والتزام. ولايزال الكثيرون الى يومنا هذا يربطون المنظمة بتلك الحملات الأولى ويعرّفونها من خلالها. لم تكن السلام الأخضر المنظمة البيئية الوحيدة التي برزت في تلك الفترة، فحركة أصدقاء الأرض تشكلت في عام 1971 وكذلك الحال بالنسبة للصندوق العالمي للحياة البرية، بينما كانت خلايا نشطاء الخضر تكبر في الغرب. غير ان ما أكسب السلام الأخضر شعبيتها لم يكن القضايا التي كافحوا من أجلها فحسب وإنما الطريقة التي تعاملوا بها مع تلك القضايا. ضرار عمير