تعتبر السلحفاء النهاشة واحدة من اكثر السلاحف خطرا في قنوات وجداول وبحيرات جنوب الولايات المتحدة. وعلى الرغم من انها تعتبر مصدر رعب وخوف للسكان القاطنين في المناطق الواقعة بين فلوريدا وتكساس، فانك يمكن ان تعيش بمحاذاة انهار المسيسيبي وابالاتشيكولا وبيرديرو وسواني اوبيرل دون ان تشاهد واحدة منها في حياتك. وتساهم العادات الماكرة للسلحفاة النهاشة في تعزيز الصورة الشريرة لها كما يساهم في ذلك فكاها القويان وتقول الاسطورة ان السلحفاة النهاشة يمكنها بتر يد او رجل بقضمة واحدة. قد يكون في هذا القول شيء من المبالغة ولكن ليس بالقدر الكبير. فقبل اعوام قليلة، بترت احدى هذه السلاحف ابهام عالم الزواحف والبرمائيات بول مولر الذي يعمل مع لجنة فولريدا للحفاظ على الاسماك والحياة البرية. ومن حسن حظ مولر ان السلحفاة التي عضت اصبعه كانت صغيرة ولا يتجاوز وزنها خمسة كيلوجرامات. فالذكور البالغة يمكن ان يصل وزنها الى اكثر من 90 كيلوجراما ويبلغ طول درعها مترا كاملا، ولا يوجد هناك الكثير من الحيوانات المفترسة التي يمكنها تحدي هذه السلحفاة المتوحشة. يستثنى من هذا الانسان بالطبع ففي داخل الدرع يوجد ما يملأ حوض استحمام باللحم الاحمر، وهو ما يجعل السحفاة النهاشة صيدا لا يقاوم بالنسبة للصيادين المسلحين بافخاخ بسيطة كالصنانير المتسلسلة ـ صنانير بكلابات عديدة ـ والشباك المطوقة وهي شباك تشبه النفق مغلقة من احد اطرافها. ان السلحفاة النهاشة تحتاج وقتا طويلا لكي تنمو الى حجم غطاء بالوعة المجاري، في الشوارع، ولكن هذه السلاحف التي تعيش في النهر يمكنها ان تبلغ عمرا كبيرا، وقد تعمر 100 عام او اكثر. ويعني هذا العمر الطويل ان السلحفاة شأن الحيتان وغيرها من الاحياء المعمرة، قد لا تكون قادرة على تحمل الصيد الجائر فبمساعدة بضعة افخاخ وقارب صغير ومعرفة بعادات السلاحف، يستطيع صياد ان يستنزف بسرعة قطيعا محليا. لقد ابلغ آل ردموند، الذي عمل صيادا في نهر فلنت في جورجيا خلال سنوات السبعينيات عالم الاحياء بيتر ريتشارد انه كان يستطيع جني 450 كيلو جراما من لحم السلحفاة النهاشة كل يوم. وبهذا المعدل، يمكن افراغ نهر بكامله من السلاحف الكبيرة في عام واحد. وقد عمد العديد من الولايات الجنوبية، التي واجهت تناقصا في اعداد السلاحف النهاشة، الى اغلاق المصايد في الثمانينيات لكن ولاية لويزيانا لا تزال تسمح بالاستغلال التجاري وهناك دلائل تشير الى ان هذه السلاحف يتم صيدها بصورة غير مشروعة في الاباما وفلوريدا والمسيسيبي وتشحن الى السوق في نيواورليانز، ولكن هل يمكن اثبات ذلك؟ يقوم فريق من العلماء مؤلف من جو رومان وبرايان باون بتتبع هذه القصة لمعرفة الحقيقة ودراسة سلوك هذه السلاحف واخذ عينات من دمها لاغراض اجراء الاختبارات عليها. وفي فجر احد ايام اكتوبر توجه الفريق الى نهر سانتافيه في شمال فلوريدا بصحبة مولر، وعلى ضفاف النهر، اصطفت الاشجار الباسقة وربضت السلاحف النهرية تتشمس على جذوع الاشجار الهاوية ونزل تمساح الى مياه النهر تحت المصيدة الاولى التي كان الفريق قد نصبها في وقت سابق. كانت المصايد الثلاث الاولى فارغة، مع ان شيئا كان قد سرق طعم السمك من احداها وما ان امسك مولر بالمصيدة الرابعة حتى رفعت سلحفتان من نوع السلاحف النهاشة رأسيهما الى الاعلى للتنفس. تربع مولر في القارب فشاهد سلحفاتين اخريين في الاسفل، ويبدو ان اربع سلاحف قضت ليلة قاسية في تلك المصيدة، كانت السلحفاة الاكبر تزن 45 كيلوجراما وكان طول درعها يبلغ 40 سنتيمترا. وفي ضوء سعر التجزئة للكيلو الواحد من لحم السلاحف الذي يبلغ 20 دولارا، كان يمكن لصيدهم الثمين هذا ان يجلب لهم 500 دولار لو كانوا من الصيادين غير الشرعيين، ولكن كل مافعلوه هو انهم اخذوا بعض القياسات وبضع قطرات من الدم. لقد اظهرت تحاليل الحامض النووي لعينات كهذه ان معظم الانظمة البيئية للانهار من فلوريدا وحتى تكساس تضم سلاحف فريدة من الناحية الوراثية ظلت معزولة لعشرات الالوف من السنين. وقد اكد ذلك الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة لدى علماء الطبيعة الذين عرفوا ان السلاحف النهاشة ذات الفك القوي بخلاف قريبتها السلاحف النهاشة العادية، نادرا ما تغامر بدخول اليابسة او المياه المالحة. وبالتالي، فانه اذا تم صيد جميع السلاحف الموجودة في نهر ما فان هذه السلاحف لن يتم تعويضها من سلاحف مهاجرة من انهار اخرى. كما ان التنوع الوراثي المميز لذلك النهر، وهو الدعامة الاساسية للتطور، سيختفي للابد. غير ان نفس العزلة التي تهدد المجموعات المحلية من السلاحف تجعل من السهل تعقب الصيادين غير الشرعيين فالسلاحف النهاشة لا يمكن صيدها بصورة مشروعة الا من انهار لويزيانا، وبالتالي فان السلاحف التي تحمل النمط الوراثي لنهر المسيسيبي هي وحدها المسموح ببيعها في السوق. ضرار عمير

