عندما تغور الشمس وراء الجزر الحلقية والبحيرات تفرد الخفافيش اجنحتها وتحلق وتطير باتجاه الأصيل فوق الانوار المتلائمة لهذه المدينة في غرب القارة الافريقية. مئات الالوف من الخفافيش تشكل جحافل عظيمة تنطلق بالقرب من ناطحات السحاب وابنية الشقق السكنية، وتلقي بظلها فوق الاوتوسترادات المزدحمة وشبكات الترع المائية والبرج البالغ ارتفاعه 75 مترا، وهي متجهة الى الضواحي المليئة بالاشجار. هذا المشهد يبدأ به البحث الليلي عن الطعام في القرى الواقعة خارج العاصمة والمركز المالي لساحل العاج. وينتهي البحث مع بزوغ الفجر عندما تعود الخفافيش لقضاء النهار متدلية من اغصان اشجار المانجا على جانبي البوليفارات. وتبدو الخفافيش المتدلية من اعشاشها ومكشرة عن انيابها شيئا مخيفا للمارة، الا ان هذا المشهد هو من المشاهد التي تعود عليها سكان المدينة. ويقول ايمانويل ويلفريد المراهق الذي يحرس السيارات المتوقفة في احد الشوارع في وسط المدينة: اننا لا نخاف منها. اننا نأكلها. ويقول خبراء البيئة ان ثمة مليون خفاش من النوع الذي يقتات على ثمار الاشجار في ابيدجان، مما يضفي طابعا غوطيا على المدينة التي لم يتعلم سكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة التعايش مع تلك المخلوقات فحسب، بل اتقن كيفية اصطيادها واستعمالها في طبخات لذيذة، وفي طقوسهم السحرية. في اجزاء اخرى من العالم تعيش مستعمرات الخفافيش ـ او الوطاويط ـ في مغاور مظلمة بعيدة عن بني البشر، في حين ان خفافيش ابيدجان استطاعت التكيف مع حياة المدينة. وتحاول معظم الخفافيش ان تنام متدلية في اغصان الاشجار في حي بلاتو (الهضبة) او المنطقة التجارية النشطة في وسط المدينة. ولكن النوم في المدن ليس سهلا، اذ انه اضافة الى حرارة الاجواء الاستوائية والرطوبة الشديدة، تواجه الخفافيش ايضا دخان السيارات والزمامير التي لا تنقطع وصراخ الباعة المتجولين. ويقول مامادو واتاره، الذي يعمل مرشدا للسياح الاجانب ان الضجيج لا يزعج الخفافيش فهي معتادة على العيش في المدينة. غير ان الكثير منها تبدو متوترة وهي تحرك اجنحتها وتصدر اصواتا وزعيقا حادا طيلة ساعات النهار. والحقيقة ان الخفافيش وعددا من الرجال المسلحين كانت مؤشر الحياة الوحيدة في الشوارع التي خلت من الناس خلال القلاقل السياسية والعسكرية التي وقعت مؤخرا. وغروب الشمس هو المؤشر اليومي للخفافيش للانطلاق دفعة واحدة بحثا عن ثمار المانجا والموز والبابايا واي فاكهة لذيذة اخرى تستطيع العثور عليها، وعندما تغادر الخفافيش، كذلك يفعل الباعة المتجولون ورجال الاعمال والشحاذون الذين يعملون في وسط المدينة في النهار. ويقول وتارا: عندما تغادر المدينة ليلا فذلك مؤشر لنا للعودة الى منازلنا ايضا. ويقول سكان ابيدجان ان الخفافيش لا تعتدي على الانسان ابدا. إلا ان الانسان لا يبادلها هذا الاحسان، فبوسع الزبائن الجائعين المستعدين لدفع بضع دولارات ان يكلفوا صيادا يستعمل النقافة لاصطياد عدد من الخفافيش لتحويلها الى طبق عشاء. كما يتسلق آخرون اشجار المانجا الكثيفة ليمسكوا الخفافيش بأيديهم وقد تشاهد ايضا خفافيش مربوطة الى العصي تباع حية على مفترق الطرق. والزائر الى سوق «جيرو» في الجانب الشمالي من المدينة يرى عددا من الخفافيش المدخنة مفردة على جريدة قديمة فوق بسطة خشبية. وترفع صاحبة البسطة اليز ياوو واحدة منها وتقول: الواحدة بالف فرانك (حوالي دولار و 25 سنتا) هل تريد عددا منها؟ وبعد المساومة تقدم ياوو ثلاثة خفافيش بنفس السعر اضافة الى وصفة محلية لكيفية اعدادها: افضل طريقة هي سلق الخفافيش وتقديمها بصلصة التوت الاحمر، اللحم طعمه لذيذ جدا والناس يحبونه كثيرا. ولكن اذواق الناس تختلف. فبالنسبة لـ هوسو فوسلين، وهو من بنين، الخفافيش هي جزء من سحر الودوو الذي مارسه اجداده منذ مئات السنين. ويقول هوسو: البعض يأكلون الخفافيش اما نحن فممنوعون من أكلها، وانا امارس المعالجة الروحانية واستعملها في عملي. ولكل من يريد ـ ويستطيع ان يدفع ما يوازي 60 دولارا امريكيا، يستطيع هوسو ان يزيد بسحره عدد الزبائن الذين يرتادون الحانات والمطاعم. والوصفة هنا بسيطة: خذ حرباء واحدة وصقرا واحدا وببغاء وخفاش واطبخها معا بالاوراق فوق موقد، وحول الطبخة الى مسحوق. ولف الخليط بورقة بيضاء وادفنه في الارض ـ او خبئه وراء صورة او لوحة ـ في مدخل الحانة او المطعم. ويقول هوسو قول الواثق من نفسه وهو يبتسم ابتسامة عريضة تكشف عن فجوة بين اسنانه الامامية: في غضون 30 يوما سترى النتيجة. ويضيف هوسو ان كلا من محتويات الطبخة السحرية له قوة معينة. فالحرباء تغير الاشياء والخفافيش تجتذب الاشياء. وليس هناك مكان مزدهر واحد ومليء بالحياة في ابيدجان لم يستعمل شيئا من هذه الاشياء.